العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ومن الأكل ما يهلك

لفت انتباهي في العاصمة الخرطوم محل حلاقة يحمل اسم «زعمطة» والكلمة في القاموس السوداني تعني نتف الشعر عشوائيا بحيث يبدو الرأس في منتهى البهدلة، وتذكرت كيف ثارت ضجة في الصحف المصرية بعد افتتاح مطعم يحمل اسم «ودِّع أهلك»، يتخصص في بيع فتة الكوارع (سيقان وأظلاف البهيمة المجردة من اللحم، وتحوي مواد شديدة اللزوجة تصنع منها مادة الغراء الطبيعي، وبالتالي فإن الحكومات الدكتاتورية تدعم الكوارع كي يباع بأسعار رمزية لأن من يأكل الكوارع يحرم نفسه من حرية التعبير لأن شفتاه تظلان ملتصقتين بضع ساعات)؛ ويبيع المطعم لحم الرأس والممبار (نوع من السجك/النقانق في سُمك أنبوب نفط ومحشو بقليل من اللحم والكثير من الشحم أو فتافيت الخبز).

فات على الصحف المصرية الإشادة بأمانة وشجاعة صاحب ذلك المطعم، ففي علب التبغ نجد تحذيرات لا يلتفت اليها المدخنون تفيد بأن السجائر ضارة بالصحة.. ولو كان مكتوبا على تلك العلب ان السجائر «قاتل حتما»، لاضطرت شركات السجائر لطلب القروض من أبو الجعافر.. اسم المطعم «ودع أهلك» لأن من يأكل طعامه بانتظام يهلك.. وعلى مسؤوليتي فإن الكوارع ولحم الرأس والممبار ليست أكثر خطرا على الصحة من البيرغر والبيتزا.. في أمريكا تدق الدوائر الصحية نواقيس الخطر لأن نصف الأطفال دون الخامسة عشرة صاروا من فصيلة الدببة، بدرجة ان ميشيل أوباما زوجة الرئيس الأسبق قررت قيادة حملة وطنية لمنع بيع الأطعمة التي تحوي كميات كبيرة من الدهون والسكريات في المدارس.. في بريطانيا أنفقت الحكومة نحو مليار ونصف المليار دولار لتنفيذ مقترحات تقدم بها الطباخ المشهور جامي أوليفر لجعل الوجبات المدرسية صحية وخالية من مبيدات العافية التي صارت تباع تحت مسمى الوجبات السريعة.

أعتقد أن جيلنا في السودان أكثر حبا للوطن من الأجيال الشابة لأن الوطن قدم لنا كل شيء يفيد نمو العقل والجسم.. كانت الحكومة السودانية تقدم لكل طالب الى جانب الوجبات اليومية كوبا من اللبن، وكانت الوجبات الحكومية تلك تتألف من الخضراوات واللحم والبروتين النباتي (الفول والعدس) والنشويات المتمثلة في الخبز والرز.. وطلاب اليوم في السودان عليهم توفير الوجبات بالعون الذاتي، والوجبات المتوافرة لا تتوافر فيها أبسط مقومات الصحة العامة.. ولكن المصيبة هي انه حتى في دول الخليج الغنية فإن كافتيريات المدارس تبيع نفس السموم التي تحمل اسماء افرنجية ذات طنين ورنين، الى جانب وجبات هندية تفتك بالجهاز الهضمي والعصبي وتسبب سيلانا دائما في الأنف والأذن والحنجرة.. والكارثة الكبرى هي ان البدانة بين الأطفال في منطقة الخليج صارت وبائية، وفي الدول العربية الفقيرة يُعتبر تناول الوجبات السريعة ذات المنشأ الغربي نوعا من الوجاهة، ومن يريد تدليل وتدليع عياله في تلك الدول يقول لهم: النهار ده نتغدى بيرغر بمناسبة نجاحكم في الامتحانات.

لا أذكر من هو الكاتب الأمريكي الذي قال: كل الأشياء المحببة الى معدتي إما حرام او ضارة بالصحة! وأضيف من عندي: وكل ما هو حرام في الطعام والشراب ضار بالصحة، ولكن بني آدم عموما يأكلون ويشربون ما يضرهم وهم عالمون بأضراره طالما الضرر يأتي على المدى الطويل.. لحين من الدهر قدمت مطاعم ماكدونالدز وجبات صحية نسبة الخضراوات فيها عالية ولكنها لم تجد قبولا لدى زبائنها فعادت تقدم وجباتها التقليدية (هناك مطعم أمريكي يحمل اسم هارت أتاك أي نوبة قلبية).

شخصيا اعتقد ان السندويتش هو أسوأ اختراع لأنه علمنا الكسل والكلفتة في الأكل، بل وأفقدنا متعة الاستطعام الجماعي.. ففي بيت يتألف من 8 أشخاص مثلا لا يمكن أن يكون عدد الجلوس على المائدة مكتملا أبدا في أي يوم لأن نحو 3 منهم يتعللون بـ«عملت سندويتش عدس وبطيخ»، ولا يوجد على وجه الأرض سندويتش يقوم مقام الوجبة التي تقدم على المائدة.. ويسألني الكثيرون: ما سر جاذبيتك التي جعلت أنجلينا جولي تفكر في طلاق براد بيت؟ وجوابي: أنا وهي لا نأكل البيرغر وأخواته. 

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news