العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية
المعارضة المهترئة والنقد الذاتي

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٧ ٢٠١٩ - 01:00

وصلتي على شبكات التواصل الاجتماعي رسالة من أحد صحفيي المعارضة يتحدث فيها عن إحدى القنوات التلفزيونية، المدفوعة الاجر، ليقترح مناقشة تقييم العقدين من حكم الملكي الدستوري بمملكة البحرين، بل يطرح مناقشة تقييم أداء الحكومة خلال الخمس العقود الماضية، منذ ان استقلت البحرين عن الحماية البريطانية. ولو يبدو من الطبيعي ان تقيم المجتمعات إنجازاتها، وأداء حكوماتها، ولكن من الغرابة بان هذه المعارضة المهترئة مشغولة بتقييم الاخرين، ومتناسية تقييم ادائها خلال نصف القرن الماضي، وما أنجزته للشعب البحريني، بل أيضا اصابتني الدهشة والعجب من مجموعة لعبت دورا تخريبيا في المجلس النيابي المنتخب في سبعينيات القرن الماضي، حيث تفرغت هذه المجموعة لنقد الحكومة وتعطيل عملها مما أدى الى تجميد هذا المجلس، ولتكرر هذه المجموعة أخطاء التجربة السابقة في العقدين الماضيين، حينما تحولت البحرين إلى مملكة دستورية فصلت السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وقسمت البرلمان إلى مجلس نيابي منتخب ومجلس شورى استشاري معين من خيرة الخبرات المخلصة في البلاد. ولقد استغربت لطرح هذه المعارضة، فقد ضيعت الوقت خلال نصف القرن الماضي في الانتقاد، ولم تحاسب نفسها على ما أنجزته، ولم تحس حتى الآن بان عليها نقد وتقييم عملها ذاتيا، وخاصة بأن الشعب لم يعد في الالفية الثالثة، وخاصة بعد التطورات التكنولوجية وتقنيات التواصل الاجتماعي، لقمة سائغة لأفكار مهترئة اكل الدهر عليها وشرب، بل اثبتت التجربة العملية في بلد مجاورة هي إيران خلال العقود الأربعة الماضية بأن أفكارها ونظرياتها البائسة لم تقدم للشعوب الا الفقر والمعاناة والعوز والظلم، بل حطم اقتصادها لتصبح قيمة عملتها اقل من قيمة الورق الذي تطبع عليه، فمثلا كان السبعين وحدة من عملتها في خمسينيات القرن الماضي يساوي دولارا واحدا، بينما اليوم اصبح قيمة الدولار خمسة عشرة ألف وحده من عملتها، فهل هذه هي التجربة التي تريد المعارضة المهترئة نسخها؟ 

ولقد لفت نظري حول موضوع الاحزاب التي فقدت صلاحيتها، في الالفية الثالثة، مقال نشرته المجلة الدبلوماسية الأمريكية، فورين آفيرز، والذي كتبه البروفيسور توماس نيكولاس، وتحت عنوان، كيف فقد الشعب الأمريكي الثقة في خبرائه؟ ولماذا تلك معضلة كبيرة؟ ويقول فيه: حينما غزت روسيا جزر القرم، نشرت صحيفة واشنطون بوست نتائج استفتاء، سأل فيه الأمريكيين عن رأيهم في السؤال التالي: هل على الولايات المتحدة التدخل العسكري في شبه جزيرة القرم؟ ففي الوقت الذي لم يعرف 85% موقع هذه البلد على الخارطة بحوالي 1800 ميل، ومع ذلك لم يتجنب أحد منهم ابداء الرأي، بل كان رأيهم التدخل العسكري، وخاصة كلما زاد جهلهم بمعرفة البلد، بل المأساة الأعظم، هو بأن الذين اعتقدوا بانها هي بلد في أمريكا اللاتينية أو أستراليا، كانوا أكثر تحمسا للتدخل العسكري. وفي العام الذي يليه سأل مجموعة من الديمقراطيين والجمهوريين عن رأيهم إن كانوا يؤيدون التدخل العسكري والقاء القنابل على «عقربة»، فحوالي 33% منهم وافقوا على الحرب وإلقاء القنابل، بينما 13% منهم عارضوا ذلك، في الوقت الذي عارض 36% من الديمقراطيين هذه الفكرة، بينما 19% منهم وافقوا عليها، والمشكلة الأعظم هو بأن ليس هناك بلد في العالم اسمها (عقربه)، وفي الحقيقة ما هي الا اسم في فيلم لولت دزني، اسمه علاء الدين. كما تبين الاستفتاءات المتكررة بأن الجمهوريين دائما أكثر ميولا للحرب، بينما الديمقراطيون أكثر ميلا للسلام، بل واحيانا بشكل غير منطقي، حتى حينما نتحدث عن بلد ليس لها وجود، ومع الأسف تكرر دائما حوادث كهذه بشكل طبيعي لا استثنائي في البيئة السياسية الأمريكية. والمشكلة الكبيرة ليس فقط بان الشعب الأمريكي لا يعرف الكثير عن السياسة أو الجغرافيا أو العلوم الطبيعية، بل المشكلة الاعظم بأنهم يعتبرون الجهل فضيلة، وليس عيبا، لذلك يرفضون بكل كبرياء أفكار واراء العلماء المختصين وبكل فخر، بل يعتبرون أنفسهم مستقلين عنهم. طبعا الاختلاف المنطقي على نظريات علمية تدل على تفكير متقدم، ويخلق أجواء ديمقراطية سليمه، والذي يقلقني بأننا لم نعد نتحمل هذا النوع من النقاش العلمي، سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو علميا أو طبيا، بل ننشغل عادة بالصراخ على بعضنا البعض بانفعال، بل أحيانا بالعنف. وما يخوفني بأننا انتقلنا إلى مرحلة لم نعد نعترف فيها برأي الخبراء في مختلف مجالاتهم، بل نقرر رأيا خاطئا حسب عواطفنا وانفعالاتنا. ولا يعني ذلك بأن الاختصاصات ستختفي، بل سيستمر المواطنون في مراجعة الأطباء والمهندسين والتكنولوجيين والمحامين والمدرسين وغيرهم من المهن، ولكن ليس كعلماء أو خبراء، بل فقط كمجموعة من الفنين في اختصاصهم فقط لا غير. وليسمع الطبيب من مريضه: خيط جرحي، ولكن لا تلقي علي محاضرة عن التغذية، مع ان ثلثي الأمريكيين يعانون من زيادة الوزن. أو ليكرر: ساعدني على حل مشكلة الضرائب هذه، ولكن لا تنصحني عن وصية ما بعد الموت، مع أن نصف الأمريكيين لم يكتبوا وصية اطفالهم. أو يعيد: حافظ على امن بلدي، ولكن لا تزعجني بتفاصيل ميزانية الدفاع، مع ان معظم الأمريكيين لا يعرفون شيئا عن ميزانية الامن والدفاع. فلم يعد يهتم الأمريكيون بالمناقشات العلمية، بل يهمهم ان تحترم عواطفهم وآراؤهم، مهما كانت مختلفة عن الحقائق العلمية. وطبعا هذه معضلة كبيرة، فالمجتمعات المتقدمة لا تستطيع ان تتقدم من دون توزيع مهام العمل وتحديد اختصاصاتها العلمية، فلسنا جميعا خبراء في كل شيء. فيعتمد ازدهارنا على التخصص، بتطوير آلية تسمح لنا بالثقة باختصاصات بعضنا البعض، لكي يستفيد المجتمع من خبرات المختصين فيه. ولو خرقت هذه المبادئ العامة، فالديمقراطية بأكملها ستكون في معضلة معقدة، وسيبدي كل منا رأيه بشكل يحقق بها مصالحه الآنية، وقد وصلنا في الحقيقة لهذه المرحلة الخطيرة في ديمقراطيتنا. فالمعلومة الناقصة قد تكون خطيرة، فقبل نصف قرن مضى كتب المؤرخ رشارد هوفستادتر يقول: فطبيعة الحياة العصرية المعقدة فككت الوظائف التي كان المواطن العادي يستطيع القيام بها بذكائه وفطنته. فقديما كان من الممكن ان يقوم أي مواطن بأية وظيفة أو عمل سياسي وبقليل من الخبرة، بينما اليوم يلعب الذكاء الآلي دورا كبيرا في سرقة هذه الوظائف من البشر. لذلك يحس المواطن كأنه لا حيلة له بما يجري من حوله، لذلك هناك سخط كبير على من يعتبرون أنفسهم علماء أو خبراء عن عامة الناس، بل بدأ الناس يكرهون الحقائق العلمية ليمارسوا حياتهم بطريقتهم الخاصة، بل أصبح بعضهم يمتنع حتى عن تطعيم اطفاله بسبب معلومات خاطئة. كما لاحظ في عام 2015. أستاذ القانون اليا سومون، بأن ثقافة الجهل هذه انتشرت وتضخمت وليعقب بقوله: لقد تعقدت وتضخمت المسؤوليات الحكومية لذلك أصبح من الصعب على الناخبين تقييم ومراقبة وظائف الحكومة المختلفة، لتكون النتيجة الا يستطيع المواطن ان يمارس حقوقه الديمقراطية بشكل مؤثر ومسؤول. وبالرغم من عقود من التطورات في التعليم والتكنولوجيا وفرص جديدة في الحياة، لم يستطع الناخبون اليوم توجيه السياسات الحكومية عما كانت عليه قبل نصف قرن من الزمن. وقد اكدت الأبحاث كلما كان الشخص اقل علما، كلما تصور بأنه أكثر معرفة وحكمة، وقد وصلنا لمرحلة وكيبيدية، بحيث أصبح التقسيم بين الخبرة المهنية والخبرة العادية منعدم، وقد بينت أبحاث كثيرة بان الكثير من الأشخاص الذين لا يعرفون الكثير عن المهارات الفكرية والتكنولوجية والاجتماعية يميلون إلى تضخيم قدراتهم، ويرجع ذلك لعدم مراجعة الفرد بحكمة ورزانه لقدراته، كما لا يقبل أي تقييم من خبرات اكثر علمية، لتنتشر ثقافة نظرية المؤامرة، وليربطها البعض بثقافة الغيبيات، ولتتحول الحوارات المجتمعية لصراعات وتناقضات مزمنة ليس لها نهاية.

وينتقل الكاتب لكلمة الايودوكراسي، فالاديوت تعني الابله في اللغة الإنكليزية، وهنا يرحب الكاتب بزمن البلاهة فيقول: اسأل أي خبير عن موت مهارة الخبرة لتجد الجواب في تأثير الإنترنت، ففي الماضي كان الناس يرجعون للخبراء للحصول على جواب لأسئلتهم، بينما اليوم ليس عليهم الا فتح صفحة الإنترنت ليجدوا الجواب جاهزا وبدون عناء، بل وبدون كلفة تذكر، فلماذا يهتمون بمن يعتبر نفسه خبيرا، وبعبقرية كبريائه، وبكلفة لا يستطيعون دفع ثمنها؟ وطبعا تكنولوجية المعلومة ليست هي المعضلة الأولية، ولكن العصر الرقمي حطم عملية التواصل بين الخبراء والبشر العاديين، وذلك بتوفير طريق اقصر لسعة المعرفة، وسمحت للبشر تمثيل تحقيق الإنجازات الفكرية بتصورهم الحالم بتحقيق الخبرة من خلال توفر الحقائق من دون حدود، ولكن الحقائق ليست هي المعلومة أو القدرات كما ان على شبكات الإنترنت ليس هناك دائما حقائق، فــــ 90% من حقائقها تخيلات، كما ان هناك اليوم اكثر من مليار موقع إلكتروني، وطبعا هناك الكثير من المواقع الإلكترونية الجيدة، ولكن الوصول اليها قد يكون صعبا من خلال الشبكات الإلكترونية المهتمة بتحقيق الربح المادي، وخاصة من خلال الدعايات، وليس من خلال الوصول للحقائق العلمية، كما ان الكثيرين لا يبحثون عن الحقائق، بل يبحثون عن معلومات هشة تدعم اعتقاداتهم الوهمية. وطبعا هذه البيئة تفتح المجال للديمقراطية الشعبوية وقياداتها، ليقولوا ما يحلوا لهم، لكي يقدموها كحقائق علمية ثابتة. ويبقى السؤال: ما هي حقيقة وضع الشعب الياباني بين هذه الطوفانات الغريبة عن الحقيقة، في بيئة التكنولوجيات الحديثة للتواصل الاجتماعي؟ ولنا لقاء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news