العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأهمية الاستراتيجية لصدور وثيقة مكة المكرمة

بقلم: د. سعد الله المحمدي

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

كُنْت أَحَد الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُؤْتَمَر الْعَالَمِيّ بِعِنْوَان: «قِيَمُ الوَسَطِيَّة وَالاعْتِدَالِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ والسنّة» بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ، الَّذِي نظّمته رَابِطَةُ العَالَمِ الإسلاميِّ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَك لِعَام 1440ه تَحْت رِعَايَة كَرِيمَةٍ مِنْ خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِك سَلْمَانَ بنِ عَبْدالعَزِيز آل سُعُود حَفِظَهُ اللَّهُ، حَيْث شاركَ فِي الْمُؤْتَمَر أَكْثَرَ مِنْ 1200 شَخْصيّة علميّة وفكريّة وَأصحاب الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ فِي 139 دَوْلَة بِالْعَالِم.

وَكَانَت رِسَالَة الْمُؤْتَمَر مُشْتَمِلَة عَلَى قِيَمِ سَامِيَةٍ وَمَبَادِئ عَظِيمَةٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ تَعَالِيمِ الإسلام وتَعَامُلَهُ الحَضَارِيّ مَعَ الْغَيْرِ؛ بِرَفْضِه للعنصرية وَالْعُنْف، وَنَبْذ لُغَة الاسْتِعْلاء وَالْكَرَاهِيَة، وَإِزَالَة حَواجِز التَّخْوِيفِ مِنْ الإسلام، وَالدِّفَاع عَن ثَوَابِتَه وَمَبَادِئه وَإِيضَاح مَعَالِمَه وأُسُسِهِ فِي التَّعَدُديَّة وَالتَّعَامُل مَعَ الآخَرِينَ بِحِكْمَةٍ ومُرُونَةٍ ووَسَطِيَّةٍ وَاعْتِدَال.

دِينُنُا دِينُ السَّلامِ

 نُورُهُ يَمْحُو الظَّلاَم

دِينُنُا دِينُ المَحَبَّة

 دِينُنُا دِينُ التَّآخِي

وتمّ تَتْويج الْمُؤْتَمَر بِالإعلان التاريخي عَن الْوَثِيقَة العَالَمِيَّة (وثيقة مَكَّة المكرمة) الَّتِي جَاءَتْ نَتِيجَة بُحُوث ودراساتٍ وَمُنَاقَشَاتٍ دَامَتْ لِثَلاثَة أيام لتعلن لِلْعَالِم: أنّ الإسلام هُوَ دِينُ السَّلام وَالأمْن وَالاسْتِقْرَار وَالْخَيْر وَالصَّلاح وَالْقَيِم والحَضارَة، وَأَنَّه بَرِيءٌ مِمَّا أَلْصِقَ بِهِ مِنْ تُهِم الإرهاب والغلوّ والتّشدد الفِكْرِيّ المَقِيت الَّذِي أضرّ بِجَمال الإسلام ورَوْنَقِهِ وَبِهَائِه وَسَمَاحَتِهِ وَعَدْلِه.

وَفِيمَا يَلِي أَوَدّ أَن أُشِيرَ إلى بَعْضٍ النِّقَاط الْمُهِمَّة والإيجَابَيَّة الَّتِي تميَّزَ بِهَا هَذَا الْمُؤْتَمَر الْعَالَمِيّ، الَّذِي جَمَعَ نُخَبِ الأمَّة وَأَهْل الْوِلايَة الْعِلْمِيَّة فِيهَا تَحْتَ سَقْفٍ واحدٍ. 

شَرَف الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ: 

أُقِيم الْمُؤْتَمَر فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان، وَفِي أفْيَاءِ الْكَعْبَة المشرّفة- قِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَهْبِط الْوَحْي، وَمَنْبَع الرِّسَالَة- لِيَحْظَي بِشَرَف الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَكَان فُرْصَة لأدَاء صَلاتِي التَّراوِيحَ وَالْقِيَام وَرَاء أَئِمَّة الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، كَمَا أضاف إلَيْهِ جِوَار الْكَعْبَة الْمُشَرَّفَة نَوْعًا خَاصًّا مِنْ السَّكِينَةِ والطُّمَأْنِينَة وَالشُّعُور بالمسؤوليَّة تِجَاه الأمَّة.

شَرَف الانْتِماء والانْتِسَابِ: 

اسْتَمَدَّتْ وَثِيقَة مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ نُورَهَا وهَدْيَهَا وانْتِمَاءَهَا وجُذُوْرهَا مِن وَثِيقَة الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الَّتِي عَقَدَهَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَرْبَعَة عَشَرَ قَرْنًا مِنْ الزَّمَانِ بِجِوَار مَسْجِدِه، كَمَا اكْتَسَبَت العَالَمِيَّة مِنْ صُدُورِهَا فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وبجوار بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وبِمُشَارَكةٍ وَاسِعَة مِن النُّخَبِ الْفِكْرِيَّة الإسلاميّة. 

الوَسَطِيَّة هَوِيَّةُ الأمَّة:

مِمَّا امْتَازَ بِهِ الْمُؤْتَمَر الْعَالَمِيّ أَنَّهُ أُقِيمَ فِي وَسَطِ الْعَالِم وَفِي عاصِمَة الإسلام وَمَهْدِ الرِّسَالَة النَّبَوِيَّة وَمَأْوَى الإيمَان وَمَعْقِل الدِّين، لِيَحْمِل عُنْوَان: قِيَمُ الوَسَطِيَّة وَالاعْتِدَالِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَانَت دَعْوَةً مِنَ الأمَّة الْوَسَط، وَمنْ وَسَطِ الْعَالِم، إلى تَعْزِيز مَفَاهِيم الوَسَطِيَّة فِي الْعَالَمِ. 

ولَقَد اسْتَطَاع الْمُؤْتَمَر أَنْ يُبْرزَ بِوُضُوح هَوِيَّةَ الأمَّةُ وَهِيَ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ بِالْحُبّ لا بِالْحَرْب, وَبِالسَّلام لا بِالْكَرَاهِيَة البَغِيضَة، وبِالتَّعَايُشِ لا بالتَّمْيِيعِ، وبِالحِفَاظِ عَلَى دِينِنَا لا بالإنْسِلاِخِ مِنْ ثَوَابِتِهِ، أَنْ نَنْشُرَ هَوِيَّتنا الإسلاميّة السَّمْحَة الْقَائِمَة عَلَى قِيَمِ التحضّر والسَّلاَمِ وَالاحْتِرَامِ والحوار وَالاعْتِدَالُ مَعَ الآخِرِينَ. 

شَرَف الاسْتِدْلال وَالْحُجّة: 

النَّاظِرُ فِي وَثِيقَةِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ يُدْرِك بِوُضُوح وَجَلاء اللُّغَة الْقَوِيَّة الرَّصِينَة الَّتِي كُتِبَتْ بِهَا هَذِهِ الوَثِيقَة بِأُسْلُوب عِلْمِيّ واضحٍ يستمدّ قُوَّتِه وَجَمَالِه وبهَاءَهُ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَعْد تَقْدِيم أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَة وثلاثينَ بَحْثا وَدِرَاسَة عِلْمِيَّة قَدَّمَهَا عَمَالِقَةٌ ومُتَخَصِّصُونَ مِنْ أعرقِ جَامِعَات الْعَالِم، وَفِي وَسَطِ أَجْوَاء مِن الاحْتِرَام وَالتَّفَاؤُل وَالْمَحَبَّة وَالنَّقَّاش الإِيجَابِيّ وَالْحِرْصِ عَلَى ثَوَابِت الأمَّة ومصالحها، حَيْث توّجت هَذِه البُحُوث والدراسات بِإعلان وَثِيقَة مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ الَّتِي جَاءَتْ لِتَبَرِّي ذِمَّة الأمَةِ مِمَّا أَلْصِقَ بِهَا مِنْ تُهِم الإرهاب والتَّشَدُّد وَالْغُلُوّ.

المقترحات: 

1- استمرار مِثْلِ هَذِهِ المؤتمرات العَالَمِيَّة بِشَكْل سَنَوِي، وَتَرْجَمَة بُحُوثِهُ إلى اللُّغَات العَالَمِيَّة، وَعَملُ مَوْقِع خَاصّ لكلّ مُؤْتَمَر، وَالاسْتِفَادَة مِنْ الإعْلامِ الْجَدِيدِ فِي إيصَالِ رِسَالَة المؤْتَمَر إلى الآخَرِينَ. 

2- إشْرَاكُ مَرَاكِز البَحْثِ العِلْمِيّ وَالْجَامِعَات فِي تَرْشِيحِ الشَّخْصِيَّات الْعِلْمِيَّة وَالمؤَثِّرَة بِجَانِب مَكَاتَبُ الرَّابِطَة. 

3- عدم الاكْتِفَاء بِالْوُجُوه الْمُتَكَرِّرَة، وتكثيف الْبَحْثِ عَنْ وُجُوهِ شبابية وعلميّة جَدِيدَة تُعْطِي المؤتمرات حَيَّوَية وَرُوحًا جَدِيدَة، وتقدّم مبادراتٍ بنّاءة لاستشرافِ المسْتَقبل بإذن الله تعالى. 

3- التَّواصُل الْمُسْتَمِرّ بَيْن الرَّابِطَة وَبَيْن الْعُلَمَاء والدُّعَاة الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُؤْتَمَر عَنْ طَرِيقِ الْمَكَاتِب الإقليميَّة والتَّعَرُّف إلى أنْشِطَتِهِمْ وَدورِهِم فِي الْمُجْتَمَعِ. 

4- الدَّعْوَة إلى لِقَاءِ اسْتِثْنَائِيّ لِلْعَامِلَين فِي حَقْلِ الإعْلام الْجَدِيد والمؤَثِّرِين فِي مَجَالِ التَّوَاصُل الاجتماعيّ عَلَى مُسْتَوَى الْعَالِم ليشكّلوا جِسْرًا لِنَشْر رِسَالَة الإسلام وإِيصَالها إلى العَالَم. 

5- إعْدَادُ مَنْهَجٌ تَعْلِيمِيٌّ سَهْل حَوْل وَسْطِيَّة الإسلام وَعَدْلِهِ وَاحْتِرَامه لِلآخَرِينَ وَرَفْعُه لإقْرَارِه كمَادَّةٍ أسَاسِيَّةٍ فِي الْمَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّة بالدُّوَلِ الإسلاميَّة عَنْ طَرِيقِ الْمُنَظَّمَة الإسلاميَّة للترْبِيَة وَالْعُلُوم وَالثَّقَافَة التَّابِعَة لِمُنظَّمَةِ التَّعَاوُن الإسلاميّ. 

حِين نَدْعُو لِلْهُدَى

 نَمْلأُ الأرْضَ ضِيَاء

دِينِنَا دَيْن التسامح

 دِينِنَا دَيْن الْمَعَالِي 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news