العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

قيمة الإنسان في عصر الثورة الصناعية الثالثة

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

إعداد/ عبدالرحمن هاشم

هذا مقال اعتمدت فيه على أفكار فلسفية ساقها الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه الرائع «تجديد الفكر العربي»، فأكتب ملخصًا ما قال: إذا كان موضع الإشكال الفلسفي عند أسلافنا هو طريق اللقاء بين أحكام الشريعة الإسلامية ومنطق العقل، فقد أصبح موضع الإشكال عندنا اليوم هو طريقة اللقاء بين العلم والإنسان.

لقد فشل الغرب نفسه –وهو صانع العلم الحديث- في أن يقيم لنفسه مثل هذا اللقاء بين الطرفين، فكان له العلم، ولكنه فقد إنسان.

ويكفي أن تتتبع الأدب في أوروبا وأمريكا اليوم –والأدب هو المرآة المصورة للإنسان وما يعتمل في نفسه- لنرى ما يحسه الناس هناك في دخائل صدورهم من ملل، وسأم، وضيق وحيرة وضياع.

إن الإنسان هناك يساير عصره العلمي في مقتضياته، لكنه لا يجد الفراغ ليخلو إلى نفسه ويصغي إليها، كأنما كل فرد هناك، هو فاوست*، أغراه الشيطان بأن يبيع نفسه من أجل علم يحصله أو مال يكسبه، أو قوة يستبد بها ويطغى.

ولسنا نقول ذلك وفي أذهاننا أقل ذرة من رغبة في التهوين من شأن العلم والمال والقوة، بل نقوله لنؤكد ضرورة أن يضاف إليها شيء آخر، هو القيم الخلقية والجمالية التي تجعل من الإنسان إنسانا بالعمق، بعد أن جعل منه العلم والمال والقوة إنسانا بالطول والعرض.

إن المبدأ الراسخ الذي أحسب أن سائر أحكامنا في مختلف الميادين، تنبعث منه هو الاعتقاد بوجود: الخالق والمخلوق، الروح والمادة، العقل والجسم، المطلق والمتغير، الأزلي والحادث، وهي ثنائية لا تسوّي بين الشطرين، بل تجعل للشطر الروحاني الأولوية على الشطر المادي، فهو الذي أوجده، وهو الذي يسيّره، وهو الذي يحدد له الأهداف.

أي أنه يوجد إله خالق وعالم مخلوق، وفي هذا العالم إنسان متميز دون سائر المخلوقات بالإرادة الحرّة المسؤولة، التي تتصرف في إطار التشريع الذي أوحي به من الله عز وجل، لكنه مع ذلك تصرّفٌ فيه حرية الاختيار، التي من شأنها أن تجعل تبعة الفعل واقعة على فاعله، فتكون عليه تبعة الفعل، خيرًا بخير، وشرًا بشر.

إن الاعتقاد بما سبق يضمن لنا الجمع بين العلم وكرامة الإنسان، بعد أن رأينا الجمع بينهما متعذرًا في أوروبا وأمريكا.

فالعلم هناك قد أدى إلى صناعة، والصناعة تطورت حتى أسلمت أمرها إلى تقنيات دقيقة معقدة، وهذه بدورها قد جزأت الإنسان إلى شرائح رقيقة من التخصص، بحيث كادت حياة الفرد الواحد تنحصر في عملية واحدة يؤديها طيلة نهاره حتى ينهكه التعب، ويأخذ منه الملل، فيغفو عن الطبيعة الحيّة من حوله، بل قد يسهو عن شؤون أسرته نفسها، وبذلك تمزقت وحدته، واشتدت غربته، فأصبح في دنياه شبحًا عابرًا، كأنه جاء إليها ضيفًا ثقيلاً، لا يرغب في بقائه إلا ريثما يكدح هذا الكدح الممل الرتيب.

إننا جميعًا لنسمع بما قد أصاب الشباب هناك من ذهول يشبه الهذيان لما يرونه ممتدًا أمامهم من حياة جدباء، مهما أثرت جيوبهم بالمال، وامتلأت بطونهم بالطعام والشراب، فتعمدوا الانسحاب، بالعقاقير المخدرة آنًا، وبالانغماس في الشذوذ آنًا آخر، أو هم يتعمدون اصطناع العنف حينًا، وتشويه الجسد حينًا آخر، وذلك كله يأسًا منهم أن يوائموا بين حياةٍ ضيّقَ العلم والصناعة خناقها، فلئن زادهم العلم وزادتهم الصناعة ثراء وقوة، فقد أفقداهم العيش في سلام ومصالحة مع صوت الضمير.

وإن في الاعتقاد بهذا الطرح ليفتح أمام الإنسان المعاصر آفاقًا مغلقة، الأمر الذي يجعله يقف فوق الأرض ويرفع رأسه إلى السماء، أي يسعى على الأرض علما وعملا، بكل ما يتطلبه العلم من دقة، وما يتطلبه العمل من صبر ودأب، ويعيش في الوقت نفسه للسماء يهتدي بالمثل التي ترسم أمامه لتكون له على الطريق هدايات وغايات.

العلم والقيم ـ كلاهما في أوروبا وأمريكا وغير أوروبا وأمريكا ـ ينبت من الأرض، وكلاهما ينشد القوة والمنفعة، لكن الثنائية المثلى تجعل العلم نباتا ينبثق من الأرض وظواهرها، وتجعل القيم غيثًا ينزل من السماء ووحيها.

العلم نسبي يتغير مع التقدم، والقيم مطلقة تشخص إليها الأبصار، فهي ثابتة من حيث الأسس وإن تغيرت من حيث التطبيق بتغير الظروف.

ألا فلنجمع بين العلم وكرامة الإنسان، فهذا يكفل لنا بطبيعة الحال أن نضع الإنسان في موضعه الصحيح وبالنسبة الصحيحة، فلا تضخيم له ولا تهوين من شأنه.

إننا باختصار نوجب أن تضاف إلى فلسفة العلم فلسفة الإنسان الحي الذي ينبض في صدره قلب، ويطمح في حياته إلى أبعد الغايات.

وإننا بدل أن نجعل الإنسان إلهًا ـ كما يفعل البعض ـ نجعله رسولاً في الأرض لله، يشيع فيها ما قد شرعه له من قيم ومبادئ وأحكام.

*) فاوست اسم مسرحية شهيرة للشاعر الألماني جوتة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news