العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

الثقافي

ســــرديـــات: تفكيك أسطورة الآخرية وتجاوزها في الصين اليوم

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ١٧ ٢٠١٩ - 10:46

خلال القرون الثلاثة الأخيرة التي شَهِدَتْ تكوّن الحداثة الغربيّة وسيطرتها، تكوّنت عن الصين وترسّخت صورة صين صاحبة كتابة رمزية، خاضعة لموروث استبداديّ، معزولة عن سائر بقاع العالم طوال قرون، وهو مايفسر جمودها الفلسفيّ والسياسيّ والعلميّ الذي جاء الغرب في الوقت المناسب لإيقاظها منه. وفي المقابل ترسّخ في فكر النخب الصينيّة شعور متعاظم بمديح الذات القومية الصينيّة. وهو مايشكّل نوعًا من الرد بالكتابة المضادة على اختزالات الصين النمطية وفقًا لرؤية المركزية الأوروبيّة التي كانت حاكمة ثقافيًا على مدى قرون ولاتزال تمارسُ سطوتها التي خفَّ بريقها في عصر ما بعد الكولونياليّة وانهيار الحدود والتخوم الثقافية المتوهمة بين المراكز والهوامش «الثقافية». بهذه الكلمات صدّرت المفكرة الفرنسيّة من أصول صينيّة وأستاذة كرسي في الكوليج دي فرانس آن شنغ كتابها المهم «الفكر في الصين اليوم».

في سنة 1848 نشر زعيم العقلانية الوضعية إرنست رينان بحثًا بعنوان: «في أصل اللغة» أقام فيه تعارضًا بين مقولة «العرق الهندو_أوروبيّ» الذي وصفه بأنَّه «العرق الفلسفيّ» الذي يبدو أنَّ لغاته «خُلِقت للتجريد والماورائيات» والعرق الصينيّ واللغة الصينيّة التي يعطيها الوصف الآتي «أليست اللغة الصينية، ببنيتها اللاعضوية وغير المكتملة، صورة عن قحط الفكر والقلب الذي يتصف به العرق الصينيّ؟ إنَّها تكفي لتلبية الاحتياجات الحياتية، ولتقنيات الفنون اليدوية، ولأدب خفيف متواضع المزايا، ولفلسفة ليست غالبًا سوى عبارة لطيفة لكنها ليست رفيعة أبدًا، وإن كانت تنمُّ عن حسّ عمليّ جيّد. تستبعد اللغة الصينيّة كلَّ فلسفة، كلَّ علوم، كلَّ دين، بالمعاني التي نعطيها نحن لهذه الكلمات».

سعت آن شنغ مع مجموعة من الباحثين المشاركين في كتابة «الفكر في الصين اليوم» إلى تفكيك أساطير المركزية الأوروبيّة عن الصين وثقافتها وهي أساطير تأسيسيّة مضلّلة جدًا لاتصفُّ ماضي الصين ولا حاضرها. ولذلك يسعى كتاب «الفكر في الصين اليوم» من خلال مداخل علمية مزدوجة إلى تجاوز هذه «الآخرية»؛ إذ يشتغل الكتاب على علم الحضارة الصينية، والتاريخ الفكري، وتاريخ العلوم، والأنثروبولوجيا، والألسنية وغيرها. والأطروحة الأساسية التي يصدر عنها هذا الكتاب هي أنَّه ليس هناك فكر صيني أوحد، وبأنَّ الصين لم تتوقف عن التفكير بعد العصور القديمة ولابعد دخول الحداثة الغربيّة إليها. لقد انتظم الكتاب في ثلاثة مباحث كبرى هي العلاقة التي أقامها المثقفون الصينيون القدامى والمعاصرون مع موروثهم الخاصّ من خلال دينامية ذاتية سابقة على كلّ تدخل خارجي من خلال حداثة وانغ فيزهي(1619) إلى التصوّر الصيني للتاريخ ومن كونفوشيوس إلى الروائي جين يونغ والإغراء البراغماتي في الصين المعاصرة إلى لي كزياو بو عودة الأخلاق. والمبحث الثاني يتناول المعارف الصينية من الفلسفة والدين والطب من محن الفلسفة الصينية إلى اختراع الأديان في الصين الحديثة والطب الصينيّ التقليدي في جمهورية الصين الشعبية من «تقليد مخترع» إلى «حداثة بديلة». والمبحث الثالث تصدّى للميثات الأكثر ثباتًا التي تدور حول الكتابة واللغة، إضافة إلى المسألة الحسّاسة الملازمة لها، وهي الهوية الصينية التاريخية الثقافية والقومية. فمن الكتابة الصينيّة إلى توضيح مسألة إلى هوية اللغة إلى هوية الصين، إلى «الصينوية».

وفي خاتمة الكتاب تناولت كارين شملا موضوع تجاوز الآخرية من خلال التفكير في العلم برياضيات الصين القديمة؛ إذ تقترح شملا إعادة التواصل مع النصوص الرياضية الصينيّة القديمة في مصادرها وخاصة كتاب”إجراءات الرياضيات” الذي اكتشفه علماء الآثار سنة 1984 في قبر يرجع إلى حوالي سنة 186 قبل الميلاد. لقد فنّدت كارين شملا المقالة التي كتبها مارسيل غرانيه عام 1920 التي بيّن فيها أنَّ لغة الصينيين المكتوبة تشكَّل عائقًا بينهم وبين الحداثة العلمية. وتستنج شاملا أنَّ دراسات تأويلية متأنية في المصادر الصينية القديمة بإمكانها أن تفيدنا في سياق تطوّر الرياضيات الحديثة والمعاصرة.

تمثل الصين اليوم واحدة من أبرز القوى العالميّة الناهضة والصاعدة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، والجميل هو انتباه بعض الدول الخليجيّة إلى تدريس اللغة الصينيّة في المدارس الحكوميّة والخاصة وإلى إتاحتها في المرحلة الجامعيّة. وأشيد في هذا المجال بجهود كلَّ مملكة البحرين والمملكة العربيّة السعودية ودولة الإمارات العربيّة المتحدة، وهي جهود رائعة وذكية من القيادات السياسية في هذه الدول الثلاث في الانتباه إلى قوة الصين الصاعدة عالميًا، وجامعة البحرين فيها مركز كونفوشيوس وهو مركز ثقافي تعليمي يُعنى بتدريس اللغة الصينيّة ووالتعريف بالثقافة الصينيّة، ووجود مثل هذا المركز الثقافيّ المهم هو إضافة حقيقية لإنجازات جامعة البحرين. ولاشكَّ أنَّ التعرف عن قرب إلى الفكر الصينيّ الحديث والمعاصر من خلال إيجاد تخصص جامعيّ هو الدراسات الصينيّة في الجامعات الخليجية على مستوى البكالوريوس بإمكانه أن يوفر لدولنا الخليجيّة قاعدة من التواصل والفهم العميق للصين بكلَّ ما تحتويه من سياسة واقتصاد وثقافة وهوية وطنية، ويفيد كذلك في التخطيط الاستراتيجي المستقبلي؛ فالصين هي لاعب سياسيّ واقتصاديّ وعسكريّ عالميّ في غاية الأهمية. كتاب «الفكر في الصين اليوم» من ترجمة الدكتور محمد حمود أستاذ الأدب الحديث والأدب المقارن في الجامعة اللبنانيّة، ومن إصدارات سلسة مشروع نقل المعارف لهيئة البحرين للثقافة والآثار.

dheyaalkaabi@gmail.com

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث،  كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news