العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الحالة الأمنية في البحرين.. محددات داخلية وتهديدات دولية وإقليمية (1-2)

بقلم: د. عمر الحسن

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

تتجه التهديدات التي يعيشها العالم في الفترة الراهنة نحو مزيد من التشابك والتعقيد نتيجةً لعلاقة التأثير والتأثر ما بين الدولي والإقليمي والمحلي، وذلك بفعل ظهور تشكيلات تستخدم التقنيات الحديثة، بدءًا من الحواسيب حتى تكنولوجيا الأقمار الصناعية، أضحت قادرة على فهم المعادلات السياسية واستغلال الثغرات الاقتصادية وتطويع الأدوات الثقافية وغيرها لتحقيق أهدافها الإجرامية عبر الدول والقارات؛ ما خلق حاجة إلى إيجاد أساليب إبداعية وابتكارية للتعاطي معها، بتعاون ومشاركة الأجهزة الأمنية في جميع دول العالم.

وقبل التطبيق على مملكة البحرين كدراسة حالة لجهة مجابهة تلك النوعية من التحديات والتهديدات الأمنية يتعين بدايةً توضيح حقيقة مهمة، هي أن معظم التحديات الأمنية الدولية تتشابك مع التحديات الأمنية الإقليمية والمحلية، وإن كانت الأخيرتان قد احتفظتا ببعض التفاصيل الخاصة بهما، ويؤكد ذلك ما يأتي:

1- الإرهاب: يمثل التحدي الأكبر للأمن والاستقرار في العالم؛ وقد شهد هذا العام وقوع عديد من العمليات الإرهابية من قبيل: اقتحام فندق في نيروبي وقتل21 شخصًا، وقيام مُتعصب بإطلاق نار على مسجدين في نيوزيلندا مخلّفًا 50 قتيلاً، والهجمات التي شهدتها سريلانكا وراح ضحيتها 360 شخصا، ومقتل 33 وإصابة أكثر من 89 شخصا في حوادث إطلاق نار عشوائي منفصلة بمدن تكساس وأوهايو وكاليفورنيا ودايتون وشيكاغو في الولايات المتحدة، والانفجار الذي وقع بمنطقة قصر العيني بالقاهرة وراح ضحيته 22 شخصًا وإصابة 47 آخرين، واقتحام مسجد في منطقة بايروم غربي العاصمة أوسلو، وتفجير صالة «شار دبي» غرب العاصمة الأفغانية كابول ومقتل 83 شخصًا وإصابة أكثر من 180 آخرين. 

وتعكس هذه الحوادث استمرار التهديد الذي يُمثله الإرهاب، مدفوعًا بآيديولوجيات تمثلها تيارات يمينية متطرفة، وهو ما لا ينفصل عن تهديد الإرهاب الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي؛ بسبب عودة المواطنين الخليجيين الذين التحقوا بتنظيم «داعش» إلى بلادهم بعد هزيمته، فبحسب تقرير جمعية «هنري جاكسون» البحثية بلندن فإن «عدد السعوديين الذين انضموا إلى التنظيم وصل إلى 3000، والكويتيين 100، والقطريين 15 والإماراتيين 15، والبحرينيين 12، ولا وجود لعمانيين». 

2- «الصراعات الدولية»: التي قد تتحول إلى صراعات إقليمية، وينطبق هذا على الحرب الأهلية السورية، نتيجة تورط أطراف إقليمية ودولية فيها، مثل إيران وروسيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل وتركيا.. كما تنبئ الصدامات أيضًا التي وقعت مؤخرًا بين الهند وباكستان في كشمير عن مخاوف حدوث مواجهة عسكرية بينهما تمتد آثارها إلى منطقة الخليج بحكم القرب الجغرافي، وخاصة بعد إلغاء الهند الوضع الخاص لإقليم كشمير في الخامس من شهر أغسطس، وتخوفات أخرى من تهديد التنافس القائم بين أمريكا والصين، أو أمريكا وروسيا للأمنين الدولي والإقليمي.

3- إيران: التي تعد بمثابة مصدر أساسي للتهديد على المستويين الدولي والإقليمي، فمن جهة هناك الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015 بين إيران والدول الست (الصين، وروسيا، وأمريكا، وفرنسا، وألمانيا وبريطانيا)؛ بهدف توجيه برنامجها النووي للأغراض السلمية، وبموجبه تم رفع معظم العقوبات التي كانت مفروضة عليها، الأمر الذي استغلته في تطوير منظومتها الصاروخية، وهو ما أدركه الرئيس الأمريكي «ترامب»، فقام بالانسحاب من الاتفاق بشكل منفرد؛ بعد أن رأى أنه يمثل تهديدًا لأمن واستقرار المنطقة والعالم.. ومن جهة أخرى تسعى إيران إلى إثارة الاضطرابات والقلاقل في دول المنطقة، على رأسها دول الخليج، مهددة بذلك الأمن والسلم الأهلي من خلال ضرب الوحدة الوطنية وإشاعة الكراهية، مستخدمةً في ذلك أذرعها مثل حزب الله اللبناني وفروعه في العراق والخليج وحزب الدعوة والحشد الشعبي في العراق وجماعة الحوثي في اليمن إلى جانب عملائها وخلاياها النائمة.. وليس ببعيد الأعمال العدائية التي اقترفتها في مايو ويونيو ويوليو من هذا العام، التي بدأتها بعمليات تخريبية لأربع سفن تجارية قبالة ساحل إمارة الفجيرة في الإمارات، ثم تفجير محطتي ضخ لخط أنابيب ينقل النفط السعودي، ثم الهجوم على ناقلتي نفط في بحر عمان، وإسقاطها طائرة مُسيّرة أمريكية بزعم أنها دخلت مجالها الجوي، واحتجازها ناقلتي نفط إحداهما بريطانية.

4- التغير في السياسة الخارجية الأمريكية: فمع بدء تولي «ترامب» الرئاسة واجه انتقادات واسعة حول سياسته الخارجية، التي وصفها محللون بـ«التذبذب والتضارب وعدم الوضوح وتجاهل المعايير الدولية». واتجه البعض إلى القول إنه «لا يملك سياسة خارجية من الأساس»، وهو ما يتضح من إخفاقاته فيما يتعلق بتنسيق السياسة الخارجية، وتنفيذها، وأسلوب الإدارة والرؤية، وذلك بسبب قلة خبرته، وتعنُّته وسوء اختياره لمستشاريه وأوجه القصور الأخرى التي تمثلها شخصيته، إذ يتسم بالمزاجية فيما يتعلق بالشؤون الدولية، الأمر الذي أدى إلى تقويض مكانة أمريكا كقوة ليبرالية عالمية. ودفعته آيديولوجيته وشخصيته المتقلبة إلى انتهاج أهداف عدائية، مثل التنصل من المنظمات الدولية، ومهاجمة حلفاء واشنطن والتعامل معهم بلغة التجارة وليس السياسة، ودعم الحكام الشعبويين وتأجيج النزاعات، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي والأمن الإقليمي، وتقويض عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين؛ ما خلق حالة من التهديد لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.

وتجلّى تناقض السياسة الخارجية الأمريكية بصورة أكثر وضوحا في طريقة تعامل واشنطن مع طهران في إطار تأرجح الموقف بين الإقرار بالتزامها بالشروط التي تضمنها الاتفاق النووي، وفرضها سياسة «الضغط الأقصى» والانسحاب من الاتفاق. كما ظهر الارتباك الواضح في طريقة تعاملها مع الأحداث الإرهابية الأخيرة التي قامت بها في الخليج -التي تم ذكرها سابقا- وتخاذلها في الرد عليها، وتحول الأمر إلى «حرب كلامية»، ما بين قول الرئيس الأمريكي إن إيران ستواجه «قوة هائلة»، وسعيه لإجراء محادثات معها. فمنذ بدايات الأزمة، كان هناك توقع أن توجه أمريكا رسائل رادعة إلى إيران -حفاظا على هيبة الدولة العظمى- وتنقل المواجهة إلى مرحلة جديدة مع النظام بهدف تهميش خياراته، إلا أن ترددها وحدوث حالة من التجاذب السياسي والاستراتيجي داخل مراكز التأثير الداخلية سمح لطهران بتهديد أمن الخليج، وتحديها أكثر لدول المنطقة، والاستمرار في تحدي الجانب الأمريكي ومؤخرا الجانب البريطاني.

5- تغير المناخ: يعد أحد التهديدات التي تُشكل خطرًا على الأمن الدولي، فهو يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار، ما يزيد من خطر الفيضانات والسيول والأعاصير، وحرائق الغابات، والانهيارات الأرضية، إلى جانب ما تشهده المناطق الصحراوية من تفاقم مشكلات الجفاف والتصحر والعواصف الرملية. ومع انسحاب أمريكا في يونيو 2017 من اتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف إلى «الحد من تغير المناخ والاحترار العالمي»، سيكون من الصعب على العالم التوصل إلى هذه الأهداف، وخاصة مشكلة التمويل، التي تتحمل واشنطن 23% من ميزانيته، فضلا عن أنها مصدر مهم لتقديم التكنولوجيا للدول النامية لدعم جهودها لمكافحة ارتفاع درجات الحرارة، والانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة. كما أن هناك ارتباطًا بين التغير المناخي والعنف السياسي.. فالتراجع في تدفق المياه من الأنهار في منطقة الهلال الخصيب مثلاً قد يجعل الأمن مهددًا. وهناك إشارات لتفجر صراعات في السنوات القادمة بين كل من العراق وسوريا وتركيا، أو بين العراق وإيران للسبب نفسه؛ ما يجعل تغير المناخ أحد مهددات الأمن العالمي.

7- الجرائم السيبرانية: تركز على الوسائل المعلوماتية، وخلق الأزمات السياسية لإثارة الرأي العام ضد الدولة، وبث الشائعات للإضرار بالاقتصاد الوطني، وخلق مناخ غير آمن للاستثمار وغيرها، وهو ما عبَّر عنه الملياردير الأمريكي «وارن بافيت» بقوله: «إن خطر الهجمات السيبرانية على البشرية أكبر من خطر الأسلحة النووية».

وإلى جانب التحديات الدولية تواجه دول المنطقة تحديات أخرى، نذكر أهمها:

الأزمة القطرية: 

يمر مجلس التعاون الخليجي بمنعطف هو الأخطر منذ تأسيسه عام1981؛ بسبب قيام تحالف استراتيجي بين نظام قطر وقوى تتدخل في شؤون أشقائها الداخلية؛ مثل تركيا وإيران، وتهدد الأمن والاستقرار فيها، وهو ما قال عنه وزير الداخلية الفريق أول الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة إن «التدخلات الإيرانية والقطرية في الشأن البحريني ليست وليدة الساعة، بل هي نهج مستمر ويأتي على صيغ متعددة، فإذا كانت إيران تستهدف الطائفة الشيعية، فإن قطر استهدفت الطائفتين الشيعية والسنية والنسيج المجتمعي كله، وعملت على الإضرار بروابط الأسر وإثارة الفتن، إلى جانب أنها تعد من أكبر الداعمين سياسيًّا وعسكريًّا وآيديولوجيًّا لعدد من القوى المزعزعة للاستقرار في المنطقة؛ ولهذه الأسباب قطعت كل من البحرين والسعودية والإمارات ومصر علاقاتها معها في 5 يونيو 2017، واشترطت لعودتها تنفيذ اتفاق الرياض لعام 2013/2014؛ باعتبار أن مفهوم الأمن الجماعي الخليجي وحتى العربي معها فقد معناه. وبناء عليه فقد توقفت اجتماعات المجلس ونشاطاته، وتراجعت مكانته، وتضرر اقتصاد أعضائه، وجمدت مشاريع وحدوية مثل الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة وغيرهما، وباتت السياسات الدفاعية مثل قوات درع الخليج ونظام الدفاع الصاروخي موضع شك. ومن ثمّ؛ تبقى هذه الأزمة -إذا ما ظلت من دون حل- عاملًا يهدد أمن المنطقة .

2- تذبذب أسعار النفط: الذي تمثل إيراداته المصدر الرئيسي لتمويل معظم ميزانيات الدول الخليجية، فبعد أن كانت قد تجاوزت 110 دولارات للبرميل قبل منتصف 2014، تتذبذب الأسعار الآن ما بين 50 و70 دولارًا، ما تسبب في عجز ميزانياتها، الذي استتبع توقف أو تأجيل مشروعات قائمة، أو فرض ضرائب، أو السحب من الأرصدة الخارجية أو الاستدانة، وهو ما يترتب عليه ظهور انعكاسات إجتماعية.

3- تحديات العمالة الأجنبية: وفقًا لإحصائيات عام 2018م فإن عدد سكان دول الخليج مجتمعة بلغ 56 مليونًا، في حين أن عدد العمالة الوافدة وصل إلى 28.58 مليونا؛ أي أن نسبة العمالة من إجمالي عدد السكان قارب 51.04%. ولهذا فإن الخبراء يرون أن للعمالة الأجنبية تحديات ومخاطر أمنية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية. فسياسيًّا، قد تلجأ بعض الدول إلى التدخل بحجة حماية حقوق عمالتها، كما قد يصبح من حق العامل إذا قضى فترة زمنية حددها القانون الدولي الحصول على جنسية البلد التي يعمل بها، ما قد يحدث خللاً في التركيبة السكانية، الأمر الذي يشكل خطرًا على الأمن الوطني نتيجة تفوق عدد العنصر الأجنبي، الذي له قيم وعادات وتقاليد مغايرة للثقافة العربية، ما يسفر عن مشكلات اجتماعية وثقافية ونفسية عديدة لدى النشء الذي يتربى على قيم مضادة لثقافته.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news