العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الـتـوحيـد.. ســبــيـل الأمـة إلــى الــوحــدة

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٨ ٢٠١٩ - 01:00

لا شك أن أعلى مقامات الوحدة النابعة من التوحيد, إذ لا شائبة تشوبها، ولا أمر يصرفها عن غايتها، وحين تتوحد الوجهات في وجهة واحدة، وحينما تلتقي السبل في سبيل واحد، هو صراط الله المستقيم, تؤتي الوحدة ثمارها اليانعة، وتستوعب كل نوع من أنواع الوحدة، وحدة في العقيدة، وهي القمة الأعلى والأعظم من بين القمم، ووحدة في الشريعة حيث يأخذ المسلم من الخالق وحده الأمر والنهي، واتحاد مصدريهما في القرآن والسنة الصحيحة، فإن استجد شيء من أمور الدنيا لا حكم له في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) تجتمع الأمة على اجتهاد واحد، ويكون فيه رضا لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، وأيضًا من ثمار التوحيد الخالص وحدة في العبادة، ووحدة في الأخلاق، قال صلوات الله وسلامه عليه: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق] الإمام مالك.

وهناك وحدة في المعاملات التي يحكمها، ويوجهها إلى الرشد والسداد قانون واحد هو قانون الحلال والحرام.

كل ذلك ثمرات من ثمرات التوحيد، يقول تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92.

هذه هي الخطوة الصحيحة على طريق الألف ميل كما يقولون والتي لا شك تتبعها خطوات أخرى صحيحة إلى سبيل الوحدة الذي هو سبيل الأمة إلى التوحيد والوحدة، وأي حوار لا يبدأ من هذه النقطة، فهو حوار محكوم عليه بالفشل لأن الاتفاق على كلمة سواء هو البداية الصحيحة لأي حوار يرجى منه الوصول إلى اتفاق، ولا يعني الإتفاق أن يخضع طرف إلى طرف آخر، بل هو محاولة الوصول إلى نقطة اتفاق في الوسط أو قريبًا من الوسط، وهو القدر الممكن من الاتفاق، وأن يكون هناك استعداد من الطرفين لتقديم شيء من التنازل، يقول سبحانه وتعالى:« قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» آل عمران/64.

وحين تتوحد الجهات في جهة واحدة، وتلتقي الغايات في غاية واحدة، تتفق السبل في سبيل واحد لا غير هو صراط الله المستقيم، يقول تعالى: «وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» الأنعام/153.

هذا هو حديث القرآن عن التوحيد، وعن وحدة الغاية، فماذا عن حديثه عن بقية أركان الإسلام؟ يقول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؛ [صلوا كما رأيتموني أصلي]، وقال عن الحج: [خذوا عني مناسككم]، وفي هذا توحيد للإتباع الذي لا يكون العمل صالحًا متقبلاً إلا بشرطي الإخلاص والإتباع لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وتوحيد الإتباع يقود لا محالة إلى توحيد الأمة.. في أداء عبادة الصلاة، وهي العبادة الوحيدة التي لا تسقط عن المسلم مهما كانت أحواله من القوة والضعف، ومن القدرة والعجز، ومن الصحة والمرض، فالمسلم يؤدي الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة على الهيئة التي يستطيعها عملاً بقوله تعالى: «فاتقوا الله ما استطعتم.» التغابن/16.

ومن مظاهر الوحدة للأمة في العبادات، وحدتها في الصلاة إذ يجتمع المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة في صلاة الجماعة التي تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة، ونلاحظ أن وحدة الأمة في هذه العبادة لا تنفك عنها حتى والمسلم يصليها منفردًا يؤدي الصلاة بضمير الجماعة في قوله تعالى: «إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)» الفاتحة، وكذلك في الحج يقول صلى الله عليه وسلم: [خذوا عني مناسككم]، وهذه دعوة واضحة وصريحة إلى حجاج بيت الله الحرام أن يؤدوا مناسك الحج كما أداها صلى الله عليه وسلم، وفي هذا وحدة للأمة في أداء هذه العبادة العظيمة، ورغم أن المسلمين في الحج يأتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم إلا أنهم رغم اختلاف أوطانهم، وألسنتهم، وبيئاتهم إلا أنهم يجتمعون على أداء مناسك واحدة غايتها تجديد الولاء لله تعالى، والانتماء إلى هذا الدين العظيم.

كذلك في عبادة الصيام يجتمع المسلمون في وقت واحد مع مراعاة فروق الوقت، لكنهم يجتمعون على الإمساك وعلى الفطر، وعلى صلاة التراويح التي يؤدونها جماعة في المساجد.

أما عبادة الزكاة، وهي عبادة يغلب عليها الجانب المالي إذ يخرج الغني جزءًا من أمواله للفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية الذين ذكرتهم سورة التوبة في قوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» الآية 60.

هذه العبادة المباركة تعمق في المسلم الشعور بالانتماء إلى الأمة، ويشعر بالسعادة لأنه يساهم على قدر استطاعته في إسعاد غيره من أصحاب الحاجات بإخراج جزء بسيط من ماله وهو حق من حقوق الفقراء والمساكين، قال تعالى: «والذين في أموالهم حق معلوم(24) للسائل والمحروم (25)» المعارج.

هذا سبيل الأمة في أيام السلم، فماذا عن سبيلها أيام الحرب حين يأذن الله تعالى للمسلمين بأن يدفعوا الضيم عنهم، كما قال تعالى: «أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله..» الحج.

إن وحدة الأمة في الحرب أكد من وحدتها في السلم، وذلك لما يتهدد الأمة من أخطار تكون الوحدة واجتماع الكلمة حصنًا لها يحميها من الغزو الخارجي، يقول سبحانه وتعالى: «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص» الصف/4.

إذًا، فحين تتوحد الغايات في غاية واحدة، وتجتمع الأهداف في هدف واحد، وهو مرضاة الله تعالى، فإن وحدة الأمة تتأكد، واجتماعها على كلمة سواء، وعلى موقف واحد يكون سبيلها إلى الوحدة، والتئام الشمل، أما حين تتعدد الغايات، وتختلف المصالح، فإن أمر الأمة إلى شتات واختلاف، ولنا في واقع المسلمين خير دليل على ذلك، ونضرب مثالاً على ذلك، بالجهاد الأفغاني ضد الشيوعية التي تداعت إليها كل الفصائل الأفغانية التي اتحدت خلف غاية واحدة رغم اختلاف المصالح والانتماءات، وهذه الغاية هي إخراج العدو الغازي من أرض أفغانستان المسلمة، فلما وضعت الحرب أوزارها وتحقق النصر للمجاهدين استعرت الحرب بين فصائل المقاومة الأفغانية الذين جمعهم الجهاد المقدس، وبعد الحرب فرقتهم المصالح الدنيوية، والصراع على السلطة كل يريد الاستئثار بها دون غيره من الفصائل، وتكرر المشهد فيما سمي بـ(الربيع العربي) حين انتصرت إرادة الشعوب العربية على إسقاط الأنظمة المتهالكة، والتي انتهى تاريخ صلاحيتها، فلما تحقق لهم ذلك نشب الصراع بين الجماعات والفرق على السلطة كل يريد أن يستأثر بها له وحده.

وهكذا يظل التوحيد في العقيدة هو سبيل الأمة الإسلامية إلى الوحدة، فإذا شاع التوحيد كمبدأ في كل حركات المسلم وسكناته، فقد تحققت الوحدة في أعظم معانيها وأجلى مظاهرها، وصدق الله العظيم: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news