العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أخيرا ثبت أنني كنت على حق

بسبب عقدتي من ومع علم الرياضيات، (على زماننا في المدارس لم تكن كلمة رياضيات مستخدمة بل كان الاسم السائر هو «الحساب» مع ما للكلمة من دلالات مرعبة فمنها يحاسب ومنها يوم الحساب والثواب والعقاب)، والمهم انني كنت طوال مسيرتي الاكاديمية اعتبر من يحبون تلك المادة اشخاصا غير اسوياء و«غير طبيعيين»، كيف يحب شخص بالغ وعاقل وراشد أشياء مثل سين تربيع على ص أس خمسة تساوي صفر.. ونظرية فيثاغورس وباي وجيب الظل وجيب التمام، وتأكدت من صحة شكوكي في محبي الرياضيات عندما كنت طالبا جامعيا وكان لي زميل يتخصص في الرياضيات وذات يوم دعوته على كوب شاي في كافتيريا الجامعة فشكرني وامسك بالكوب ثم اخرج سيجارة وأشعلها بعود كبريت ثم رمى الكوب بعد هزِّه برفق في سلة القمامة ووضع عود الكبريت المشتعل في فمه.

قبل اسبوعين شهدت الأوساط العملية زلزالا حميدا وامتلأت الصحف ومواقع الإنترنت وقنوات التلفزيون بأخبار عالم الرياضيات الروسي غريغوري بيريلمان الذي حل مسألة رياضية ظلت تحير العلماء على مدى اربعة قرون، وفور التأكد من صحة الحل قدم له معهد كلاي الأمريكي مليون دولار جائزة (كانت مرصودة على مدى سنوات طوال لمن يحل تلك المسألة). قرأت عن تلك المسألة ولكنني لم أفهم منها وعنها شيئا ولا أريد أن أعرف عنها شيئا.

عندي ملاحظة: ظلت الكرة الارضية تدور حول الشمس وظل الناس يمرضون ويتعالجون واخترعوا الإنترنت وجهاز البلاك بيري والآيفون ثم أخيرا طرحت شركة أبل جهاز آي باد iPad الذي قيل انه سيقضي على الكمبيوتر بشكله الحالي وظهرت انفلونزا الخنازير والطيور وسقط حكم طالبان في افغانستان وصدق الرئيس الافغاني حامد كرزاي انه رئيس فعلا وصار يسمي الأمريكان قوة احتلال، فأطاحوا به؛ وانتشرت محلات البيرغر في كل انحاء العالم وظهرت الفياغرا ثم ظهر البوتوكس الذي يزيل التجاعيد عن الوجه ويجعل الوجه مثل قالب البلاط لا تظهر عليه علامات الحزن أو السعادة. وحدث كل هذا والمسألة الرياضية تلك بلا حل وقطعت البشرية في العشرين سنة الأخيرة اشواطا أكثر من تلك التي قطعتها خلال الألف سنة الماضية وتم كل ذلك دون الحاجة إلى تلك المسألة محلولة كانت أم مربوطة.

اتصل معهد كلاي بغريغوري وابلغوه بالجائزة وحددوا له تاريخ الاحتفال لاستلامها، وجاء الموعد وانتهى ولم يظهر أبو الغراغير فاتصلوا به ثانية: خير يا رجل.. نعطيك مهلة فقط حدد لنا ستأتي لاستلام الجائزة.. أجابهم غريغوري: بلا جائزة بلا بطيخ.. مش عايز مليون ولا ملاليم.. اتركوني في حالي.. غريغوري يعيش في قرية صغيرة نائية في روسيا في شقة من غرفة واحدة بها كرسي واحد وسرير واحد ونحو عشرين ألف صرصار حسب إفادة جارته التي قالت انه لا يرحب بزيارة البشر له ولكن بيته مفتوح للصراصير والفئران.

جالكم كلامي؟ عليك نور.. أي واحد شاطر ومتفوق في الرياضيات فعلا شخص غير طبيعي وغير سوي وقواه العقلية مختلة.. في بلداننا يتم الإعلان عن جوائز سنوية في كل المجالات ونقرأ عن شخص فاز بمئات الآلاف ببحث قدمه عن غزو المريخ بمحركات تعمل بزيت الفسيخ.. وآخر عن دراسة تاريخية معمقة عنوانها «الفلس أم الهلس تسبب في ضياع الاندلس؟».. ويتم تسليم الجوائز في حفلات متلفزة، ولا ننسى خلال التغطيات الاعلامية لتلك المناسبات تذكير أنفسنا بأن أجدادنا اخترعوا الصفر.. الله يسامحهم.. يعني لو اجتهدوا أكثر واخترعوا التريليون أو حتى المليون لما طلع علينا جورج قرداحي في القرن الحادي والعشرين مزهوا بأنه اعاد اختراع المليون.

رجاء لو قرأ كلامي هذا عربي يقيم في روسيا يكلم ذلك المعتوه غريغوري كي يعطيني توكيلا لأتسلم المليون دولار نيابة عنه، لأحس بأنني على الأقل أساوي نصف ناقة في «سوق البهائم»، في حقيقة الأمر أقل من ثلث ناقة لأن آخر ناقة تعمل بالطاقة النووية بيعت بأكثر من 3 ملايين دولار.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news