العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

رسائل

الحروب بالوكالة هي حروب الحاضر والمستقبل

{ الحرب في سوريا أصبحت نموذجا لصراعات القوى الأجنبية.

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

واشنطن - من أورينت برس

كانت الحروب بالوكالة حاضرة بقوة في فترة الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي. بعد ذلك تراجع الاعتماد على الحروب بالوكالة ليترك مكانه لوضع الاستراتيجيات المباشرة، لكن ها هي الحروب بالوكالة تعود بقوة بسبب الصدام الجديد ما بين القوى العالمية أو القوى الإقليمية.

تتداخل القوى الإقليمية والدولية في إدارة الحروب بالوكالة عندما يحتدم التنافس فيما بينها على النفوذ في المناطق الحيوية في العالم، علما بأن هذه القوى الإقليمية والدولية لا تريد في الواقع الدخول في حروب وصدامات مباشرة.

في كثير من الأحيان تتحول الدول الصغرى إلى مسرح للحروب بالوكالة ذلك لأنها، رغم صغر حجمها، تعتبر في نظر هذه القوى الإقليمية والدولية ذات قيمة استراتيجية أو جغرافية أو اقتصادية. يمكن أن تدار هذه الحروب بالوكالة من خلال تقديم كل الدعم اللازم للتنظيمات والجماعات والأحزاب السياسية، علما بأن هذه الأساليب لا تزال تمارس حتى اليوم.

وقد شهد العالم القديم العديد من هذه الحروب بالوكالة، بينما انتشرت هذه الحروب أكثر في العالم الحديث بعد الحرب العالمية الثانية أوثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والغرب وبين الاتحاد السوفييتي.

«اورينت برس» أعدت التقرير التالي:

من أشهر الحروب بالوكالة الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939)، التي اشتعل فتيلها بعد أن تمرد الجيش بقيادة الجنرال فرانكو على الحكومة الإسبانية اليسارية قبل أن يتحول التمرد إلى حرب أهلية تدخل فيها أكثر من خمسين دولة.

بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1989 كانت أغلب الحروب المعاصرة في تلك الحقبة مباشرة. ففي البلقان، كان الصرب يحاربون الكروات والمسلمين قبل أن يتدخل الحلف الأطلسي ويضع حدا للاقتتال ويكرس بالتالي تفكك يوغسلافيا السابقة. 

وجد الروس أنفسهم يحاربون المقاتلين الانفصاليين في الشيشان بشكل مباشر. أما دول ساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي فقد كانت تعيش على وقع حركات التمرد والمحاولات الانقلابية أو الحروب الأهلية قبل ان تتدخل القوات العسكرية الفرنسية بشكل مباشر كي توقفها أو على الأقل تحتويها وتحول دون اتساع رقعتها.

بدأت الحروب بالوكالة منذ عدة أعوام، استعانت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي على حد السواء بالأذرع والخلايا في الحروب والمواجهات والنزاعات العسكرية بالوكالة. تجلى ذلك على سبيل المثال في عديد الدول مثل الموزمبيق ولاوس.

نهاية التسعينيات

منذ نهاية فترة التسعينيات من القرن العشرين كانت حصيلة التدخلات العسكرية الغربية المباشرة سلبية وغير مجدية وهو ما دفعها إلى دعم الحروب بالوكالة. لم يؤد التدخل العسكري الغربي في أفغانستان والعراق وليبيا إلى تحقيق الاستقرار بل انه فجر عدة تحديات باتت تهدد المصالح الغربية، ناهيك عن موجات الهجرة من الدول الافريقية والتي تتدفق على دول الاتحاد الأوروبي بشكل غير مسبوق.

لم تعد الدول الغربية قادرة على تحمل تبعات سفك الدماء والقتال، إلا إذا كان الأمر يتعلق بحدث جسيم أو خطر داهم. أما الحروب الأخرى التي نشبت في فيتنام وكوريا فقد تكبدت فيها القوى الغربية هزائم ولم تحقق النصر العسكري المأمول.

شهدت الفترة الماضية تراجع أهمية الاتفاقيات الثنائية وخاصة منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما تسبب في تصاعد التوتر وازدياد التوترات والصدامات غير المباشرة.

على غرار ما كان يحدث في فترة الحرب الباردة أصبحت الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، تدافع بأكثر شراسة عن مناطق نفوذها، معتمدة عند الضرورة على الأطراف الوسيطة والأذرع والخلايا، غير أن ذلك كله يتم على حساب الدول الضعيفة. 

أهم الحروب بالوكالة

تعتبر سوريا أبرز مثال معاصر على شراسة الحروب بالوكالة. ففي سنة 2011 اندلع الصراع ما بين نظام دمشق بزعامة الرئيس السوري بشار الأسد والأطراف المتمردة على نظامه في خضم ما يسمى الربيع العربي. بعد مرور ثمانية أعوام تحول ذلك الصراع إلى حرب متدرجة على مراحل، ما لبثت أن فرخت عدة حروب. فقد دخلت الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام، كما تحولت سوريا إلى ساحة للمواجهة ما بين إيران الشيعية وأذرعها من ناحية والجماعات المسلحة من ناحية. 

دخلت بعد ذلك روسيا وتركيا وإسرائيل على خط الحرب في سوريا. كانت هناك أيضا حرب داخل الحرب في سوريا ما بين إسرائيل وإيران وما بين تركيا والأكراد، علما بأن سلطات أنقرة ظلت تحارب مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي. 

اندلع في الآونة الأخيرة صراع بالوكالة في دولة فنزويلا الغنية بالنفط والتي تتخبط في أزمة سياسية واقتصادية خانقة رغم أنها تربض فوق محيط من النفط. يدور الصراع الظاهري ما بين الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو، المدعوم من روسيا والصين على وجه الخصوص، وخصمه اللدود خوان غوايدو المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الممثلة في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. أي من العالم الديمقراطي والليبرالي بصفة عامة. 

اصطفت الدول ذات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية وراء نظام الرئيس نيكولا مادورو مثل روسيا والصين وإيران وكوبا وتركيا وبوليفيا. إذا ما أخرجنا تركيا من هذه المعادلة فإننا سنجد اليوم على الساحة الداخلية الفنزويلية نفس الشرخ الذي ظل قائما منذ سنة 2010 في سوريا ما بين أنصار بشار الأسد ومعارضيه المدعومين بدورهم من أطراف أخرى ذات مصالح متقاطعة. 

لا شك أن هذه التحالفات لها جذور إيديولوجية واقتصادية، علما بأن روسيا ترى فيها أداة لخلق صعوبات وتحديات متصاعدة أمام سلطات واشنطن في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية. 

توازن العلاقات الدولية

يعتبر الخبراء أن عودة الحروب بالوكالة ناجمة أساسا عن المخاض الجيو-سياسي الذي تشهده المرحلة الحالية وما يرافقه من غموض وتصاعد التوترات، الأمر الذي بات يهدد بنشوب النزاعات المسلحة وتصاعد وتيرة الحروب بالوكالة ويؤجج بالتالي موازين القوة. 

لا شك أيضا أن هامشية الدور الاستراتيجي الأوروبي وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط في ظل إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق باراك أوباما قد خدم مصلحة إيران التي تمددت بشكل غير مسبوق في المنطقة العربية، كما ترك الساحة فارغة للقوى الجديدة التي هرعت طمعا في ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية وراءها. 

لم تستطع روسيا حتى اليوم أن تتجاوز تلك الهزيمة التي تكبدتها خلال الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي، وهي تريد أن تثأر اليوم من الولايات المتحدة الأميركية. 

استطاعت روسيا بقيادة الرئيس فلادمير بوتين أن ترفع رأسها من جديد دبلوماسيا وتتسلح من جديد حتى تستعيد مكانتها كقوة عظمى يحسب لها ألف حساب على ساحة الأحداث العالمية كما كان الأمر في الماضي، أي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وعلى امتداد فترة الحرب الباردة. 

تدخلت روسيا بشكل مباشر في النزاعات المختلفة، كما أنها ظلت تقدم الدعم للجماعات والدول الحليفة لها في مختلف النزاعات. هكذا استعادت روسيا قدرا كبيرا على الساحة العالمية، وهو ما ساهم في إعادة بعض التوازن في العلاقات الدولية. 

استطاعت روسيا بقيادة الرئيس فلادمير بوتين أن توسع دائرة نفوذها، وقد أثبتت أنها لا تتخلى عن حلفائها، على عكس الولايات المتحدة الأميركية. ظلت روسيا أيضا تدافع عن نموذجها المتمثل في الدفاع عن النظم القائمة. من سوريا إلى فنزويلا وغيرها. في سنة 1999 وخلال الحرب الدائرة في إقليم كوسوفو فشلت روسيا، التي كانت ضعيفة آنذاك، في حماية النظام اليوغسلافي. 

لم تستطع روسيا أيضا التصدي للغزو العسكري الأميركي في العراق أو الغزو العسكري الغربي الذي أسقط نظام العقيد معمر القذافي وأدخل ليبيا منذ ذلك الحين في أتون الصراعات. لم تنس روسيا ذلك أبدا. 

الخروج عن السيطرة

لا شك أيضا أن التدخلات العسكرية المباشرة تدوم طويلا وتكلف كثيرا. فقد أهدرت الولايات المتحدة الأميركية مئات المليارات من الدولارات في أفغانستان من دون أن تنجح في نهاية المطاف، بعد أعوام من الجهود والمعارك، في الحيلولة دون عودة حركة طالبان بقوة للسيطرة على جزء كبير من دولة أفغانستان. نفس هذا المسار عاشته مختلف القوى العظمى الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا.

إذًا لجأت إيران إلى خلاياها وأذرعها وتنظيماتها التي تدور في فلكها، على غرار تنظيم «حزب الله» اللبناني من أجل استهداف إسرائيل، ذلك أن إيران تعاني في حقيقة الأمر من ضعف إمكانياتها العسكرية في مواجهة إسرائيل التي تتفوق عليها على المستويين العسكري والتقني. 

إن اللجوء إلى استخدام الوسائل والحلفاء غير المباشرين يعطي الحرية أيضا لمن يستخدم استراتيجية الحروب بالوكالة. يتجاوز دور هؤلاء اللاعبين الذين يخوضون الحروب بالوكالة أحيانا القوة العسكرية التقليدية وهو ما طبقه الروس حرفيا في أوكرانيا. إن الاعتماد على الجماعات شبه العسكرية في دونباس هو الذي مكن سلطات موسكو من تفادي اللجوء إلى نشر قوات عسكرية روسيا على الأرض في أوكرانيا. هكذا استطاعت روسيا من خلال هذه الاستراتيجية الابتعاد عن الجانب العسكري كي تركز على الجانبين السياسي والدبلوماسي. 

من السهل إطلاق الحروب بالوكالة، غير أنه قد يصعب بعد ذلك التحكم فيها أو وقفها. تعتبر سوريا خير مثال على الحروب بالوكالة التي تخرج عن السيطرة. فكل اتفاق لوقف إطلاق النار وكل خطة للسلام يفشلها أحد أطراف الحروب بالوكالة في هذا الصراع عندما يعتبر أن مثل هذا الاتفاق لا يخدم مصالحه على الوجه الأكمل. 

لقد شهدت العراق وسوريا خلال الأعوام القليلة الماضية حربا حقيقية بالوكالة بين قوى إقليمية وأخرى دولية، اصطفت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة من ناحية، فيما وقفت على الجانب الآخر روسيا وإيران والصين، وهي الدول الثلاث الرئيسية التي ظلت تدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد وتحول دون سقوطه. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news