العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

السباق إلى قصر قرطاج في تونس

بقلم: عبير بشير {

الخميس ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

تجاوزت تونس وحدها قطار «الربيع العربي» الذي انطلق منها. وبدل السقوط في مستنقع الفوضى والتفكك، استطاعت بلاد الياسمين، العيش ضمن تسوية مدنية صعبة، دفعت بها شجاعة الدستوريين الكبار، وإيمانهم العميق بتونس، وخلفياتهم الثقافية والقانونية في مواجهة تيار معاكس تمامًا.

وفي السباق إلى قصر قرطاج، بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، يتدافع المرشحون للرئاسة بين مؤهل واستعراضي. وهذه ظاهرة تحدث في البلدان الحرة والمنفتحة. 

وفي دولة قامت منذ اليوم الأول على التعليم الإلزامي والمجاني، حيث كان الزعيم بورقيبة يعتقد أن أفضل طريقة لإلحاق الهزيمة بالاستعمار، هي أن تكون أكثر تقدمًا منه. لذلك جاء بمعظم رفاقه من خريجي جامعة السوربون.

رحيل السبسي فتح شهية «حركة النهضة» الإخوانية على السلطة على مصراعيها، حيث أعلن الشيخ راشد الغنوشي أنه سيرشح نفسه في سباق البرلمان القادم، باسم حركة النهضة، على أمل أن يرأس البرلمان إذا فاز حزبه.

ولكن المثير للجدل، كان في قرار حركة النهضة ترشيح عبدالفتاح مورو رسميًا لخوض انتخابات الرئاسة، مع بقاء حمادي الجبالي مرشحًا رئاسيًا إخوانيًا أيضا، وإن كان ليس باسم «النهضة»، رغم الانتماء إليها.

وسيتنافس مورو أيضا مع شخصيات أعلنت عن ترشحها للانتخابات، أهمها رئيس الحكومة الحالية يوسف الشاهد (43 عامًا) باعتباره مرشحًا عن حزبه «تحيا تونس»، ووزير الدفاع المستقيل حديثًا من الحكومة عبدالكريم الزبيدي، ورجل الأعمال نبيل القروي، والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي.

قرار حركة النهضة ترشيح مورو للانتخابات الرئاسية المبكرة، يعد خطوة مثيرة للجدل، إذ هي المرة الأولى بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، التي يدفع فيها هذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية، شخصية لرئاسة الدولة، بعدما كان يركز على الانتخابات التشريعية، وعلى التوافقات التي ظهرت فيها في مساندته لمنصف المرزوقي في رئاسيات 2011 و2014.

ويحظى ترشيح مورو بجزء كبير من هذا الجدل، فالرجل أسهم في تأسيس حركة النهضة منذ بداياتها الجنينية، وانفصل عنها فترة من الزمن ليعود إليها عام 2012 وينتخب نائبا لرئيسها، وهو كذلك الرئيس الحالي للبرلمان التونسي بالنيابة، بعد تنصيب رئيسه السابق محمد الناصر خلفًا مؤقتًا للباجي قايد السبسي.

ورغم أن مورو يحظى بسمعة طيبة بين التونسيين، لاعتداله وانفتاحه، وسبق له الحصول على أصوات ناخبين غير متحزبين، فهو وخلافًا للعديد من الإسلاميين، يحمل آراء ناقدة لتجارب الإسلام السياسي، وصرح بأن الحركات الإسلامية لا تملك خبرات في مجال إدارة شؤون الدولة.

كما يعتقد مورو أن على الحركات الإسلامية أن تدرك أن المطلوب حاليًا هو نظرة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الراهن للمجتمعات العربية، وهو معنى لم يتسرب إلى أذهان الدعاة والحركات الإسلامية التي بقيت لديها صورة واحدة عن الإسلام وهي الصورة التاريخية، وهذا يفسر، بحسب مورو، أنه لا يوجد في أدبيات الحركات الإسلامية، مبحث خاص بالحكم في العصر الحديث من منظور إسلامي.

وكثيرًا ما قال مورو إن الإسلاميين إذا اعتقدوا بأنهم خيار دائم في بلدانهم فهم واهمون، فهم اختيار ظرفي، وهم لن يستمروا في الحكم لفترة تتجاوز سنوات، وأنهم سيخرجون من السلطة بنفس الطريقة التي وصلوا بها، أي سيخرجون بالصندوق، ويخشى أن يخرجوا في وسط الصندوق.

إلا أن مورو يبقى في البداية والنهاية عضوًا بارزًا في حركة النهضة، وستتهم الحركة بكونها تسعى إلى السيطرة كليًا على مؤسسات الدولة. ثم أنه، كيف لحركة «النهضة» إقناع الشارع التونسي بمرشحها عبدالفتاح مورو رئيسًا للجمهورية التونسية، ووصيًا على إرث بورقيبة السياسي.

ترشيح حركة النهضة للغنوشي ومورو للانتخابات البرلمانية والرئاسية، لا يحجب حقيقة جلية، وهي استمرار الصراعات الشرسة داخل «النهضة»، بين الشيخ مورو في مواجهة الشيخ راشد الغنوشي، الشخصيتين اللتين أسستا الحركة قبل 50 سنة تحت اسم «الجماعة الإسلامية»، وتفرقت بينهما السبل.

وربما يطمح الغنوشي إلى رئاسة البرلمان، ولذلك تقدم إلى الانتخابات البرلمانية لأول مرة، لكن ذلك لن يتحقق مع وجود الشيخ مورو في دائرة «تونس 1»، فكانت الصفقة بينه وبين مورو، عبر انتقال الأخير إلى سباق الرئاسة، بدلا من سباق البرلمان.

ويعرف الغنوشي جيدًا حجم نائبه مورو جماهيريًا، ومدى حظوظه في الانتخابات الرئاسية، حيث تشير التقديرات الى أن مورو ربما يتصدر في الانتخابات بنيله ثلث الأصوات من الجولة الأولى. أما مرشح حزب الرئيس السابق السبسي «نداء تونس» ووزير الدفاع المستقيل عبدالكريم الزبيدي فقد يحل ثانيًا، ليتقابلا في الجولة الثانية والحاسمة، وعندها ستذهب أصوات كثيرة من نساء وشباب تونس لأي مشروع ينافس «النهضة». وبذلك يضمن الغنوشي إبعاد خصومه من داخل حزب النهضة عن طريقه. واستكمال ثنائية العهد مع الرئيس الجديد، إثر نجاحها مع الرئيس الراحل القايد السبسي، ودخوله البرلمان بقوة.

وفي الوقت الراهن يجري الحديث بأن «حركة النهضة» مهدت منذ أشهر لتحالف مع رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، وهو التحالف الذي لم يرق للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وبسببه دب الخلاف ووصل إلى حد التأزم وتوظيف السبسي موضوع الجهاز العسكري لحركة النهضة للدعاية ضدها. أي أن «حركة النهضة» تبرمج لدعم يوسف الشاهد في الانتخابات الرئاسية ليكون رئيسًا.

هذا التكتيك الذي رسمته «حركة النهضة» أصبح مهددًا في ضوء ترشح وزير الدفاع الحالي عبدالكريم الزبيدي للانتخابات الرئاسية، خصوصًا أن هذا الرجل يحظى بشعبية ومصداقية كبيرة، وهذا الوضع مربك لحركة النهضة لأن وجود الزبيدي في قصر قرطاج لن يسهل مهمتها في ضمان نصيب الأسد من الحكم.

‭{‬ كاتبة من فلسطين 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news