العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التعصب الفكري ومخاطرة

بقلم: د. سعد الله المحمدي

الأحد ١٨ ٢٠١٩ - 01:00

الاعتدالُ لجامٌ ذَهبي ونهْجٌ أفضل كمَا يقولُ المَثل، والتّعصبُ مشكلةٌ اجتماعية وظاهرةٌ نفسِيّة، وداءٌ مخيفٌ ومرضٌ عُضال، يَختلفُ منْ شخصٍ إلى آخر ومنْ بيئةٍ إلى ثانيةٍ ومنْ مجتمع إلى مجتمعٍ، كما تتعدّد صُوره وأساليبُه ودوافعُه ومظاهرُه في العالم.

ومن أخطر أنواعِ التّعصب هُو التّعصبُ الفكري المنْتشرُ في العالم الإسلامي للأسفِ الشديد والناتج عن قناعاتٍ مُغْلقة وأفق ضيّقة؛ حيثُ تجدُ البعضَ يدّعي العِلْم والثقافة والمعْرفة والأدبَ، ويزْعمُ أنّه حازَ شرفَ الاطلاع على تُراثِ الأوّلين وكُتب الآخرين، ولكنْ تكتشفُ خلال المناقشةِ والحِوارِ، وتبادُلِ وجْهاتِ النّظرِ وبَحْثِ الآراء، أنّه يُضْفي على أقوالهِ وكلماته صِبغةَ الدين وهَالَة القَداسة، كما تُحسّ في حديثه نبرةَ الاستِعْلاء، وعدَمِ الإصْغاءِ، ومحاولة فرض الرأي على الآخرين وتصْنيفهمْ بكلِّ سهولة، وربّما كانَ موضوع المناقشةِ مسألة فقهيّة أو اجتهاديّة اختلفَ فيْها أهلُ العلم منْ قديم الزّمان لعدمِ وُجودِ نصٍّ ثابتٍ فيها، أو موضوعا اختلفَ فيْه الأقرانُ من العلماءِ على أساسِ الفَهْمِ والتأويل أو التنافس، لكنّ المتعصّب كبّره وجَعلهُ سبيلا لأهدافه الشّخصيّة ومطيّةً للحسدِ والبَغْضاء وسببًا للتنافر والعداوة والقدح والطّعن في الآخرينَ بأسلوبٍ يَغْلب عليه الجفاء والتّصحر والخشونة.

ولم أرَ إنسانا يرىَ عيبَ نفسه

 وإن كانَ لا يُخفى عليه جميلُ

ومن ذَا الذي ينجو من الناس سالما

 وللناس قالٌ بالظنونِ وقيلُ

وفي المقابل طرفٌ ثانٍ -وهم من المحسوبين على طلبة العلم وليسُوا من عامة الناس حتى يُعذروا بالجهل- يتركون القولَ الرّاجح المطابق للسُنّة النبوية؛ بحُجّةِ أن ذلك يُخالف مذهبهم الفِقهي، وبدعوى أنّهم يأخذون بقول إمامهم ويقلّدونه، إذ لم يكن ممّن تخفى عليه المسالك والأدلّة!! وأحيانا يصلُ بهم التطرّفُ الفكري إلى درجة التّشنيْع والهَمزِ واللمز والاتّهام لمن يتجاوز أقوال الأئمّة أو يتركها مقابل الدليل، زاعمين أنّ ترك ذلكِ خروجٌ عن الملّة والدين والعياذ بالله، قال الرصافي:

ماذا جرى بيني وبينك قبل ذا 

 مما يجرّ خصومةً وجدالا

حتى شَهرتَ عليَّ سيفك تبتغي 

 ضَربا يُقطِّع مِني الأوصالا

إن الأئمة الأعلام وبالأخصّ أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة رحمهم الله رحمة واسعة بريئون ممّا ألصِقَ بهمْ وما نُسب إليهم منْ الأقوال والآراء التي تُخالف النّصَ الصّريحَ، كما أنهم بريئون من أشكال التعصب الفكري، والتمذهب الضيق، والتقليد الأعمى، وتغليب الرأي على السنّة، فهم الداعون إلى الالتزام بالسنة والأخذ بالدليل وإنْ كان مخالفا لقوْلهم ومذْهبهم.

لا ترغبنّ عن الحديث وأهله

فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهار

التعصب ظاهرة منتشرة، ومردّ ذلك إلى قلّة العلم الذي هو أخطر من الجهل، وأشدّ ضررا منه، وقد جرّ بمختلف أشكاله وألوانه من التعصب للآراء، والأفكار، والشخصيات، واللون، والجنسية، والقومية، والعرق، واللغة، ويلات كبيرة ومصائب عظيمة على الأمة عبر التاريخ.

ويقعُ في داء التعصب غالبا قصار النّظر والفكر، والمتزمّتون والمتشدّدون، فيتفنّنون في التّصنيفِ والتّجريحِ وتقسيْمِ الناس وفْق تصوّراتٍ وأحكامٍ مُسبقة.

لكلّ داءٍ دواءٌ يُستطبّ به 

 إلا الحَماقة أعيتْ من يداويها

ومن أسباب التعصب، قلة العلم والمعرفة، وضيق الأفق، وعدم الاطلاع على علوم ومعارف وأدلة الآخرين، والتنشئة في بيئة نما فيها التّعصب وعشّش وفرّخ، وعدم قبول الدليل، والاتكالية المطلقة على العلماء، وإضفاء لون القداسة على أفكار وآراء أهل العلم، وعدم التأصيل العلمي، وعدم التعود على فقه الاختلاف، وضعف الاستنباط من الدليل، وعدم الاحتكام إلى الدليل القطعي الذي لا يحتمل التأويل بشكل من الأشكال.

إن التعصب -يا أحبتي الكرام- مرضٌ مقيت، وعادةٌ قبيحة، وفكرٌ دخيل، وظلمٌ فادح في حقّ الآخرين ناشئٌ عن المرور على قُشور العلم وظواهره، من دون العودة إلى الكتاب والسنة، ومن دُون التأصيل العلمي الصحيح على منهج أهل السنة والجماعة، فالعلمُ أخلاقٌ وشمائل وقيمٌ ساميّة للتسامح والعدل والمنطق والحُجّة والبُرهان، قبل أن يكون معارف ومعلومات وكتبا ورسائل.

العلم إن لم تكتنفهُ شمائل 

 تُعْليه كانَ مطيّة الإخفاقِ

كمْ عالمٍ مدّ العلومَ حبائلا 

 لوقيْعةٍ وقطيْعةٍ وفراقِ

شمعة أخيرة: ستدرك في يوم من الأيام أن تعصّبك لم يكن في محلّه، وأنّك بهذا التّعصب حجّرت الواسع، وضيّقت دائرة الدين والدنيا، وخسرت أكثر مما ربحت، ولكن ربما بعد فوات الأوان. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news