العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قراءة في رؤية جلالة الملك بشأن حماية أمن الملاحة البحرية

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ٢٢ ٢٠١٩ - 01:00

في ظل تنامي التهديدات التي تواجه الإنسان المعاصر وتعدد مصادرها، يصبح التفكير الاستباقي الجاد لحفظ أمن الدول والأفراد ضرورة تستلزم البحث العميق والدراسة الواسعة، بدءا من إجراء المقاربات الفكرية، وانتهاء بالسياسات التنفيذية التي تؤسس لبناء قاعدة رصينة للأمن بمختلف أنماطه، وحيث إن مملكة البحرين جزيرة وسط الخليج العربي، فإن هذا الموقع الاستراتيجي بقدر ما يمثل ميزة نسبية كبيرة الأهمية تتيح لها الانفتاح على العالم، وتيسر لها التبادل التجاري والنقل عبر البحر، وتوفر لها موارد غاية في الأهمية مصدرها البحر أو نتيجة إطلالتها عليه، فإنه يمثل لها أيضا مسؤولية إضافية وتحديا كبيرا ولا سيما في ظل تصاعد التهديدات البحرية وتنوعها كالقرصنة والتسلل والتهريب وتلويث مياه البحر وخطف السفن، والاعتداء على الموانئ وغيرها، في ظل عالم يموج بعدم الاستقرار والاضطراب الأمني والسياسي الذي يعرقل حركة الملاحة العالمية، ويهدد المصالح الاقتصادية للشعوب، أصبحت القدرة الدفاعية المتنامية والإمكانات الأمنية المتطورة ضرورة قصوى إن لم تكن حتمية تاريخية توجبها متطلبات إرساء الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة وتحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي المتواصل وأسبقية على أي شيء آخر، حتى يمكن القول إن الإنفاق على تسليح وتدريب قوة الدفاع يعد إنفاقا اقتصاديا تنمويا أساسيا، وليس إنفاقا استهلاكيا أو هدرا في الموارد الاقتصادية المحدودة كما قد يظن البعض، وهذا ما أدركته قيادة مملكة البحرين منذ وقت مبكر، بدءا من صدور أمر تأسيس قوة دفاع البحرين من قبل أمير البلاد الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في الخامس من فبراير عام 1968م. 

وقد كان لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى الدور الكبير في تطوير وتحديث قدراتها التسليحية والتدريبية والتأهيلية وتعزيز إمكاناتها التعبوية، وتعهد بعنايتها ورعايتها بحكمة واقتدار حتى أصبحت بحق الدرع الواقي والحصن الأمين للذود عن حياض الوطن وصون سيادته واستقراره، وحماية منجزاته الحضارية ومكتسباته التنموية الكبيرة، وأصبح ما بلغته من مكانة مصدر فخر للشعب والوطن. 

 وان هذا الاهتمام بقوة الدفاع بمختلف صنوفها البرية والبحرية والجوية والحرص على ديناميكيتها ليس مرده طموحات توسعية وأهداف عدوانية كما هو حاصل في دول عديدة من العالم، فالبحرين ليس لديها طموحات وأطماع تدفعها نحو بناء الجيش والأساطيل والترسانات العسكرية من اجل العدوان على جيرانها، بل من أجل الدفاع عن امن شعبها وثوابت وطنها ومرتكزات نهضته المعاصرة، الذي تحاول دول ومنظمات اختراقه للإطاحة بما حققته من استقرار وامن وتنمية، وحيث تشهد منطقة الخليج العربي موجة جديدة من التهديد للأمن البحري تتضح قيمة تلك الجهود الكبيرة التي بذلتها قيادة البلاد، والأموال التي أنفقت لتجهيز وتسليح قواتنا البحرية، وتدريبها لمواجهة مختلف الظروف والتهديدات، بحيث أصبحت بحق قوة ذات كفاءة متعددة المهارات والتخصصات، قادرة بعون الله وتوفيقه على تأمين الممرات المؤدية من وإلى موانئها، وحماية خطوط المواصلات البحرية من الأعمال العدوانية، وحماية سواحلها ومناطقها الصناعية واللوجستية البحرية، وتأمين موانئها التجارية، والمشاركة الفعالة في الأمن البحري لدول الخليج العربي بالتعاون مع أشقائها قوات دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وفي إطار الاستراتيجية الخليجية للأمن البحري، التي بدأت بتأسيس قوات درع الجزيرة سـنة 1982م، ثم تلاها إنشاء منظومة القيادة والسيطرة الموحدة، وإنشاء القيادة العسكرية الموحدة، وافتتاح مركز العمليات البحرية الموحد 2016م، وإنشاء قوة الواجب البحري «81»، وتفعيل مركز العمليات الجوي والدفاع الجوي الموحد، فضلا عن التعاون المثمر مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة باعتبار أن تهديدات حركة الملاحة العالمية في الخليج العربي وبحر عمان والبحر الأحمر، ليس خطرا يواجه البحرين أو أية دولة من دول مجلس التعاون، بل انه خطر على الاقتصاد والاستقرار العالمي، وقد أكد صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى على هذه المفاهيم في زيارته الميمونة إلى سلاح البحرية الملكي البحريني ومقر وحدة الإسناد البحري الأمريكي في يوم الاثنين التاسع عشر من أغسطس الجاري بالقول «نتحمل جميعًا مسؤولية حماية الملاحة البحرية من منطلق واجبنا تجاه استقرار المنطقة والعالم ككل»، بعد أن أشاد بدور رجال سلاح البحرية الملكي وقوة الدفاع في الدفاع عن الوطن وتعزيز أمنه وصون مكتسباته مقدرًا جلالته ما يبذله قائد ومنتسبو سلاح البحرية الملكي البحريني من جهود مثمرة للارتقاء بإمكاناتهم واستعدادهم لمواجهة مختلف التحديات. 

وفي مستهل كلمته السامية رحب جلالة الملك بضيوف البحرين قائلا «نرحب بضيوفنا الأفاضل، بسعادة سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى مملكة البحرين، وقائد القوات البحرية بالقيادة المركزية الأمريكية قائد الأسطول الخامس قائد القوات البحرية المشتركة، وقائد العنصر البحري للقوات البحرية الملكية البريطانية نائب قائد القوات البحرية المشتركة. كما نرحب بأشقائنا من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فهم اليوم كأبناء البحرين في دارهم، ونقدّر لقادتهم وشعوبهم ما يخصون به بلادنا من محبة ومساندة لا تنقطع، في كافة الظروف والأوقات». وذلك تعبيرا عن الوفاء والشعور بالعرفان لمواقف التعاون والإسناد والدعم التي أبدتها تلكم الدول لمملكة البحرين، وما كان ذلك ليتحقق لولا السياسات الذكية والرؤية العميقة لقيادة مملكة البحرين التي تؤمن بأهمية التعاون الإقليمي والدولي ولا سيما في مجال الأمن البحري انطلاقا من الارتباط العضوي بين الأمن البحري الوطني والإقليمي والعالمي. 

وفي ذلك قال جلالة الملك المفدى «يأتي ما نشهده من نجاح متواصل لمبادرات التنسيق والتعاون بيننا، ليؤكد سلامة توجهاتنا الأمنية والدفاعية، وكأمر يبعث على الارتياح والاعتزاز بما تقوم به قواتنا معًا من دور محوري وبنّاء في تعزيز أمننا والدفاع عن مصالحنا، ومن أهمها واجب الحفاظ على سلامة الملاحة البحرية، وتأمين الممرات الدولية للتجارة والطاقة»، وهذه مهام دولية عابرة للحدود الوطنية والإقليمية، نفعها يعود للعالم أجمع، والتقصير فيها ضرره يصيب الإنسانية في مقتل، إضافة إلى أن التعاون الدفاعي الدولي يقود إلى بناء القدرات البحرية الديناميكية، التي تعد ضرورة قصوى لدول مجلس التعاون الخليجي حيث تواجه تهديدات العدوان المسلح، والقرصنة والإرهاب بكل أنماطه، فضلا عن التخريب المبرمج لمنشآتها الاقتصادية البحرية، والتهريب والتسلل، وغيره من مهددات الأمن البحري، مما يتطلب ضرورة امتلاكها مهارات وقدرات خاصة للمواجهة والتصدي وتعزيز الأمن البحري للمنطقة التي هي مفتاح العالم للتجارة والطاقة والاستثمار. علاوة على أن مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في دعم الأمن البحري لدول مجلس التعاون الخليجي، أمر يستوجبه الوفاء للعلاقات التاريخية والاقتصادية بين هاتين الدولتين ودول المجلس، وأوضح ذلك جلالة الملك المفدى بتوجيه الكلام إلى ممثلي الدولتين الصديقتين بالقول «فإننا نجد في التزامكم بأمن المنطقة والحرص على العمل المشترك مع دولها، بمثابة المرتكز الأساسي في مسيرة علاقاتنا الوثيقة، التي نعمل من خلالها على تكثيف أوجه التعاون والتنسيق، والتشاور المستمر حول تطوير استراتيجيات العمل في ظل التحديات والتهديدات التي تحيط بالمنطقة وتمس أمنها»، وفي ذلك وضع جلالته وبذكاء وحنكة سياسية مميزة النقاط على الحروف، حيث إن التزام الولايات المتحدة وبريطانيا بأمن المنطقة ليس منحة، ولا فضلا على دولها، بل انه واجب، تفرضه العلاقات والمصالح المشتركة بينهما. فمثلما تستضيف دول المجلس قواعد بحرية وتقدم تسهيلات لوجستية، وهي شريك اقتصادي مع هاتين الدولتين، لا بد أن يكون ثمن ذلك التعاون والشراكة، تدريب وتأهيل ودعم قوات دول المجلس، والشراكة في حفظ أمنها واستقرارها الوطني والإقليمي تجاه العدوان والتهديدات الخارجية، لا سيما أن أمنها هو امن للاقتصاد والملاحة العالمية. حفظ الله سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة المفدى صماما للأمن والاستقرار والأمان، وحفظ الله البحرين خليفية خليجية عربية مسلمة.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news