العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

وليال عشر

الجمعة ٢٣ ٢٠١٩ - 01:00

بقلم: د. علي أبو هاشم 

فضل الله تعالى بعض الزمان على بعض، وفضل بعض البلاد على بعض، وفضل بعض النبيين على بعض، وفضل بعض الشهور على بعض، وفضل بعض الأيام على بعض، وفضل بعض الليالي على بعض، فأفضل ليلة هي ليلة القدر، وأفضل الأيام يوم عرفة، وأفضل الشهور شهر رمضان والأشهر الحرم، وها نحن نستقبل العشر الأولى من شهر ذي الحجة، حيث جمع الله تعالى فيها الفضائل فهي أفضل الأيام مجتمعة، وأفضل الليالي كذلك. فأقسم الله بها في مطلع سورة الفجر فقال تعالى: والفجر وليال عشر. والمقصود بها ليالي العشر الأولى من ذي الحجة، كما صح في السنة النبوية، أخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أيام أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا وَلا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ. إِلاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ. والمراد من الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم, في هذه هي العشر الأولى من ذي الحجة، يوضح هذا ما رواه البخاري أيضا بسنده. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أيام الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ، قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ، إِلاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ. والمقصود بالعمل هنا كل أنواع العبادة، وما يتقرب به العبد إلى ربه، من نوافل الطاعات من الصيام والقيام والصدقات وذكر الله تعالى والبر والصلة، ولما سمع الصحابة هذا التوجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم, تعجبوا وسألوه ولا الجهاد؟ أي: هل يعدل الجهاد في سبيل الله فضل العبادة في العشر الأولى من ذي الحجة، فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم, بقوله: ولا الجهاد. ثم استثنى نوعا خاصا من الجهاد وهو نادرا ما يتحقق لعدم التمكن من القيام به لكل الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: ِإلاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ. أي لا يعدل العبادة في هذه العشر إلا جهاد رجل أنفق ماله كله في سبيل الله، وقُتل شهيدا في المعركة نُصرة لله ورسوله ودفاعا عن الحق، فجمع في جهاده بين الجهاد بالنفس والمال، فأُنفق ماله، وأُريق دمه، وهي صورة صعبة المنال والتحقيق، يستطيع المسلم برحمة الله تعالى وتوفيقه أن ينال هذه الدرجة إن حرص على الإكثار من فعل الطاعات والعبادات في هذه الأيام وأخلص لله تعالى فيها. فاحرص أيها المسلم على أن تكون من المسارعين إلى الطاعات والنوافل رجاء أن تدرك فضل هذه العشر الأولى من ذي الحجة، والله برحمته يُريد أن يتوب على عباده المؤمنين، فيفتح لهم أبواب الرحمات ليدخلها من سارع إلى التوبة وفعل الطاعات. يقول تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا. النساء: 27- 28. وهذه الأيام نفحات خير ورحمة يمنحها الله تعالى لعباده، فهنيئا لمن تعرض لها بفعل الطاعات، ولهج لسانه بذكر الله، وجادت نفسه فأخرج الصدقات، واغتنم أوقاتها ولم يُضيعها، فلعله أن تُصيبه نفحة منها فلا يشقى بعدها أبدا، أخرج الطبراني في الكبير بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أيام دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا. وهذه الأيام هي الأيام المعلومات التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسم اللَّهِ فِي أيام مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. الحج: 28-29. قال ابن عباس هي: أيام الْعَشْرِ، وَالأيام الْمَعْدُودَاتُ أيام التَّشْرِيقِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلى السُّوقِ فِي أيام الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاس بِتَكْبِيرِهِمَا. ولذلك يُشرع فيها التكبير المطلق يعني الغير مُقيد بالصلاة، فيُكثر المسلم من الذكر والتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، في كل وقت وفي كل مكان، أما التكبير المقيد هو المرتبط بالصلاة فيكون في دبر الصلوات الخمس كما هو في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق الثلاثة عقب عيد الأضحى، ويوم عيد الأضحى، ويوم عرفة. ومما يُسن في العشر الأولى من ذي الحجة أن من أراد أن يُضحي فلا يأخذ من شعره وظفره شيئا في هذه الأيام حتى يذبح أُضحيته، والحكمة منه هو أن يتشبه بالحاج الذي أحرم وأهل بالحج، فيحرم عليه بعد إحرامه أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئا. أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أم سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم, تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذي الْحِجَّةِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّىَ. أما سبب تفضيل هذه العشر الأولى من ذي الحجة أنه وقع فيها ابتلاء إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، وأن الله كشف فيها كربه وأنزل فداء ولده اسماعيل كبشا فذبحه إبراهيم عليه السلام، فصارت سنة الأضحية، إحياء لذكرى إبراهيم واسماعيل عليهما السلام، فكان فيها المحنة والمنحة، والابتلاء والاجتباء والاصفاء، وكان فيها الانتصار على النفس والشيطان والانقياد لأمر الله تعالى، فاحرص أيها المسلم على اغتنام هذه الأيام في الطاعات والذكر والدعاء وجميع النوافل، لتفوز بخيرها وفضلها، والله المستعان. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news