العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

سياسات ترامب وتأثيرها على استقرار النظام الدولي

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

منذ قرابة القرن، تنتهج الولايات المتحدة الأمريكية نهجًا ثابتًا فيما يتعلق بعلاقاتها على الصعيد الخارجي، يتلخص في استخدام أنماط القوة المختلفة لتفعيل الديمقراطية والحرية وتعزيز السلام حول العالم. وعلى الرغم من إخفاق رؤسائها أحيانًا في القيام بذلك، واتخاذهم إجراءات تتعارض مع هذه الأهداف؛ كالحروب في فيتنام والعراق وأفغانستان ودعم الدكتاتوريين في وسط وجنوب أمريكا، وآسيا؛ فإن الإطار العام لسياستها يظل هو السعي نحو اتباع دبلوماسية ناجحة فاعلة من خلال الالتزام بتنفيذ القوانين والمعاهدات الدولية.

وعلى النقيض، حاد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب عن هذه المعايير، وعمل جاهدًا منذ توليه الرئاسة في يناير 2017. على تقويض مكانة أمريكا كقوة ليبرالية عالمية، ودفعته آيديولوجيته وشخصيته المتقلبة إلى انتهاج أهداف عدائية؛ إذ عمد إلى التنصل من المنظمات الدولية، ومهاجمة حلفاء واشنطن، ودعم الحكام الشعبويين وتأجيج النزاعات، بل وخلق توترات جديدة قد تقود إلى حروب دامية في كافة أرجاء العالم؛ يتمثل أهمها في: عودة صراع القوى العظمى بين أمريكا وروسيا والصين، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي والأمن الإقليمي، وتقويض عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين، وتصعيد التوتر مع إيران، وبين الهند وباكستان، فضلا عن مهاجمته للاتحاد الأوروبي؛ ورفضه إعادة التفاوض على معاهدات الحد من الأسلحة مثل معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، والتي تنتهي في 2021. وهي الأمور التي أدت إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في العالم.

وبالنظر إلى سجل ترامب في البيت الأبيض حتى الآن، نجد أنه تسبب في خلق توترات وصراعات عالمية جديدة أو تفاقمها على نحو لم يسبقه فيه أي رئيس آخر، حيث شجع الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها الدول الشعبوية مثل المجر، وبولندا وإيطاليا. وفي أمريكا الجنوبية، كان له دور في تعزيز أزمة فنزويلا المستمرة، وتسبب في إحداث ذعر دولي بالحديث عن حشد قواته في كولومبيا؛ استعدادًا للإطاحة بحكومة «نيكولاس مادورو». وفي إفريقيا، يحاول تصعيد أزمة الصحراء الغربية. ويمكن القول أنه في السنوات الأخيرة، برز كتهديد رئيسي للأمن وسط النزاعات والخلافات التي تمتد تقريبًا في كل قارة على وجه الأرض. 

وعلى ذلك، أرجع «إليوت كوهين»، في مجلة «فورين أفيرز»، الأمريكية، تلك الأفعال إلى «عدم ثقة ترامب في حلفاء الولايات المتحدة، وازدراء المؤسسات الدولية، والنظام الليبرالي الذي حافظت عليه واشنطن منذ ما يقرب من ثمانية عقود»، وأُجري بناءً على ذلك، بحث حول السبب وراء هذا الأمر من قِبل عدد من الأكاديميين والمحللين، خلصوا فيه إلى وجود عاملين أساسيين لهذه المواقف غير المسبوقة؛ هما آيديولوجيته وشخصيته.

ومن ناحية الآيديولوجية، يرفع ترامب شعار «أمريكا أولاً». ويرى «شادي محمد»، من «معهد بروكينجز»، «أنه بناءً على هذه الأجندة حصرت أمريكا نطاق أولوياتها في مصالحها الاقتصادية والأمنية، متجاهلًة المعايير أو المؤسسات الدولية». وكان الرئيس الأمريكي قد صرح في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018. بأنه «يرفض آيديولوجية العولمة، ويتبنى العقيدة القومية».

ولعل أحد آثار هذه الرؤية العالمية التي تبناها هو قيامه بتشجيع هذا النوع من أسلوب الحكم في دول أخرى، حيث أصبح مصدر إلهام للشعبويين في جميع أنحاء العالم، مثل الرئيس الفلبيني، رودريجو دوتيرتي، والرئيس البرازيلي، جاير بولسونارو، ورئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان. وفي المقابل، ابتعد عن التعاون بأي شكل من الأشكال مع المجتمع الدولي والذي يعتقد أن من شأنه تقويض مصلحته القومية وتقوية شوكة دول أخرى. يقول «ستيفن ميتز»، من «معهد الدراسات الاستراتيجية»، بواشنطن: إن مبدأه «أمريكا أولاً» وملامح سياسته التي ترى الشراكات الأمنية كخدمات تتطلب أجرًا، وتجاهله السعي الجماعي نحو المصالح المشتركة؛ يجعل التعاون الدولي أمرًا صعبًا، إن لم يكن مستحيلا». وبشكل أكثر مباشرة، أدى تجاهله للمجتمع الدولي، إلى اتخاذ إدارته عددًا من قرارات السياسة الخارجية المزعزعة للاستقرار.

وربما يكون هذا الأمر أكثر وضوحًا في الشرق الأوسط، فيما يتعلق بقضايا إسرائيل وفلسطين، وإيران. ففيما يتعلق بإسرائيل، سعى إلى تنفيذ ما وصفه بـ«صفقة القرن»؛ التي تفرض ضم إسرائيل للضفة الغربية بشكل دائم، بدلاً من تنفيذ خيار حل الدولتين. واستعدادًا لتنفيذ الصفقة، اتخذ عددًا من الخطوات المثيرة للجدل، مثل: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ووقف الدعم لوكالة تشغيل وغوث اللاجئين «الأونروا»، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. وكما هو متوقع، أدى هذا إلى عدم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى أنه قد فاقم من حدة الصراع إلى أجل غير مسمى. وفي هذا الشأن، تجاهل كل من انتقد سياساته وقراراته؛ التي تنتهك حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، بما في ذلك أقرب حلفاء واشنطن. وبدلاً من ذلك، أكد أنه يخدم مصالح بلاده من خلال زيادة تقارب واشنطن مع إسرائيل. 

أما فيما يتعلق بالملف الإيراني، فقد اكتفى بانسحابه من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات صارمة على طهران. وفي هذا الصدد، يقول «بيا هيشر»، من «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، «سعى ترامب إلى زيادة الضغوط على الرغم من النداءات المتكررة من الأطراف الموقعة الأخرى على الاتفاق، بأنها ستؤدي إلى تصعيد الأعمال العدائية في الشرق الأوسط، ولقد ثبت صحة هذه التنبؤات في ضوء الاضطرابات والتوترات الأخيرة في الخليج، والتي تهدد بجلب الحرب إلى الشرق الأوسط».

وفيما يتعلق بشخصيته، فإن لديه عددا من الخصال غير المقبولة، بما في ذلك على سبيل المثال، «التهور، الغرور، الافتقار إلى الدبلوماسية والخبرة السياسية، غريب الأطوار، يفتقد للحماس». يقول «إليوت كوهين»، «يبدو أن ترامب ليس لديه إدراك لكيفية إدارة الحكومة الفيدرالية». ومن الأفضل وصفه على أنه رجل استعراض ويعتقد بنفسه أنه كرئيس يتمتع بقدرات عالية رغم عدم وجود أي خبرة سياسية سابقة له». وفي هذا الصدد، يقول «إريك لوتز»، في مجلة «فانيتي فير»، الأمريكية إن: «ترامب تولى منصبه دون أي خبرة سياسية أو عسكرية سابقة».

ولعل الطبيعة المتقلبة لشخصية الرئيس الأمريكي، هي التي تملي عليه كيفية ممارسته للسياسة. يشير «ماسون ريتشي»، من «معهد أبحاث السياسة الخارجية»، الأمريكي، إلى «أن ترامب ليس لديه سياسة خارجية. ويمكن القول إنه يتسم بالمزاجية فيما يتعلق بالشؤون الخارجية، وحينما تكون هذه الصفة لرجل ليس لديه خبرة في الشؤون الدبلوماسية أو حتى في المجالات السياسية، فغالبًا ما يكون لذلك آثار خطيرة قد لا يحمد عقباها». بدليل أنه في بداية تعامله مع كوريا الشمالية حاول اتباع أسلوبه الشخصي محاولا إجبار «بيونج يانج» على الخضوع والاستسلام، كما في حالة إيران، من خلال العزلة الدبلوماسية والعقوبات والتهديد بالحرب، فوقعت حالة من عدم الاستقرار.. لكن في النهاية هدأت المفاوضات الثنائية بين البلدين، التوترات، حيث عقدت القمة الأولى في سنغافورة عام 2018. ثم تلتها قمة هانوي في 2019. ونجح الرئيس، «كيم يونج أون» في استغلال أسلوب ترامب؛ ففي الاجتماعات التي جمعتهما، قام بمدحه والثناء عليه، وأصبح الرئيس الأمريكي معميًا عن تجاوزات كوريا الشمالية فيما يتعلق باختبارها صواريخ باليستية عابرة للقارات قصيرة المدى. يوضح «مايكل هيرش»، في مجلة «فورين بوليسي»، الأمريكية، أن «ترامب جعل القضية بين واشنطن وبيونج يانج قضية شخصية بالكامل تستند إلى علاقته الحميمة مع كيم».

على العموم، إن التفاعل بين شخصية الرئيس دونالد ترامب، وآيديولوجيته لا يُنذر باحتمالية تهدئة الصراعات والتوترات، إذ حتى الآن جعل العديد من الأزمات على الصعيدين الإقليمي والعالمي تتصاعد، فالأنا وشخصيته هما من يملي عليه أفعاله. وفي الماضي كان العالم يتطلع إلى الرؤساء الأمريكيين لتحقيق الاستقرار في الأزمات الناشئة، ولكنه يسعى الآن إلى تجنب ترامب ونهجه غير المدروس والمضر للسياسة الخارجية، بعد أن جعل من العالم في خلال عامين، مكانًا أكثر خطورة وعدم استقرارًا وتقلبًا. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news