العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

اتجاهات التحول في سياسات الدول العربية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٢٠ ٢٠١٩ - 01:00

صدر عن دار النشر البريطانية، “Hurst Publishe “، مؤخرا، كتاب بعنوان «من داخل الدولة العربية»، لمؤلفه «مهران كامرافا»، الذي استطاع من خلاله التركيز على الديناميات المتغيرة بين الدولة والمجتمع في منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الاضطرابات التي حدثت في العقد الماضي، ورصد وتحليل طبيعة التغيرات الناجمة بعد انتفاضات ما سُمي الربيع العربي، كأساس مرجعي لنمو السياسات غير المستقرة في المنطقة، وذلك من خلال مزج الأحداث التاريخية بالتأكيدات النظرية، ومقارنة تجربة دول الخليج ومعاصريهم في بلاد الشام وشمال إفريقيا. 

وعلى خلاف العديد من نظرائه، اعتمد الكاتب فيما تناول طرحه على «كيان الدولة»، في حين يزداد عدد الأكاديميين المعاصرين الذين يعلنون فشل استخدام الدولة القومية كإطار لتشكيل التنظيمات السياسية، ومنهم «أريل أهرام»، و«إيلين لوست» في دراستهما، «انحدار وسقوط الدولة العربية» عام 2016، حيث يؤكدان أنه «يتم استنزاف السلطة السيادية بشكل متزايد في الدول التي لديها وفرة من الممثلين السياسيين الجدد»، وغالبها يأخذ طابع الجماعات المدعومة بالأيديولوجيات، بدءًا من الإسلاميين مثل تنظيمي (داعش) و(القاعدة)، إلى القوميين مثل (حزب العمال الكردستاني)، والقوات الأوسع نطاقا، كما في حالة (حزب الله اللبناني)، حيث تقوض مثل هذه الجماعات مبدأ السيادة الإقليمية التي تدعم شرعية الدولة.

وعلى الرغم من أن «كامرافا» يعترف بأهمية هذه العملية وانتشارها في المنطقة، فإنه يؤكد أن الدول، رغم التحديات التي تواجهها، «تظل أهم العناصر الفاعلة في الشرق الأوسط»، وهو ما أكده في الجزء التمهيدي بقوله: «ليست الدول على وشك الاختفاء أو التبدد في أي وقت قريب على الرغم من الافتراضات الليبرالية الجديدة حول نهاية التاريخ وعواقب العولمة». 

استهل «كامرافا» بالفصل الأول، «دراسة السياسات العربية؛ الذي ركز فيه على تقديم مراجعة نظرية وشاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع    -والتي يصفها بأنها «جوهر السياسة» في الشرق الأوسط- على أنها عملية تاريخية وحالية، مقدما 3 سياقات واسعة هي 1. كيفية وضع تصور للدول من حيث كيفية إدارتها شؤون حكمها، 2. كيف يمكن أن تتغير ملامح هذه الإدارة، 3. ما المتغيرات التي تملي نتائج التغييرات التي تطرأ على العلاقات بين الدولة والمجتمع. وانطلاقًا من الاستناد إلى دراسة العديد من النظريات حول تشكيل الدولة والسيادة والسيطرة، يجادل «كامرافا» بأن جميع الدول تحكم بالإجماع من خلال الجمع بين اثنين من الأدوات السياسية: إما الإكراه الفعلي، الذي يضمن الاحتفاظ بالسلطة بالقوة، وإما التهديد باستخدام القوة من خلال مؤسسات مثل الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والشرطة، مؤكدا أن الدولة الناجحة هي التي تستطيع أن توازن بين توظيف تلك الأدوات لضمان تحقيق الأمن والاستقرار. 

ومع ذلك، يمكن تغيير إحكام الدولة لقبضتها في حالات محددة، كما وصفها «كامرافا» بـ«المنعطفات الحرجة»، وأهمها التأثيرات الاقتصادية والثقافية والإيديولوجية والتنظيمية. ويمكن أن تنشأ الظروف الخاصة بمرور أي مرحلة حرجة من اكتساب أو فقد المؤسسات الوطنية الاستقلال الذاتي إلى حد يغير جوهريًا قوة الدولة مثل الحكم الذاتي المتزايد للجيش في العديد من الدول والذي أدى إلى حدوث الانقلابات في الماضي. وفي المقابل، فإن هناك تغييرا أيديولوجيا خارجيا قويا، يتمثل في انخفاض شعبية مفهوم العروبة في فترة السبعينيات والثمانينيات.

ولفهم العمليات الطويلة الأمد التي تغير ديناميكية العلاقات بين الدولة والمجتمع، يعرض «كامرافا» لثورات ما سُمي الربيع العربي، كنموذج على ذلك. فمنذ أواخر عام 2010 فصاعدا كانت الاحتجاجات بمثابة منعطف شهد الصراع المباشر بين الدولة والمجتمع، مع وجود عوامل تحول داخلية وخارجية قابلة للتغيير خلال الصراع، سواء كانت تاريخية أو سياسية أو أيديولوجية أو اقتصادية، والتي تفاعلت سويا لتخلق النتيجة.. لماذا نجت بعض الدول من الربيع العربي، ولماذا حدثت بعض التغييرات في النظام، ولماذا دخل البعض في حروب أهلية؟

 ومن أجل تعزيز هذه النظرية، استخدم «كامرافا» الفصل الثاني «الدول والمؤسسات والضمور السياسي»؛ لوضع تصنيف لشكل وتطور وآثار تلك العلاقات في جميع أنحاء بلاد الشام وشمال إفريقيا، كدليل على وجودها في الشرق الأوسط في فترة ما بعد الاستعمار. فمن خلال دراسة الدول الرئيسية؛ مثل مصر والعراق وليبيا وسوريا، يلاحظ أن جميعها تطورت بصورة مماثلة، من خلال ما سمي «الشراكة الشعبوية». فخلال فترة التحرر الوطني كان لدى هذه الدول القدرة على صنع مؤسساتها الخاصة، ووضع عقد اجتماعي. فيما قامت باستخدام برامج أيديولوجية معينة شائعة مثل: (الوطنية والعروبة والعلمانية وعدم الانحياز والقومية).

لكن، بعد أن واجه العرب الهزيمة في حربين مع إسرائيل، وتلاشى الدعم المجتمعي للعروبة كأيديولوجية، وحدثت بعض الاضطرابات الاجتماعية، بدأت بعض الأنظمة تعتمد أكثر على القوة من أجل الاحتفاظ بالسلطة، الأمر الذي تُوج في النهاية بما سُمي الربيع العربي، الذي أصبح من خلاله تغيير بعض السياسات ممكنا.

ويبحث «كامرافا» هذه الحجة في الفصل الثالث، «تحدي الدولة» وشكلها بعد عام 2011، وكيف تغيرت العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأشكال المقاومة المتعددة التي واجهتها الدول، وأدت إما إلى تغيير النظام بالكامل كما هو الحال في تونس، وإما الحرب الأهلية كما في اليمن أو بقاء الدولة سليمة كما في المغرب والأردن ومصر. ويأتي الفصل الرابع، «الأطر الجديدة، الأنماط القديمة»، ليُقدم نظرة ثاقبة اعتمادًا على الحُجة الرئيسية للكتاب: كيف تغيرت الدول العربية، أو لم تتغير، منذ المنعطف الحرج للربيع العربي؟ باختصار، يقول المؤلف إن النخبة والتضامن والوحدة المؤسسية والتماسك الاجتماعي والانشقاقات والتدخل الأجنبي والوكالة، كل تلك المتغيرات أثرت على نتائج تلك الانتفاضات. وتماشيا مع الإجماع الأوسع في الأوساط الأكاديمية، يرى «كامرافا» أن دولة مثل تونس قد خرجت من الانتفاضات كدولة مُتغيرة جوهريًا، نظرًا لانتقالها إلى إطار ديمُقراطي للحكم. في المقابل، اختفى دور الدولة في كل من اليمن وليبيا، وأضحت السلطة بدلا من ذلك تنتمي بشكل كامل تقريبا إلى جماعات، إما مُتمردة تابعة للحكومة أو المتمردين. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن الانتفاضات العربية التي بدأت في عام 2011، «لم تكن أكثر من مجرد حركات اجتماعية فاشلة، أخفقت في تغيير التوقعات حول علاقة المُجتمع بالدولة». 

وعليه، يستكشف «كامرافا» في الفصل الخامس، «النزاع على الأرض»، سبب حدوث ذلك في شمال إفريقيا والشام، ويقدم تصنيفا لأسباب هذا الاختلاف بين الدولة والمجتمع في فهمهم للإطار الاجتماعي، حيث أولاً: أطلق الربيع العربي تحولاً في الفهم الشعبي للمواطنة على المستوى المجتمعي، وهو ما «يشكل واحدة من أكثر الأزمات الأساسية للحكومات المعاصرة في العالم العربي». وقد فشلت العديد من الدول في الاستجابة لهذا التحول من خلال الاستمرار في إعطاء الأولوية لمُواطنين معينين، وتفضيل طبقات سياسية بعينها. ثانيا: شرعية الدولة. حيث تستمد الدول شرعيتها، أو الدعم الحقيقي والتوافقي لحُكمها، من مجموعة من الأدوات غير القسرية، بما في ذلك الأيديولوجية والهوية وفعالية النظام الحاكم. ثالثا: صعود الإسلام كقوة مجتمعية وسياسية، حيث أدت مقاومة شرعية الإسلام كفاعل اجتماعي وسياسي إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. 

وتتعارض هذه النظريات بشكل كبير مع نظريات الدول العربية الأخرى الموجودة في شبه الجزيرة العربية، وهو ما يتناوله الفصل السادس، «السياسات التكيفية في شبه الجزيرة العربية» والذي يعتبر أكثر الفصول إثارة للاهتمام، وفيه يستكشف «كامرافا» كيفية خروج هذه الدول -باستثناء اليمن- بسلام من منعطف ما سُمي الربيع العربي. وعند قيامه بذلك، فإنه يقوم بتحقيق سلسلة من النظريات يطلق عليها «استثنائية الخليج» من قبل أكاديميين مثل «مارك لينش» من «مدرسة إليوت للشئون الدولية»، تستخدم لشرح كيف ظلت الدول الخليجية قوية ومزدهرة ومستقرة على مدار تاريخهم بعد الاستعمار. وبناءً عليه، يقدم عرضًا شاملاً لعلم الأنساب في هذه الدول، لأنه يمثل «الاختلافات في أنماط بناء الدولة الذي يفصل بين الدول في شبه الجزيرة العربية ونظائرها في أماكن أخرى من العالم العربي».

ويبحث «كامرافا» هذه الحجة من خلال إشارته إلى الروابط التي تجمع الدول الخليجية، واشتراكهم في ماضٍ وحاضر مماثل، بعد أن تطورت من قبائل وعائلات إلى دول ملكيّة حديثة، احتفظت بعدد صغير من السكان ورابطًا مشتركًا هو الإسلام. الأمر الذي جعلها تنجح في تجاوز الأزمات التي مرت بها جمهوريات بلاد الشام وشمال إفريقيا، فضلا عن الشرعية التي منحها المواطنون للدولة، والارتباط الأيديولوجي الذي يتم توفيره من خلال الروابط الأسرية، والتقدير المشترك للدور الاجتماعي والسياسي للقبيلة باعتبارها «علامة هوية وطنية».

ولعل هذه الروابط الوثيقة بين المواطن والدولة الموجودة في الخليج؛ كانت هي الإيراد الأكبر الذي استخلصته هذه الدول من إنتاج وبيع الموارد الطبيعية. فعلى عكس الدول الغنية بالنفط مثل ليبيا والعراق، نجحت دول الخليج في منع ظهور الضمور في العقد الاجتماعي من خلال استثمار الأموال الآتية من بيع النفط في مبادرات اقتصادية مربحة وعملية، سمحت لمواطنيها بالتمتع بترف العيش بدرجة تفوق بكثير نظيرتها في الدول العربية التي واجهت الثورات في عام 2011. وهذا المزيج من الشرعية المستديمة والتنمية الاقتصادية هو ما أبعدها عن أي تطورات داخلية أو خارجية تتراكم لتشكل منعطفًا حرجًا.

ومع ذلك، يشير «كامرافا» إلى أن هناك منعطفًا بدا في عام 2014 مع انهيار أسعار النفط، التي هددت بتعجيل عدم اليقين الاقتصادي والضغط المالي على دول الخليج. غير أن عددا من العوامل الرئيسية قد ساعد في عدم تطور الأمور، ومنها قيام القادة السياسيون بتعديلات مؤسسية لمعالجة تراجع قوة الدولة، الأمر الذي أثبت أنه الخطوة الأكثر أهمية في تعويض الضرر الاقتصادي المترتب على الركود. وتحقق ذلك من خلال الحوار مع المواطنين، الذين تم طمأنتهم بأنهم بمنأى عن الأزمة؛ نظرا للاحتياطيات الأجنبية الضخمة ومخزون الموارد الطبيعية الكبير، فضلا عن عامل آخر مهم، وهو تعاون مؤسسات الدولة، التي لم تمنع حكوماتها من اتخاذ إجراءات غير مسبوقة لوقف الأزمة، مثل الحد من الدعم، وتقديم ضريبة القيمة المضافة وتقليص القطاع العام.

على العموم، نجح «كامرافا»، في تقديم أدلة متعددة حول كيفية حكم الدول؛ وكيف يمكن للفترات الحرجة أن تُغير من تركيبتها، مُقدمًا بذلك دليلاً مُقنعا على ما يجب أن تأخذ به الدول إن أرادت أن تنأى بنفسها عن المُنعطفات الحرجة، وما ينطوي عليه من عدم استقرار، هو الشرعية والقوة والحاجة إلى عقد اجتماعي متين بين المواطن والدولة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news