العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الحالة الأمنية في البحرين.. محددات داخلية وتهديدات دولية وإقليمية (2-2)

بقلم: د. عمر الحسن

السبت ٢٤ ٢٠١٩ - 01:00

استنادًا إلى الحجم الكبير من التحديات الأمنية، الدولية والإقليمية التي تواجه منطقتنا وفي القلب منها البحرين، التي توصف بأنها مفتاح أمن الخليج، والتي فرضتها عليها ظروف معقدة ومتغيرات إقليمية ومناخ عالمي متوتر، وهو ما يتطلب للتعاطي معها وجود منهج علمي مدروس وآليات تنفيذ صارمة، ورجال على قدر عال من الكفاءة والتدريب، وتعاون إقليمي ودولي واسع.. كانت هذه المتطلبات راسخة في ذهن صنّاع القرار في البحرين، منذ الاستقلال عام 1971 وتولي «الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة»، وزارة الداخلية ومن بعده الشيخ «راشد بن عبدالله آل خليفة»، وحتى اليوم، واستطاعوا بدعم القيادة وثقتها بهم في أن يحولوا تلك المتطلبات إلى واقع تجسد في وضع استراتيجية أمنية تراعي الأمن بمفهومه الشامل؛ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما أهّل المملكة للخروج من خضم هذه التحديات، صلبة قوية، تمتلك القدرة على مواجهة أي تهديدات تحيط بها، وهو ما يتضح من خلال الآتي:

أولاً: مواجهة الإرهاب، حيث تحركت البحرين وفق محورين، الأول داخلي استند على: 

تطوير المنظومة الأمنية؛ باستخدام استراتيجية ارتكزت على:

‭{‬ كوادر مؤهلة تعقد لها الدورات التَّدريبيَّة المتعلقة بحقوق الإنسان والإرهاب والجرائم الإلكترونية، وهو ما زاد من قدرتها الاستباقية.

‭{‬ استحداث عدد من الأنظمة، ومنها: النظام الجنائي الموحد، وتتبع الدوريات، والكاميرات الأمنية، وتطبيقات إدارة الموارد والواجبات، وهي إحدى تطبيقات النظام الجغرافي الأمني الجديد.

‭{‬ الاهتمام بالأمن المعلوماتيّ وحماية منظوماته كتشغيل نظام منع اختراق الأجهزة الحكوميَّة، وتفعيل أنظمة الجدار الناريّ، والتصدي لمحاولات استهداف الأنظمة الحكومية.

‭{‬ تجنب مخاطر الهجمات السيبرانية؛ فوفقًا لمؤشر الأمن السيبراني العالمي (GCI-2019) احتلت المملكة المركز 44 عالميًّا، والخامس عربيًّا، فى مجال الأمن السيبرانى من أصل 175 دولة شملهم التقرير. 

2- تأسيس لجنة حكومية تتولى وضع السياسات الخاصة بحظر تمويل الإرهاب ومكافحة غسل الأموال عام 2001.

3- إصدار القانون رقم 58 لسنة 2006 بشأن حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، والذي جاء تعريفه للإرهاب متسقًا مع ما في الاتفاقيات الدولية.

4- اتخاذ وزارة الداخلية إجراءات هي نتاج لجهود متواصلة واستراتيجية تعتمد على العمل الاستباقي، وبناء جسور الثقة بين المجتمع وجهاز الشرطة، وإدراك أن البحرين بحاجة إلى مشاركة كل مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والتنسيق معهم، وتبصرتهم بحقائق الأمور؛ ليكونوا سندًا للوزارة في أداء رسالتها، كل ذلك في إطار سياق تشريعي حاكم للمنظومة الأمنية يحترم حقوق الإنسان ويعمل على سيادة مبدأ دولة القانون والتعاون بين الوزارات المختلفة، وهي توجيهات عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى يحرص على متابعتها للتحقق من الالتزام بها.

أما المحور الثاني، فخارجي؛ ففي ظلِّ تعاظم التَّهديدات الإرهابية واتّساع دائرة مخاطرها وامتداد تداعياتها، تزداد أهمّيَّة التَّعاون الأمنيّ الخارجيّ، واستنادًا إلى ذلك تعاونت المملكة ممثلة في وزارة الداخلية وقوة دفاع البحرين مع وكالات الشرطة وأجهزة الاستخبارات في العالم، إلى جانب المشاركة في الاجتماعات الإقليميَّة والدّوليّة، بهدف تحسين القدرات والتنسيق الأمني، والإفادة من تجارب وخبرات الدّول الأخرى، وهو ما يمكننا معه القول: «إن تدويل وزارة الداخلية البحرينية لأنشطتها الأمنية ساعدها على درء العديد من المخاطر والتهديدات التي تعرضت لها». 

وكانت المملكة ولا تزال شريكا ثابتًا على الصعيدين الدولي والإقليمي في مكافحة ظاهرة الإرهاب، فأصدرت التشريعات وصادقت على اتفاقات دولية وإقليمية وثنائية تحاربه وتتصدى له. 

وعمليًّا، دعمت البحرين جهود محاربة تنظيم «القاعدة»، وشاركت في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، وأرسلت عام 2008 عددًا من قطعها البحرية إلى خليج عدن تنفيذًا لأربعة قرارات تبناها مجلس الأمن الدولي؛ لمواجهة القرصنة والإرهاب، وكذلك في مهمة دولية مطلع أكتوبر 2009 في إطار جهود مكافحة القرصنة والإرهاب البحري، ودورها بالتعاون مع دول مجلس التعاون والقوات الحليفة في محاصرة التنظيمات الإرهابية عام 2014 ضمن الجهد المتعلق بحماية الأمن الإقليمي والسلام الدولي، وإدراجها للعديد من المنظمات على لائحة المنظمات الإرهابية. 

فضلاً عن الإسهام في المؤتمرات الإقليمية والدولية المخصصة لمكافحة الإرهاب وعمليات تمويله، والمشاركة في تقديم الحلول والمقترحات، ودورها في اجتماعات مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)؛ بهدف تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، وعضويتها واستضافتها لمقر مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينافاتف)، واستضافتها المؤتمر الدولي لمكافحة تمويل داعش. 

ثانيًا: مواجهة التحدي الطائفي الإيراني، وقد تعددت مستويات المواجهة؛ بعد أن استغلت إيران التنوع المذهبي الذي تحظى به دول الخليج، ومنها البحرين لتمرير مشروعها لاستعادة مجدها الفارسي بثوب إسلامي وصبغة شيعية، مثيرة النعرات الطائفية، واصطدم مشروعها باكتشافها أنه لا يوجد تمييز بين المواطنين في البحرين بسبب الجنس أو اللون أو الديانة أو المذهب أو العرق، بل وبين مواطنيها ومواطني الدول الأخرى ذوي الديانات والإثنيات الأخرى، فهي وطن للجميع. وكما يقول جلالة الملك حمد: «إن أغلى ما عندي هو الإنسان». ولعل انفتاحها وتاريخها الثقافي والأدبي والتعليمي جعل منها أول بلد خليجي يتبنى عقد مؤتمر حوار الحضارات الأول عام 2002, والثاني عام 2014. ويعد مشروع المدارس المنتسبة لليونسكو أحد المشاريع الرائدة التي تتبناها في هذا الصدد منذ العام 2007؛ وتعمل على نشر مبادئ قبول الآخر، والتعايش بمحبة وسلام مع الآخرين، وتنقية الخطاب الديني من الأطروحات الداعية للإقصاء، والعنف، والتطرف.

ولعل وجود كل هذا العدد من الجنسيات التي تنتمي إلى أعراق وعادات وديانات مختلفة ومتنوعة يتعايشون ويتفاعلون ويعملون على أراضيها؛ هو خير دليل على هذا النجاح؛ فهي بلد حاضن لكافة المذاهب والمعتقدات، وقوانينها وأنظمتها تسمح لكافة أطياف المجتمع بممارسة شعائرهم الدينية بكل يسر.

ثالثًا: مواجهة تغير وتذبذب السياسة الأمريكية والصراعات الدولية. تنتهج المملكة منذ استقلالها عام 1971 سياسة خارجية محددة الأهداف غير منحازة، خادمة للنهوض الوطني، متوجهة إلى تحقيق مصالحها وأمنها والمحافظة على استقلالها وسيادتها، والارتقاء باقتصادها، تتميز بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتؤمن بالحوار وتدعم التعاون بين الدول، كما تحترم كافة الاتفاقيات والعهود الدولية، وتتمسك بقيم التسامح والاعتدال والتعايش السلمي، وترفض في جميع الأحوال الانخراط في سياسة المحاور، وهي مبادئ التزمت بها في تحركاتها الخارجية في الدوائر الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.. وهو ما نراه واقعًا في علاقاتها بالقوى الدولية الكبرى مثل: الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي لجهة تعزيز وتفعيل مجالات التعاون الأمني والدفاعي والاقتصادي والسياسي مع القوى الدولية، وخاصة الفاعلة، ولعل هذه المبادئ ساعدتها على التعامل بشكل جيد مع التحديات المختلفة التي تواجهها.

رابعًا: تحدي تغير المناخ وقد تعاملت مع هذه الظاهرة بكل جدية، وذلك باعتبارها إحدى الدول الجزرية المُعرضة لمخاطر التغيرات المناخية المرتبطة بارتفاع منسوب مياه البحر، وارتفاع درجات الحرارة؛ فأنشأت المجلس الأعلى للبيئة، كهيئة معنية بإدارة قضايا التغير المناخي، والتي تتخذ القرارات بشأن برامج رصد ومتابعة آخر التطورات الدولية، وتشكيل مواقف وطنية ووضع مقترحات لاتفاقيات المناخ الدولية، فضلاً عن ضمان التوازن والتكامل بين التزامات تغير المناخ والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة في البحرين.

فيما التزمت بالاتفاقات الدولية التي تحد من تغير المناخ والاحترار العالمي والاحتفاظ بدرجات حرارة الأرض والسعي لتقليلها؛ حيث وقعت المملكة على اتفاقية تغير المناخ في عام1992, وصادقت على بروتوكول كيوتو في 2006, كما أنها عضو في اتفاقية باريس للمناخ- والتي وقع عليها حوالي 195 دولة عام 2015, وعضو في المجموعة العربية التي تمثل 22 من أعضاء جامعة الدول العربية. 

 خامسًا: تذبذب أسعار النفط؛ اتخذت البحرين إجراءات مكنتها من السيطرة على معدل التضخم الناتج عن هذا التذبذب، حتى تراوح معدله الشهري عام 2018 بين 0.5% و2.7%، ما يعد الأقل خليجيًّا، مما ساعد في تحقيق هدف الاستقرار المالي وتقليص الاقتراض الخارجي، وذلك من خلال قيامها بتنويع اقتصادها، والخفض من نسبة إسهام القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 18.4% في 2018, بينما كانت هذه النسبة 44% في بداية الألفية، فضلاً عن تعزيز دور المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، واستصدار قوانين جديدة وتيسير قنوات التمويل، والاهتمام بالقطاع المالي والمصرفي، وتعزيز دور القطاع الصناعي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والمجتمع المدني. 

وبهذا، استطاعت تحقيق التنمية الشاملة المستدامة؛ حيث أمكن للاقتصاد أن يحقق الأهداف التنموية التي حددتها الأمم المتحدة قبل موعدها المحدد في 2015, فنجحت في الحد من  الفقر، وغدا متوسط دخل المواطن السنوي يصل إلى نحو 30 ألف دولار، ومعدل التضخم ضمن المستويات الأقل عالميًّا.

سادسًا: العمالة الوافدة، انطلاقًا من إيمان البحرين بأن عليها اتخاذ إجراءات احترازية، فقد عملت على عدم تفاقم هذه الأزمة ومجابهة تحدياتها، وذلك بتأهيل الكوادر الوطنية، وإعادة النظر في سياسات استقدام العمالة، وتحديد فترة زمنية محددة لبقائهم في البلد، وأن تكون النظم التعليمية بما يتلاءم واحتياجات سوق العمل، وتبادل الخبرات بين الأجهزة المختصة بدول مجلس التعاون الخليجي بشأن رفع مستوى مهارة العمالة الوطنية.

واختم بالقول، إن هناك تحديات وتهديدات أخرى لا يسمح هذا المقال بالتوسع في الحديث عنها، تتعامل معها المملكة بحرفية ومهنية ووفق ما تقتضيه مصلحتها الوطنية والمعايير السياسية والإنسانية والقانونية؛ نذكر منها انحياز وعدم نزاهة بعض المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الأجنبية، وهو ما سنتطرق للحديث عنه في مقال آخر.

كل هذه الخطوات والجهود التي بذلتها البحرين ممثلة في وزارة الداخلية وقوة دفاع البحرين حققت أهدافها؛ فحافظت على أمن الوطن والمواطن وإنجازاته ومكتسباته، وهو ما استحق عليها وزيرا الداخلية السابق و الحالي، والأجهزة الأمنية المختلفة الإشادة والثناء على الجهود المبذولة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news