العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (10) «إنه هو البَرُّ الرحيم»

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

بقلم: عاطف الصبيحي

النظر في المُطلق بأدوات نسبية يجعل المُطلق ولاّدا، وهذا حالنا مع القرآن، نصه ثابت لا تغير عليه ولا تبديل، وأفهامنا له منذ اكتمال نزوله تدور له، تنظر فيه، تُدرِك بعض ما فيه، ثمّ تعيد الكرة مرتين، فينفتح أفق جديد، ثم تتوالى الكرات مرات ومرات في إعادة القراءة على مد الأيام والأعصر إلى ما لا نهاية من إعادة النظر، هذه هي حالتنا مع الكتاب الكريم، كتاب مُطلق من المطلق، رسم خارطة مفاهيمية عابرة للزمان ولا تُقيدها الأمكنة، فما من جانب من جوانب الحياة إلا وسيّجها بسياج متين من المفاهيم الدقيقة، وأبقى عليها مرجعية لكل راغبٍ وناهل علم، فعلى مدار المقالات السابقة استعرضنا عدة جوانب من الحياة وعرضنا ما استطعنا لذلك سبيلاً السياج المفاهيمي التي شخّص كل حالة وميزها عن سواها في نفس الحقل، مما ألبسها هويتها الخاصة بدقة لا تُضارعها دقة، وجعل لها بصمتها الفريدة التي تتفرد من خلالها عن أقارنها، ومن الآية التي جعلنا منها عنوانًا لهذه السطور استوقفتنا كلمة «البَرّ» فإذا بها تنتسب بعلاقة نسب مع مجموعة من المفاهيم التي تمثل كل واحدة منها لبِنة في جدارية المفاهيم، فوجدنا أنفسنا أمام «البَر، الخير، الإحسان، الإنعام، الفضل، المنة» كرواد لمؤسسة لا تحيد عن الخير في معناها العام، مع الاحتفاظ بالخصوصية.

«إنّا كنا من قبلُ ندعوه إنه هو البَرُّ الرحيم» 28 الطور، والبر تعني التوسع في الخير قصدًا بعموم كلمة الخير، وقوله تعالى... «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» 2 المائدة، «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ألا تعقلون» 44 البقرة، هذا معنى جليل يُضفي على الحياة الهناء والسعادة لأن فيه التوسع وفيه القصدية.

الخير: هو ما نفعله للآخر وإن كان سهوًا أو خطأ، «وهو يتباين عن البِر بأنه قد يكون غير مقصود، وليس بالضرورة أن يتميز بالتوسع، «يسألونك ماذا يُنفقون قُل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم» 216 البقرة، وقوله تعالى «وإن تبدوا الصدقات فنِعِما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويُكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير». وما نسوقه من شواهد قرآنية في هذا المقام يخص العطاء وللخير مجالات أعم من ذلك في الاستخدام القرآني، ولكن التزامًا مع مضمون السلسلة اخترنا المعنى الذي يوافق الهدف الذي نسعى إليه، ويمكن للقارئ التوسع في معاني الخير فسيجدها تشمل أُمورا أُخرى كثيرة. 

الإحسان: هو التوسع في إكرام من لا يستحق ذلك منك، وهو سلوك أخلاقي عام مثل كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه، «الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يُحبُّ المُحسنين» 134 آل عمران، لعمري إنها لخارطة طريق ينبع منها الأمن والطمأنينة والسلام، فالمتصفون بهذه الصفات هم أحباب الله وكفى به من شرف وتكريم ودافع للتمسك بمضمون الإحسان الوارد بهذه الآية، لأن الضد منه وارد في الآية 40 من سورة الشورى «وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنّه لا يُحب الظالمين». فتخير أيها الإنسان موقعك بين هاتين الآيتين.

ويا لعجبي من معنى «الإنعام» والتي تعني أن تُبادر بالنعمة على الآخر قبل سؤالك إياها، والنعمة عادةً تكون من الأعلى إلى الأدنى في الإمكانيات، وإذا ما سُئلت انتفت أُفرغت من جمالها الأخلاقي، فبصمة الإنعام هي في المبادرة قبل السؤال، وشاهدها متربع في فاتحة الكتاب «صراط الذين أنعمت عليهم» وقوله تعالى «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم...» 40 البقرة، وقوله تعالى «... قال ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ...» 15 الأحقاف.

الفضل والتفضل: التوسع في عطاء لشخص غير لازم له، «ولا يأتل أُولو الفضل منكم والسِعة أن يؤتوا أُولي القُربى» 22 النور، وفي التفضيل تميز لشخص أو فئة عن بقية القران أو الأشباه، «ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً» 70 الإسراء، تمييز واضح لبني آدم عن سائر المخلوقات التي أوجدها الله سبحانه وتعالى.

المِنة: وتلك هي خصوصية لله سبحانه ولقليل من الناس، لأن المنة هي النعمة التي لا يستطيعها إلا صاحب تلك المنة، كوهب الحياة لشخص من خلال إنقاذه، أو العفو عنه بعد الحُكم عليه بالإعدام، هذا في الدنيا لا يقدر عليه إلا أصحاب النفوذ، ولله المثل الأعلى فهو المنّان ومَنْهُ لا يليق إلا به، إنما هي الأخلاق التي نستمدها من اسمائه الحُسنى، «ولقد مننّا عليك مرة أُخرى» 37 طه، ومنته سبحانه علينا بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام «لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويُزكيهم ويُعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مُبين» 164 آل عمران.

نُسلم تسليمًا ونُصدق تصديقًا يقينيًا بأن مِنتك علينا بسيدنا محمد أعظم مِنة، والكتاب الذي أنزلت عليه ليبلغنا إياه مِنةٌ تخضع لها رِقابنا ما حيينا حمدًا وشكرًا لك يا إلهي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news