العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أوروبا وأمن الملاحة في الخليج العربي: ملاحظات أساسية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٩ ٢٠١٩ - 01:00

كان- ولايزال- أمن الملاحة البحرية في الخليج العربي الموضوع الرئيسي الذي يستحوذ على جل اهتمامات ليس فقط القوى الكبرى في العالم بل دول الخليج العربي لأسباب عديدة ليس أقلها أنه يعد نموذجًا لانتهاء الحدود الفاصلة بين مفهومي الأمن الإقليمي والأمن العالمي، فضلاً عن ازدياد الاعتماد على البحار عمومًا بما تحتويه من ممرات حيوية ذات أهمية استراتيجية للتجارة العالمية.

إلا أن المفارقة تكمن - كغيرها من القضايا الخلافية بين الجانب الأمريكي ونظيره الأوروبي- أنه بالرغم من وجود اتفاق وإجماع على أن تهديد الملاحة البحرية في الخليج العربي يعد تهديدًا للمصالح الدولية فإن ذلك الإجماع لا ينسحب بالضرورة على آليات المواجهة، فعلى الرغم من دعوة الولايات المتحدة للعديد من الدول لتأسيس تحالف دولي لتأمين الملاحة البحرية في الخليج فإن الدول الأوروبية لا تزال متباينة إزاء تلك الدعوة وضمن هذا السياق سوف يبحث وزراء خارجية ودفاع دول الاتحاد الأوروبي ما قيل إنه «مهمة بحرية أوروبية لحماية الملاحة في مضيق هرمز» وذلك خلال اجتماعهم خلال شهر أغسطس الجاري، وفي الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا الانضمام للتحالف الأمريكي من خلال إرسال ثالث سفينة بريطانية لحماية الملاحة في مضيق هرمز والخليج العربي كان هناك رفض ألماني وتحفظ فرنسي إزاء المقترح الأمريكي، ويجد الموقف الأوروبي تفسيره في خمس نقاط:

أولاً: بالرغم من أهمية طرق الملاحة البحرية للدول الأوروبية عمومًا ومضيق هرمز على نحو خاص الذي يشهد مرور 14 ناقلة يوميًا تقدر قيمة ما تحمله من نفط خام بحوالي 1.3 مليار دولار فإن الدول الأوروبية لا تزال تتردد في مواجهة التهديدات الإيرانية بشكل مباشر أو بالأحرى ترغب في تحقيق مفهوم الردع دون الدخول في مواجهة مباشرة، حيث تكمن معضلة الدول الأوروبية في كيفية التوفيق بين التزاماتها بشأن تلك القوة البحرية المقترحة وفي الوقت ذاته دعم بقاء إيران في الاتفاق النووي.

ثانيًا: ترغب الدول الأوروبية في تأسيس قوة بحرية أوروبية ذات أهداف ووسائل محددة لحماية الملاحة البحرية، بالإضافة إلى الأساس القانوني لتلك القوة والتي ربما تحتاج الى قرار أممي على غرار القرارات الأممية لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن والتي بموجبها شارك الاتحاد الأوروبي بل وحلف الناتو وللمرة الأولى في تلك المهمة البحرية. 

ثالثًا: التباين في الرؤى داخل الاتحاد الأوروبي ذاته ليس فقط بشأن طبيعة تلك القوة ومهامها بل مسألة القيادة، فضلاً عن طبيعة المهمة ذاتها والتي ترى الدول الأوروبية أنها يجب ألا تكون عسكرية، وهو ما عبر عنه صراحة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان والذي دعا إلى «التفكير بمنطق أمن مشترك في الخليج بطريقة دبلوماسية»، وهو مضمون لا يختلف كثيرًا مع المبادرة الأمريكية ذاتها والتي لا تعد على غرار التحالف الدولي لمحاربة داعش بل ترتكز على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز أنظمة المراقبة والوجود الدولي من أجل ردع أي تهديدات قد تواجه مرور السفن في مضيق هرمز.

رابعًا: على الرغم من تأكيد مارك أسبر وزير الدفاع الأمريكي أن المبادرة الأوروبية لضمان أمن الملاحة تعد مكملة للجهود الأمريكية فإن الدول الأوروبية لطالما تسعى لتأكيد هوية الاتحاد الأوروبي والعمل بشكل مستقل نسبيًا عن الولايات المتحدة على الرغم من أن معظم الدول الأوروبية هي في الوقت ذاته أعضاء في حلف الناتو الذي تسهم الولايات المتحدة بنصيب كبير في ميزانيته.

خامسًا: ربما ترى بعض دول الاتحاد الأوروبي ومنها فرنسا أن دعم القوات البحرية الذاتية لدول الخليج يعد الخيار الأفضل لحماية الملاحة البحرية وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى تدشين أول زورقين من جانب شركة فرنسية متخصصة في صناعة الزوارق بالمملكة العربية السعودية وذلك ضمن 39 زورقًا تم الاتفاق عليها بين الجانبين، ومما يكسب تلك الزوارق أهمية كونها تتسم بسرعة فائقة ومخصصة لحراسة الشواطئ حيث تصل سرعتها إلى حوالي 93 كم في الساعة مما يكسبها أهمية بالغة في ظل تهديد الملاحة البحرية في الوقت الراهن. 

وبعيدًا عن تلك التفسيرات فإن الأمر الثابت هو أن الاتحاد الأوروبي لديه خبرات متميزة بشأن حماية الأمن البحري ابتداءً بالعملية البحرية المعروفة باسم «صوفيا» التي اضطلع بها الاتحاد الأوروبي واستهدفت مكافحة تهريب البشر قبالة السواحل الليبية من خلال تدريب قوات خفر السواحل الليبية في مواقع مختلفة من البحر المتوسط ومرورًا بمشاركة الاتحاد الأوروبي في الجهود الدولية لمكافحة القرصنة في منطقة القرن الإفريقي منذ عام 2008 وحتى الآن فيما عرف «بمهمة أتلانتا» وانتهاء بقرار الاتحاد الأوروبي تأسيس قوة للرد السريع في ديسمبر 2016 للعمل خارج الأراضي الأوروبية وذلك للمرة الأولى, تلك الخطوات التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على قدرة الاتحاد الأوروبي على الاضطلاع بدور مهم في حماية الملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي.

وبغض النظر عن التباين الأمريكي- الأوروبي بشأن حماية الملاحة البحرية في الخليج العربي- والذي لم يكن الأول من نوعه- فقد سبق لبعض الدول الأوروبية إبداء اعتراضات وتحفظات على التحالفات التي أسستها الولايات المتحدة من قبل وهي الحرب ضد الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 والتحالف الدولي لتحرير العراق عام 1991 ثم التحالف الدولي لمحاربة داعش، بالإضافة إلى التحفظات بشأن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي «ميسا»، فإن الأمر الثابت هو أن تهديد الملاحة البحرية يعد خطًا أحمر سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي على حد سواء ويجد ذلك تأييده في عدد من السوابق وهي حماية الدول الغربية لناقلات النفط الخليجية إبان الحرب العراقية-الإيرانية، ومشاركة بعض الدول الأوروبية في التحالف الدولي لتحرير الكويت - رغم الاعتراضات-.

ويعني ما سبق أن الدول الأوروبية لا تعارض من حيث المبدأ حماية الملاحة البحرية التي تعد مسألة استراتيجية لها إلا أن ذلك ربما يتطلب المزيد من النقاش حول أفضل الخيارات بهذا الشأن وعما إذا كان ذلك يجب أن يكون جزءًا من الجهد الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أم يجب أن يكون جهدًا أوروبيًا يتكامل مع نظيره الأمريكي؟

والأهم من ذلك إيجاد إجابات عن أسئلة بعينها منها: من يقود تلك الجهود وهدفها ومرجعيتها؟ وهي قضايا ربما تتضح خلال المناقشات المستقبلية للدول الأوروبية التي لها مصلحة أكيدة في تأمين الملاحة البحرية في منطقة الخليج العربي.

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news