العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ومن الخوف ما قتل

مازالت تفاصيل ذلك الحادث المأساوي راسخة في تلافيف ذاكرتي التي تقول بعض المصادر غير الموثوق بها إنها خربة، وكي أكون أمينا فإن ذاكرتي المزعومة هي أرشيفي المتعلق بأمور التربية والتعليم، والذي استعنت به لكتابة ورقة عن أمور التعليم في العالم العربي،  ورغم  أن الواقعة التي أنا بصدد سردها لا تتعلق بأمور التعليم على نحو مباشر إلا أنها ذات صلة ولو على نحو غير مباشر بأمور التربية.

فقد نظمت مدرسة الصفوة الابتدائية في القاهرة قبل حين من الزمان زيارة لتلاميذها لمدينة الألعاب، وظل الصغار في حال من المرح البهيج يتقافزون من لعبة إلى أخرى، ثم التفّت مجموعة منهم حول المعلمة التي كانت ترافقهم وقالوا لها: نفسنا نروح النفق بتاع الأشباح.. قالت لهم: ومالو يا حلوين.. روحوا.. قالوا لها: والنبي تيجي معنا يا أبله لأننا بنخاف ندخلها وحدنا، وكما يعرف من دخلوا مثل تلك الغرف في مدن الملاهي فإن بها أشباحا تصرخ في ظلام دامس وبعضها يهجم عليك، ورغم أن الإنسان يعرف سلفا أن تلك الأشباح موجودة فقط على شاشات وليست حقيقية، فإن التجربة فعلا مخيفة وكان مع التلاميذ حق في أن يناشدوا معلمتهم دخول تلك الغرفة معهم.

دخلت المعلمة نفق الأشباح مع العيال، وفي أول منعطف شاهدت كائنا بشع الشكل يكشر عن أنيابه في وجهها وآخر يقطع عليها الطريق.. صرخت واندفعت الى الأمام في الظلام فإذا بكمين آخر وثالث ورابع فعجزت عن الحركة وارتفع صراخها الى ان سقطت أرضا.. وكانت صرخاتها تزيد الأطفال رعبا لأن كون شخص كبير في السن يصرخ خوفا في موقف ما، دليل على ان الوضع «خطر».. المهم بحسب الصغار ان الأشباح والوحوش افترسوا معلمتهم فاندفعوا خارجين وأبلغوا عمال مدينة الألعاب بالأمر، ودخل العمال النفق ووجدوا المعلمة ملقاة على الأرض و......... ميتة.. كانت تعاني من علة في القلب، وبسبب الخوف مما رأته من «أهوال» اضطرب قلبها ثم توقف عن العمل.. أمر محزن، سيترك أثرا مؤلما في نفوس التلاميذ معظم سنوات عمرهم.

ما لا أفهمه قط هو أن هناك من يحب خوض التجارب المخيفة، مثل غرف الأشباح في مدن الألعاب، أو مشاهدة أفلام الرعب.. قبل نحو سنتين سمعت صوت شيء ثقيل يرتطم بالأرض في ساعة متأخرة من الليل، ونهضت جزعا وأنا أحسب أن لصا دخل الغرفة أو أن أحد أفراد العائلة سقط أرضا بسبب المرض.. وجاءني صوت بنتي: بابا آسفة.. بس أنا خايفة.. ازداد قلبي خفقانا واتجهت نحوها متسائلا: خير ماذا حدث؟ قالت كنت بشوف فيلم مخيف وكلما أجي أنوم يجيني كابوس.. بكل حنان رقة وتهذيب: عنك ما نمت يا سخيفة يا عبيطة.. هل جبرتك أنا عشان تشوفي فيلم رعب وجاية تعاقبيني وتسببي لي «هارت أتاك».. قالت: خليني أنام معك أنت وماما.. قلت لها: يا أنا يا أنت في الأوضة دي!! ودخلت أمها «واسطة» واستضفناها ولكن بعد ان تعهدت بعدم مشاهدة أي فيلم مخيف مدى الحياة.

كنت مع عائلتي في متنزه ألتون تاورز الضخم في انجلترا عندما قرر أكبر عيالي ركوب الرولر كوستر وهو القطار الأفعواني الذي ينقلب ويتشقلب في سرعة جنونية؛ نصحته بأنها ستكون تجربة مخيفة ولكنه قال «أنا رجل وحفيد عنترة العبسي» وركب القطار وأخد كذا لفة ثم توقف القطار ولم نجده بين الركاب الآخرين وبعد بحث مطول وجدناه مكوما قرب شجرة وقد أفرغ كل ما أكله طوال الأسبوع الفائت، وبعدها «توبة!».

بعض الناس يحب الخوض في تجارب مخيفة لأنهم يستمتعون بضخ أجسامهم للـ«أدرينالين».. هذا شيء عجيب فعندنا أشياء كثيرة تخيفنا فلماذا نشتري الخوف بفلوسنا: نخاف من الحكومة ونخاف من الفقر والبطالة والعجز الجسماني وإسرائيل وعزرائيل!! ألا يكفي كل هذا فنعرض أنفسنا للخوف المفتعل؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news