العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

عندما اختارت السماء وردة

السبت ٢٤ ٢٠١٩ - 20:38

في يومٍ حزينٍ من أغسطس؛ مدت السماء يدها نحو الأرض كي تقطف وردةً تعيش بين الناس على صورة شاعرةٍ بحرينية شابة اسمها «فاطمة القضاير»، وأمطَرت القلوب التي كانت تستنشق عطرها سيلاً من الدموع، بينما قررتُ أنا تحويل دموعي إلى كلمات لأن الكلمات تملك قُدرةً أكبر على الخلود.

قبل سنين بعيدة، كُنتُ ممددة على الأرض في ظلام دامس لحُجرة خاوية من البشر، أنشجٍ بقهر حوَّل وجهي إلى بُحيرةٍ من الدموع، عندها خطر لي أنني لو مت في تلك اللحظة فلن يهتم لموتي أحد، سيُهال الرمل على جسدي، ثم ينطلقون للبكاء وتبادل التعازي في مكانٍ ما، وبعد ثلاثة أيام ينتهي أمري بالنسبة للآخرين باستثناء أمي وأبي.. في كل الأحوال سيتم اختلاق سبب بريء مناسب لموتي، ولا أحد سيعرف أن السبب الحقيقي هو ما أعيشه من قهر، وأن قتلتي الحقيقيين مازالوا يرقصون فوق الأرض التي تسببوا بانتهائي تحتها. منذ تلك اللحظة اتخذت قرارًا بأن أبذل ما بوسعي كي لا يكون موتي صامتًا، خفيًا، قابلاً للنسيان السريع، واخترتُ أن يكون أسلوبي في جعل العالم يسمع صوتي هو «الكتابة».

هذا حال معظم الإناث في عالمنا العربي، وربما مُعظم العالم، لكن يُمكن اعتبار جيلنا أكثر حظًا من أجيال أُنثوية سبقتنا لأننا نملك نعمة الكتابة، ونعمة حُرية التعبير عن آرائنا الصريحة بنقرة زر مدعومات بمُساندة خدمات التكنولوجيا ووسائل الاتصال، هذا خفف -إلى حدٍ ما- من مشكلتنا التي يُمكن تلخيصها بأن لا أحد يُقيم لنا وزنًا حقيقيا أو يعطي وجودنا القيمة التي يستحقها ما لم نبذل جُهدًا مُضاعفًا نقول به «إننا هُنا»، حتى على صعيد التعامل مع الموهبة الأدبية – كمثال- لا بد وأن تبذل الأنثى في المُجتمعات العربية المُحافِظة ثلاثة أضعاف ما يبذله الرجل من جُهد كي يصل إلى القارئ رغم أنهم يظنون العكس! فالكاتب الأديب إذا كان رجُلاً لا يحتاج المرور بألف معركة واجتياز مائة حلقة نار عائلية ومُجتمعيّة ومكانيّة كي ينشر مقالاً باسمه الصريح، أو ينشر صورته مع قصته القصيرة، أو يخرج في لقاء تلفزيوني للتحدث عن آخر أعماله الروائية.. يجب أن تكون الأديبة الأُنثى «فِدائية» بامتياز كي تملك الجرأة الكافية لقول بعض ما لديها (وليس كُله!) مُتحملة كل ما سيجلبه ذلك عليها من كوارث فوقها أطنان مجّانية من الضغينة والحسد غير المُبرر!

اقتطاف «فاطمة» التي مازال عطرها هنا ذكرني بكل باقات الورود الشابة التي تطايرت بتلاتها نحو السماء خلال السنوات الماضية، دون أن يُنصفهن الشعر الذي ارتبطن به، أو يُنصفهن النثر الذي أخلَصن له، فقط لأنهن كُن مُسالِمات، رقيقات، خجولات، وأكثر تواضُعًا من أن يهتممن بقضاء الوقت الكافي لمُنافسة مئات الأنانيين ممن يُريدون كل شيء لهم وحدهم في الأوساط الإبداعية.. لا شيء يُمكن قوله أكثر غير أنني أرجو من باقات الورود الباقية أن يتسلحن بشجاعةٍ أكبر لقهر الموت بإبداعهن كي لا يلتحف تاريخهن بالصمت ثم الاندثار وكأنهن لم يكُن. شعوري بالأسى لأن فاطمة لم تجد الوقت الكافي كي تقول أنها «هُنا» بأعلى صوتها قبل الرحيل جعلني أحاول إبقاء اسمها حيًا ولو في مقال، أنا التي كُنتُ أتوقع لها مُستقبلاً أدبيًا أكثر اتساعًا إلى الحد الذي أعتبرها تستحقه.

في فلم «وُجهة الزفاف» من إخراج وسيناريو «فيكتور ليفين» وبطولة «كيانو ريفز» و«وينونا رايدر» يقول البطل للبطلة إننا نحن البشر «في صراعٍ مع الموت منذ مرحلة البلوغ»، أنا شخصيًا أرى أننا في صراعٍ معه منذ وجودنا في بطون أمهاتنا، لأننا قد لا نخرج منها أحياء. إذن؛ فالحياة هي فُرصة ممتدة بين موتين لنؤدي رسالة ما، رغم أن الرسول نفسه قد لا يعرف فحوى الرسالة!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news