العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المسيح في القرآن الكريم

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٥ ٢٠١٩ - 01:00

لقد حظي المسيح عيسى ابن مريم (عليه الصلاة والسلام) بعناية لم يحظ بمثلها غيره من الرسل الكرام، وذلك بسبب ظروفه الخاصة في مولده ونشأته، وكونه الرسول الوحيد الذي تكلم في المهد كشاهد على طهر أمه وعفتها، وأيضا على براءتهما من التهمة التي أشاعوها عنهما بأنهما ادعيا الألوهية، ولولا أن القرآن الكريم، كتاب الإسلام الخالد الذي حفظه الحق سبحانه وتعالى من أن تناله أيادي التحريف والتبديل, لما علمت البشرية شيئًا من أخبار المسيح (عليه الصلاة والسلام)، وسنحاول في هذه المقالة أن نورد بعض الآيات الجليلات التي تحدثت عن المسيح وأمه (عليهما السلام)، وسنبدأ من البداية من يوم تقبل الله تعالى النذر الذي نذرته أم مريم لله تعالى، قال سبحانه: «إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم» آل عمران/35.

كانت هذه هي البداية المباركة التي توحي بما ادخره الله تعالى لهذه العائلة المباركة التي أراد الله تعالى لها أن تتعرض لمحنة اصطفاها لها، وهي محنة لن تتكرر مع غيرها من الأسر، إنها أسرة مكونة من أم وابن على خلاف ما اعتاد الناس عليه.

ولدت امرأة عمران ابنة على خلاف ما كانت تتمنى، لأنها ظنت أن المولود سيكون ذكرًا، فنذرته لله تعالى، قال سبحانه: «فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» آل عمران/36.

ولأن مريم نذرتها أمها لخدمة الرب، فقد كان لا بد لها من كفيل يرعى شؤونها، ويؤمن لها حاجاتها، فتولى الله تعالى اختيار الكفيل، وكان نبي الله زكريا (عليه السلام) زوج خالة مريم، قال تعالى: «فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا وكفَّلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» آل عمران/37.

تربت السيدة مريم الطاهرة المطهرة في رعاية نبي الله زكريا، ولكن رأى زكريا من أمورها العجب حتى تيقن أن هذه المولودة ولدت لغاية قد لا تستوعبها العقول، وأن الله تعالى قد اصطفاها دون باقي نساء العالمين ليظهر من خلالها تجليات طلاقة القدرة الإلهية، قال تعالى: «وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44)» آل عمران.

سنتوقف عند هذا الحد في قصة امرأة عمران ونذرها الذي نذرته لله تعالى، وكيف وفر لها الكفيل الأمين، وهو نبي الله زكريا، وها نحن ننتقل إلى الجزء الخاص بحمل مريم وولادتها لعيسى من دون زوج، قال تعالى: «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين» (آل عمران/45)، وسوف تصبح حياته من الحمل والميلاد والوفاة معجزة باهرة تعجز العقول عن إدراك أسرارها.

في ميلاد المسيح تتجلى طلاقة القدرة الإلهية، يقول سبحانه وتعالى: «ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون (47) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وتدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) ومصدقًا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51)» (آل عمران).

لقد بسط الله تعالى لقوم عيسى مستقبل حياته وما ادخره الله تعالى له من خير، ورد من خلال عرض سجل حياته على ما أشاعه القوم عنه من ادعاءات باطلة، ومن الأهمية أن نستحضر المشهد العظيم حين وضعت مريم وليدها المبارك، واحتارت كيف تفسر لقومها هذا الحمل، فمهما حاولت أن تبرئ نفسها، وتدحض شكوكهم في براءتها فإنها لن تستطيع ذلك، فأعفاها الله تعالى من ذلك كله، وهذا من لطفه في قضائه، فأمرها بأن لا تتحدث إلى القوم، وان تحيلهم إلى وليدها المبارك، قال تعالى: «فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئًا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا  (29) قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركًا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا شقيًا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) » (مريم).

إنه موقف عصيب لمريم ووليدها ولكنه في الوقت نفسه موقف عظيم تجلت فيه الرحمة الإلهية، وطلاقة القدرة الربانية، وفيه من اللطف في القضاء ما خفف عن المسيح وأمه، ونالوا من الله تعالى شهادة البراءة حين وصف كلام المسيح بأنه حق لا مرية فيه.

لقد عَظَّم القرآن الكريم المسيح وأمه (عليهما السلام) وطهرهما من الرجس، ورد عنهما مقالات السوء فلا عجب أن يرد المسيح الجميل إلى رسول الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) حين بَشَرَ ببعثته وبخاتميته، قال سبحانه وتعالى: «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين» (الصف/6)، فمن أراد قراءة قصة المسيح وأمه كأطهر ما تكون القصص، فعليه أن يقرأها في كتاب الإسلام الخالد، القرآن الكريم، وهو الكتاب الذي: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» فصلت/42.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news