العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

(تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم)
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) الإعجاز العلمي في ماء زمزم

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

بقلم: د. محمد عطا مدني

في قصة السيدة هاجر وابنها اسماعيل -عليهما السلام- الكثير من العبر والمواعظ التي يجب على المسلمين أن يعتبروا منها، فأولى سمات هذه القصة المؤثرة الصبر الذي ظهرَ في سلوك سيدنا إبراهيم -عليه السلام- عندما أطاع ربه راضيا، وفي صبر السيدة هاجر عندما تركها أبو الأنبياء مع وليدها وعاد إلى الشام، حين صبرت هي وإبنها على الوحشة والجوع والعطش، استجابة لأوامر الله سبحانه وتعالى، وفيها أيضًا الرضى بقضاء الله وقدره خيره وشرِّه، وأنَّ طاعة الله سبحانه وتعالى مقدَّمة على النفس والزوجة والولد، ومع الطاعة يأتي الفرج في النهاية. وكثيرة هي الآيات التي تدلنا على عظمة خالقنا سبحانه وتعالى. 

وتقول القصة المعروفة أنه عندما انتهى الطعام والماء الذي تركه أبو الأنبياء لهم، أخذت السيدة هاجر تبحث عن الماء لإرواء عطش وليدها الصغير بين الصفا والمروة، فأنعم اللّه عليها وعلى ابنها بتفجر الماء من تحت أقدامهما، ففرحت هاجر وأدارت حوله حوضًا وأخذت تزمه، ولذا سميت (بئر زمزم)، ثم طمست البئر في عهد (جرهم) وزالت معالمها إلى أن شاهد عبدالمطلب جد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، رؤيا في المنام تبين له مكان البئر، فحفرت وكان ذلك قبل ميلاد الرسول صلى اللّه عليه وسلم. واهتم المسلمون منذ أيام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا بماء زمزم، وحرصوا على الشرب منه اتباعًا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنها طعام طعم وشفاء سقم)، وعن جابر بن عبدالله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ماء زمزم لما شرب له). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم). 

وإذا أردنا أن نعدد خصائص ماء زمزم من حيث امتيازه عن غيره من المياه، فيمكن إجمال تلك الخصائص بالآتي:

إن هذا البئر العظيم لم ينضب أبدا منذ أن ظهر للوجود بل على العكس فهو يمدنا بالمزيد من الماء، ومن ذهب الى بيت الله الحرام سيندهش من كثرته وكفايته لجميع الحجاج، وهو لا يزال يحتفظ بنفس نسب مكوناته من الأملاح والمعادن منذ أن ظهر الى الوجود حتى يومنا هذا. ويتميز ماء زمزم بوفرته، إذ بلغ متوسط المستهلك منه في اليوم الواحد من أيام الحج خلال السنوات الماضية نحو عشرة آلاف متر مكعب من الماء، إضافة الى صلاحيته للشرب لجميع الحجاج من جميع أنحاء العالم، فلم يحدث أن اشتكى مخلوق من أثر مياهه على صحته أو ما شابه ذلك، وقد ثبت أنه يحتوي على فلوريدات مضادة للجراثيم بشكل عالي الفعالية.

ويلاحظ أنه في حالة الآبار العادية يزداد النمو البيولوجي والنباتي في داخل البئر مما يجعل المياه غير صالحة للشرب نظرًا إلى نمو الطحالب مما يسبب مشكلات في الطعم والرائحة، ولكن في حالة بئر زمزم، فليس هناك أي دليل على النمو البيولوجي بالبئر. ويتمتع ماء زمزم بخاصية قلوية حيث يحتوى على تركيزات عالية من الصوديوم والكالسيوم والمغنيزيوم والمعادن الأخرى، وهى تقع ضمن مقاييس منظمة الصحة العالمية ماعدا الصوديوم فهو مرتفع. ومن الجدير بالذكر أنه أثناء التعرض للجو شديد الحرارة يحدث نقص في كل من الصوديوم والبوتاسيوم في سير الدم، ومع المجهود الشديد يزيد معدل الفقد في كل من الصوديوم والبوتاسيوم مع زيادة كمية العرق، وهذا يفسر ارتفاع نسبة الصوديوم في ماء زمزم عن المعدل المسموح به لتعويض هذا النقص، حيث إن الجو شديد الحرارة في الأماكن المقدسة. 

وكل مركب من المركبات الكيميائية لماء زمزم له دوره المهم في النشاط الحيوي لخلايا جسم الإنسان، وفي تعويض الناقص منها داخل الخلايا، ومن الثابت علميا أن هنالك علاقة وطيدة بين اختلال التركيب الكيميائي لجسم الإنسان والعديد من الأمراض.

كما يمد ماء زمزم الجسم بقدر كبير من الطاقة، ويزيل الفضلات الحمضية، كما أنه مضاد قوي للأكسدة ومزيل قوي للسموم، ويساعد على امتصاص العناصر الغذائية بكفاءة أفضل، وعلى تمثل المعادن المؤينة بسهولة أكبر، بالإضافة إلى أنه يساعد على تنظيم الهضم وتحسينه بصفة عامة بإعادة التوازن للجسم، ويقلل من تأكسد الأعضاء الحيوية ويدمر خلايا السرطان، وله معامل أكسدة واختزال سالب، لذلك يعد وسطًا معاديًا للبكتيريا. وله مذاق ناعم وحلو بسبب ما يحتويه من تركيز للأيونات السالبة التي يتميز بها ماء ينابيع الجبال النقي. 

وفي منبعه الأساسي سر غامض، يعتبره علماء الجيولوجيا كنزا كبيرا ربما يستحيل كشف رموزه إلى أن تقوم الساعة، حيث ما من ماء يصل إلى هذا النبع حتى يكتسب خواص ماء زمزم نقاوةً وطهارةً، وهذه النتيجة ليست نظرية أو غيبية أو منقولة من بطون الكتب القديمة، لكنها خلاصة أبحاث علمية شملت البئر ومائه، ودرجة نقائه، وشملت مياه آبار أخرى على مسافات معينة، وجد أنها لا تتمتع بنفس الخواص، حيث يفيض الماء من زمزم منذ آلاف السنين دون أن يجف أو ينقص حجم المياه فيه، وقد اندهش المهندسون العاملون في توسعة الحرم المكي عند تشغيل مضخات ضخمة لشفط المياه من بئر زمزم حتى يمكن وضع الأساسات، حيث تفاجأوا أن غزارة المياه المسحوبة، قابلها فيضان مستمر من الماء، يفور ويمور كأنه أمواج البحر.

يقول المهندس (يحي كوشك) وهو يحمل شهادة الدكتوراه في هندسة البيئة من جامعة واشنطن عن مصادر مياه بئر زمزم وفق الأبحاث العلمية التي قام بها مع الفريق العلمي الذي رأسه عام 1400 هـ، ونشر نتائجه في كتابه (زمزم) بقوله: (إن المصدر الرئيس لمياه زمزم فتحة تحت الحجر الأسود مباشرة، طولها خمس وأربعون سنتيمترا، وارتفاعها ثلاثون سنتيمترا، ويتدفق منها القدر الأكبر من المياه. والمصدر الثاني فتحة كبيرة باتجاه المكبرية (مبنى مخصص لرفع الأذان والإقامة مطل على الطواف)، طولها سبعون سنتيمترا، وارتفاعها ثلاثون سنتيمترا، ومقسمة من الداخل إلى فتحتين، وهنالك فتحات صغيرة بين أحجار البناء في البئر تخرج منها المياه، خمس منها في المسافة التي بين الفتحتين الأساسيتين، وطولها متر واحد، كما توجد إحدى وعشرون فتحة أخرى تبدأ من جوار الفتحة الأساسية الأولى، وباتجاه جبل أبي قبيس من الصفا، والأخرى من اتجاه المروة). وهذه الفتحات الصغيرة هى التي تروي ملايين الحجاج وتداوي أسقامهم كل عام، ومن هنا كان مصدر وجود مياه زمزم معجزة ودليلا على قدرة الله العظيم سبحانه وتعالى، ولم يستطع العلماء إيجاد تفسير علمي لمصادر المياه ببئر زمزم، حيث نفدت جميع المياه من الآبار حوله، فسبحان الذي أمر بشق بئر زمزم، وسبحان الذي أمر الماء بالتدفق إليها عبر شقوق شعرية دقيقة، تتحرك إلى البئر من مسافات طويلة، وسبحان الذي علم خاتم أنبيائه ورسله، الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحقيقة ذلك كله، فصاغه في عدد من أحاديثه الشريفة صلى الله عليه وسلم، وسبحان الله العظيم الكريم، تجلت قدرته، ووجب الحمد له، والثناء على عظيم نعمائه. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news