العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أخلاقيات طبيب

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٨ ٢٠١٩ - 01:00

هاتفتني سيدة – أعرفها – وقالت: لدي موضوع وأود أن أنقله إلى السادة القراء.

قلت: هاتِ، فإن كان الموضوع يستحق لمَ لا.

قالت: تعرضت ابنتي لالتواء في رجلها اليسرى، وأخذتها الى الطبيب، وبدأنا رحلة العلاج في المستشفى الحكومي الفلاني، وفي الحقيقة كانت معاملة الأطباء لنا معاملة راقية وليس عليها غبار، وذلك من خلال اللقاء الجيد وحسن المعاملة، وحتى العلاج نسبيًا، إلا أني في مرحلة من مراحل العلاج اضطررت إلى اللجوء إلى العيادات الخاصة من أجل مزيد من الفحوصات التي لم تجر لها في المستشفى، من مبدأ ليطمئن قلبي.

وبعد كل هذه المشاوير ودفع بضع دنانير هنا وهناك، رجعنا الى المستشفى الحكومي لمتابعة العلاج، وذهبنا إلى هناك ذات يوم ولم يكن الطبيب المناوب في تلك الفترة هو نفس الطبيب الذي كان يتابع علاج ابنتي، وإنما طبيب نقابله أول مرة، وهنا كانت المشكلة، فعندما شرحنا له الموضوع وقدمنا له صور الأشعة المسحية وما إلى ذلك من نتائج الفحوصات التي أجرينا لها في العيادة الخارجية امتعض وأزبد وكأننا قمنا بعمل خارج المألوف أو تجاوزنا حدودنا أو قمنا بعمل لا يغتفر، وحتى أنه لم ير النتائج وإنما رماها جانبًا وتحدث إلينا من طرف أنفه، ونحن – أنا وابنتي – وقفنا في غرفة العيادة ولا نعرف ماذا نقول، وكيف نقول ما نريد قوله؟ وفي خاطري سؤال: لماذا؟ هل ما قمنا به خطأ أو تجاوز؟ ألم يكن من المفروض على المستشفى الحكومي أن يقوم بكل أنواع الفحوصات بدلاً من لجوئي الى عيادة خارجية؟ وحتى إن لجأت إلى عيادة خارجية فهذا حقي، كفله لي دستور البلاد، فلم أخطئ في حق أحد، ولم أتجاوز حدود آداب المهنة.

تقول: ونحن في هذا الوضع دخل علينا الطبيب الذي كان يتابع حالة ابنتي فلاحظ الوجوم والحيرة التي كنا فيها، فطلب من الطبيب السابق وبكل أدب مغادرة الغرفة لأنه هو الطبيب المتابع، وعندما خلت الغرفة من الطبيب السابق قام هذا الطبيب بالاعتذار الشديد لنا، وكأنه هو من أخطأ.

وسؤالي هنا: هل هذه أخلاقيات طبيب؟ ألم يتعلم هذا الطبيب أن الطبيب قبل أن يعالج أجسام البشر عليه أن يعالج نفسياتهم وأرواحهم؟ هل أقسم هذا الطبيب قسم الأطباء قبل أن يدخل السلك الطبي؟ ألا توجد رقابة على تصرفات الأطباء وأهوائهم ومشاكلهم؟

وحتى إن كانت لديه مشاكل – مع عائلته أو مع إدارة المستشفى أو مع أي كان – فما ذنبنا نحن؟

واستمرت السيدة تتساءل عن دور الأطباء وأخلاقيات المهنة وأنا اسمعها من غير أن أتدخل في حديثها، وفي نهاية الحديث قلت لها: هل تتقدمي بشكوى الى إدارة المستشفى عن هذا التصرف؟ قالت: نعم، فعلت وعسى أن اسمع رد المستشفى عن هذا الحادث.

انتهى حديث السيدة عند هذه النقطة تقريبًا، ولكني تذكرت أنه منذ سنة تقريبًا قال لي أحد الأصدقاء أنه كان يراجع عيادة طبيب في مستشفى حكومي بعد الانتهاء من إجراء عملية جراحية. 

ولكنه ذات مرة تأخر عن موعده حوالي دقائق لا تتجاوز الخمس، ولكن الممرضة رفضت استقباله بحجة أنه تأخر على الرغم من حاجته الماسة الى مقابلة الطبيب، وذلك من أجل الاطمئنان على حالته الصحية، يقول بما معنى كلامه أنه قال للممرضة: هل يمكن أن تقولي للطبيب أني موجود وأني لا احتاج إلا لدقائق فقط، فقد تم إجراء فحوص المختبر، وأنه كل المطلوب منه أن يقرأ نتائج المختبر، ثم يقرر هل أستمر في العلاج أم أتوقف حتى الموعد القادم. يقول: وبعد مناقشة مطولة ومستفيضة مع الممرضة – وكأنها هي صاحبة القرار – قالت على مضض: سوف أرى.

يقول الصديق: غابت الممرضة، واستمر غيابها حوالي نصف ساعة، وأنا في انتظار الرد ولكنها كانت تمر إيابًا ورواحًا وكأني غير موجود، فما كان مني إلا أن ذهبت إليها وقلت لها: ماذا حدث؟ أنا ما زلت أنتظر، فقالت وبكل صلافة: من قال لك انتظر، الطبيبة لا تريد أن تراك.

وخرجت، وأنا أعرف أن أقرب موعد يمكن الحصول عليه في هذه المستشفى قد يكون بعد شهر، فتساءلت بيني وبين نفسي: ما العمل الآن؟ وعندما سرت مسافة بالسيارة تذكرت أني أعرف صديقا في نفس المستشفى، فاتصلت به وشرحت له الحالة والموضوع، فقال: سوف أعاود الاتصال بك. وبعد حوالي ربع ساعة اتصل وقال: لقد جددت لك الموعد في الأسبوع القادم.

وعندما عدت في الأسبوع القادم، عاتبتني الطبيبة لأني لم أحضر الموعد السابق، فحكيت لها الحكاية، فقالت: غير معقول، لا يمكن أن أقول لمريض أني لا أرغب في رؤيتك، فهذا ليس من أخلاقيات المهنة.

وهنا نسأل، هل الممرضة هي التي اتخذت القرار؟ ولماذا؟ وأي جراءة تلك؟

عمومًا، لسبب أو لآخر فقد شغلني الموضوع نوعًا ما، فرحت أبحث في موضوع أخلاقيات الطبيب ومهنة الطبيب والمهن الطبية بصورة عامة، فوجدت الكثير من الدراسات والكتب والمواثيق المنشورة على الشبكة العنكبوتية التي تتحدث عن هذا الموضوع، وربما من أشهرها قسم أبقراط أو كما يعرف بأبي الطب والذي قام بترجمته المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي وذلك حتى يتوافق مع الشريعة الإسلامية، ويقول القسم «بسم الله الرحمن الرحيم. أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلاً وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد، الصالح والطالح، والصديق والعدو. وأن أثابر على طلب العلم، أسخِّره لنفع الإنسان لا لأذاه. وأن أوقر من علمني، وأعلّم من يصغرني، وأكون أخًا لكل زميل في المهنة الطبية في نطاق البر والتقوى. وأن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقيًا مما يشينني أمام الله ورسوله والمؤمنين. والله على ما أقول شهيد».

وفي كتاب رائع للطبيب المسلم أبي بكر الرازي بعنوان (أخلاق الطبيب)، ويُعد هذا الكتاب أول كتاب عربي يحاول وضع ميثاق شرف مهني للأطباء، والكتاب في أصله رسالة بعث بها الرازي إلى أحد تلامذته (لم يسم تلميذه) بعد تعيينه طبيبًا خاصًا لأمير من أمراء عصره، ولا أعرف إن كان الكتاب تم تحقيقه من قبل أو لا، ولكن الكتاب الذي وقع بين يديّ هو تحقيق الدكتور عبداللطيف محمد العبد – الطبعة الأولى 1977. وسنحاول ان نستعرض بعض القواعد والأخلاقيات التي أشار إليها الرازي في كتابه، يقول الكتاب:

إن أول ما ينبه إليه الرازي في رسالته هو العقد الأخلاقي القائم بين الطبيب ومرضاه الذين يعتادونه، «فقد أحسن الظن بك من اختصك لنفسه واعتمد عليك من جعلك أمين روحه»، فهو ينبه الطبيب على أن يقابل ثقة المريض فيه بمسؤولية تحتسب ذلك في تعامله معه.

ويحرص الرازي على تنبيه الأطباء على أهمية الرفق وحفظ أسرار مرضاهم، لأنهم يكاشفونهم بما لا يكاشفون به أخص الناس بهم، «وأعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقًا بالناس، حافظًا لغيبهم، كتومًا لأسرارهم، لا سيما أسرار مخدومه، فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض ما يكتمه من أخص الناس به، مثل: أبيه وأمه وولد، وإنما يكتمونه خواصهم، ويفشونه إلى الطبيب ضرورة».

ومن الأخلاقيات التي لا تليق بالطبيب تكبره على العامة والفقراء إذا وجد بغيته المالية في الخاصة والأغنياء، قال: «ينبغي للطبيب أن يعالج الفقراء كما يعالج الأغنياء، ذلك أن من المتطببين من يتكبر على الناس، لا سيما إذا اختصه ملك أو رئيس».

وكما على الطبيب ألا يتكبر على الناس فعليه ألا يعجب بما يحقق في مجاله من تميز بما يجريه الله على يديه من علاج الأمراض المستعصية، فإن «من المتطببين من اذا عالج مريضًا شديد المرض فبرأ على يديه، دخله عند ذاك عجب، وكان كلامه كلام الجبارين، فإذا كان كذلك، فلا كان ولا وفق، ولا سدد».

هذه بعض الأخلاقيات، والكتاب مليء بذلك.

وفي (الميثاق الإسلامي العالمي للأخلاقيات الطبية والصحية) المكون من 10 أبواب وحوالي 108 مواد تشير المادة الثانية منه التي بعنوان (واجبات الطبيب نحو المريض) في المادة 2 إلى «على الطبيب أن يُحْسن الاستماع لشكوى المريض ويتفهَّم معاناته وأن يُحسن معاملته ويرفق به أثناء الفحص. ولا يجوز له أن يتعالى على المريض أو ينظر إليه نظرة دونيَّة أو يستهزئ به أو يسخر منه، مهما كان مستواه العلمي والاجتماعي. وأيًا كان انتماؤه الديني أو العرقي وعليه أن يحترم وجهة نظر المريض، ولا سيما في الأمور التي تتعلق به شخصيًا، على ألا يحول ذلك دون تزويد المريض بالتوجيه المناسب».

وتنص المادة 7 «على الطبيب ألا يتردَّد في إحالة المريض إلى طبيب مختص بنوع مرضه، أو إلى طبيب لديه وسائل أكثر فعاليةً، إذا استدعت حالة المريض ذلك، أو إلى طبيب آخر يرغب المريض في استشارته. ولا يجوز للطبيب أن يتباطأ في الإحالة إذا كان ذلك في مصلحة المريض. وعليه أن يتيح المعلومات المدوَّنة بسجله الطبي والتي يعتقد أنها لازمة لعلاج المريض، عند إحالته إلى طبيب آخر، وأن يزوِّده بالتقرير الطبي الوافي عن حالته المرضيَّة».

ليس ذلك فحسب وإنما يوجد في الميثاق حوالي 28 مادة كلها تخص (واجبات الطبيب نحو المريض)، ترى هل قرأ الطبيب المعالج كل هذه المواثيق والعهود قبل أن يدخل العيادة حتى يستقبل المرضى؟

أما بالنسبة لممارس المهن الصحية كالممرضين والصيادلة وغيرهم الذين يعملون في هذا المجال فقد وجدنا الكثير من المراجع التي تدعونهم إلى حسن معاملة المرضى، وحسن استقبالهم، واحترامهم والرفق بهم، وربما من أشهر تلك المراجع الكتاب الصادر عن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية – إدارة التعليم الطبي والدراسات العليا بعنوان (أخلاقيات الممارس الصحي). 

ولا أعرف إن كان لدينا في البحرين ميثاق أخلاقيات مهنة الطب والمهن الطبية أم لا، لأني لم أعثر على أي شيء منه يدل على وجوده، وكذلك فإن بعض الأخوة الأطباء عندما سألتهم عن ذلك وجدتهم لا يعلمون عنه شيئًا، لذلك فإننا نرجو من السادة في وزارة الصحة وجمعية الأطباء إن كان هذا الميثاق موجودا نرجو نشره وتزويدنا بنسخة منه إن أمكن ذلك، وإن لم يكن فإنه ينبغي أن يصدر مثل هذا الميثاق في أقرب وقت ممكن، ليس ذلك فحسب وإنما يجب أن تكون هذه المواثيق دستورًا لكل من يعمل في هذا الحقل الإنساني، فيكفي المريض أنه مريض وأنه يحمل أعباء الدنيا على كاهله عندما يدخل المستشفى، إنه فقط يريد العلاج وحسن المعاملة، فهل تعتقدون أن المريض قد أتى الى المستشفى للتنزه مثلاً؟ فلا تحملوا عليه أعباء المرض وسوء الأخلاق والتذمر ومشاكلكم البيتية أو أي نوع من المشاكل.

أيها السادة، نحن نعلم أن مهنتكم ليست من السهولة بمكان، فأنتم تتعاملون مع كافة فئات الناس، بكل أطيافهم وأمزجتهم وفروقهم الفردية، ولكن هؤلاء أيضًا بشر، ربما يحتاجون إلى كلمة ولمسة حانية، وكلمة صادقة، فلا تبخلوا عليهم بها. 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news