العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: صاحب اللحية البيضاء

نص: عبدالحميد القائد

السبت ١٧ ٢٠١٩ - 10:53

مرَّ فاضل على المَقابر ونثرَ أوراقًا كثيرة في الهواء مكتوب في كل ورقة «أيها الموتى... من ينقذ روحي التائهة من هذا الوجع العظيم»، وكان قد سهر الليلَ كله وكتب هذه العبارة على أكثر من ألف قصاصة بعد أن شعر باليأس من الأحياء الذين يزيدون ناره حطبًا، حتى الأصدقاء يسمعون صهيل روحه ويطلبون منه الصمود ورجال الدين يحثونه على الصبر والرضى بقضاء الله وقدره... لا أحد رمى له بحبل النجاة أو تنازل عن قليل من فرحه له لكي يريح ويستريح. جاءته الثقافة مع الريح، لم يحرضّه أحد عليها، ولم يغويه أحد.. الثقافة علّمته الحرية والشموخ.. والحرية علمته معنى العدالة والإنصاف والإنسانية... إنسانيته المفرطة حوّلت طريقه إلى خناجر وسكاكين وأشواك ونباتات مُرّةً كالحسك... صار الطريق ضبابا... والليلُ كابوسا حيا لا ينام... الأصدقاء يعرفون شيئًا واحدًا فقط: اللامبالاة التي تحبس الدماء من التدفق في الروح.

ظل يزور المقبرة ليليا، وفي وسط العتمة دأبَ على أن يجلس على كرسيٍّ أسود. مرّت أيامٌ عديدة منذ أن أطعم سماء المقبرة بتلك القصاصات التي تناثرت في أرجاء المقبرة وانحشر بعضها خلف الحصى وشواهد القبور. الليلُ في المقابر موحشٌ أكثر من صمت الموتى. كان يجلس ساعات طويلة في انتظار من يردّ على رسالته التي وزعها هديةً للهواء. كان يتهيأ له وهو جالس وسط ذلك الصمت المطبق أن شواهد القبور تتحرك أحيانًا، وتارة يتخيل مرور أطياف شفافة ترتدي أردية بيضاء تمضي بعيدًا وتتقافز بخفة على ارتفاعات متفاوتة. اقترب طيف من تلك الأطياف منه في ليلة من الليالي وسلّمه ورقة وأشار إلى مكان بعيد، كانت كتلة من الدم ضخمة جدًّا تتدحرج في الفضاء من دون أن تستقر في مكان، ثم اختفى الطيف الأبيض مثل دخان. فتحها، كانت بيضاء تمامًا، أطال النظر وفجأةً بزغ وجه أمه وهي تحدّق فيه ثم ابتسمت ولوَّحت بيديها واختفت وظلت الورقة البيضاء في يده. هبّت ريح عاتية وطيّرتها فانطلقت الورقة وهي تعلو إلى نفس المنطقة التي شاهد فيها كتلة الدم وفجأةً احترقت في الهواء لتضيء المقبرة وتحيلها إلى نهار. وخلال ثوان تجمّع حوله عدد هائل من الكلاب وهي تنبح من دون توقف، وفجأةً توقفت عن النباح كلّيًّا وبدأت تطوف حوله بحركة دائرية وكلّها تحدّق فيه وألسنتها ترتعش، ثم خيمّ ظلامٌ كثيف وحاول أن يخرج من المقبرة ولكنه فوجئ بالكلاب منبطحة على كل المساحات الخالية والممرات، فشعر بالهلع وبدأ يعدو لكي يخرج بأسرع ما يمكن، فاضطر إلى أن يدوس على أجساد الكلاب. 

حين تمكّن من الخروج من المقبرة وهو في حال هلعٍ عظيم، وجد أمامه شيخًا عجوزًا ابتسم له، وأمسك بيده وهو يحدّق في عينيه بعمق وقال له: يا ولدي، حين ترحل إلى هناك، حيث الضوء مبهر لك ولسواك، يقولون ان ذلك الضوء سيأخذك في قارب صغير. يسير في نهر طويل على ضفافه أجمل الأشجار وأجمل الورود.. طيور ملونة مزركشة تطير فوقك لتشكل ظلا دافئا، ستشعر بقطرات مطر خفيفة وناعمة تنعش وجهك وتحييك. إنه البللُ الجميل. ستصل إلى مكان ستغفو فيه دهرًا. وتصحو لتجد نفسك طفلًا مرة اخرى لتعيش حياتك من جديد. تستعيد أمك، تستعيد ابيك وكل احبتك وكأن احدًا لم يرحل، ولا ألم عصف بك ولا فجيعة هبّت على روحك. ربما تمرّ من نفس السكك التي مررت بها سابقًا او ستمنح الفرصة كي تتفادى المسالك السابقة التي جرحتك او اوجعتك او قذفت بروحك الى مهاوي الجحيم. سترى كل النساء اللواتي عشقتهن وهن أكثر حنانًا ووصلًا وجاذبية وجمالًا. لا زواج هناك ولا تقييد للحرية. ستعيش كريشةٍ تتطاير في النسمات. ستقذفكَ الريحُ صوب أشهى الشهوات وألذ الطيبات وأرقّ النساء المخلوقات بجمالٍ متكامل ليس لهن حاجة إلى أي مساحيق تجميل. النساء هناك نساء بلا كيد ولا مكر ولا خبث. هناك بحار لا تُغرق وعواصف لا تُهلك وشمس لا تحرق. هناك ستشعر أنك في حلمٍ جميل...حلم لا ينتهي. ربما... ربما هذا ما حدثوني عنه في احد احلامي التي تتحقق غالبًا. انتهى الشيخ العجوز صاحب اللحية الطويلة البيضاء من حديثه ومضى مع الغبار.

إضاءة

 الذي هناكَ هو هُنا

الذي هُنا هو هُناكَ

وهناكَ غَادرَ من هُنا

وأنتِ التي هناكَ يحجبك الضباب

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news