العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

القضية الفلسطينية تدفع ثمن «الربيع العربي»

علاوة على ما لحق بعديد من الشعوب العربية، وخاصة تلك التي انجرفت وراء موجات ما يسمى «الربيع العربي» من أضرار اقتصادية وسياسية واجتماعية فادحة لا تزال آثارها وتداعياتها الخطيرة مستمرة حتى يومنا هذا، وعلاوة على انعدام أي مؤشرات تدل على قرب انقشاع هذه الآثار أو حتى انخفاض حدتها، فإن القضية الفلسطينية تبقى الأكثر تضررا على المديين القريب والبعيد من هذه التداعيات، ذلك أن جميع المعطيات تدل على أن هذه القضية لم تعد تحتل المكان المميز الذي كانت تحظى به في الأجندات السياسية للفرقاء المؤثرين واللاعبين الرئيسيين في المنطقة، إما بسبب انشغال العديد منهم بمعالجة تداعيات ذلك «الربيع» وإما بسبب أن هؤلاء اللاعبين وجدوا في هذه التداعيات فرصة لتخفيض مستوى الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وهذا ما يفسر الخطوات والإجراءات العملية التي أقدم عليها قادة «إسرائيل» بدعم وتشجيع من قبل الإدارة الأمريكية.

فالقضية الفلسطينية منذ تفجرت أحداث «الربيع العربي» تراجع الاهتمام بها إلى الوراء خطوات كثيرة ومؤثرة أيضا، ليس على المستويين القومي العربي، وإنما على المستوى الدولي بشكل عام، فهناك خطوات «إسرائيلية» مؤثرة وحاسمة فيما يتعلق بمصير ومستقبل الحل «النهائي» للقضية الفلسطينية، هذه الخطوات لا تضع العراقيل في طريق هذا الحل فحسب، وإنما تقضي على أي آمال للوصول إليه، فــ«إسرائيل» مستمرة في مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وعمليات ضم مزيد من الأراضي متواصلة، كما حدث مثلا مع المستوطنات البشرية الكبيرة التي اقيمت على أرضي الضفة بعد احتلالها عام 1967، والأمر نفسه ينطبق على تعاطي «إسرائيل» مع جهود إحلال السلام ومصير الدولة الفلسطينية المستقلة.

ما تقوم به «إسرائيل» من أعمال، سواء تعلق الأمر بوضع الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الممارسات القمعية والإجرامية التي تقوم بها في مواجهة الرفض الشعبي الفلسطيني لاستمرار الاحتلال «الإسرائيلي»، كلها إجراءات وخطوات تتنافى مع القانون الدولي وجميع القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وبالأراضي التي احتلتها «إسرائيل» في عدوان الخامس من يونيو من عام 1967، وهي بلا أدنى شك تصل إلى حد الجرائم التي يحاسب ويعاقب عليها القانون الدولي، ومع ذلك تجد ردود الفعل العربية أو الدولية خجولة إزاء ذلك ولا تتناسب وحجم الخطوات «الإسرائيلية» وأضرارها الخطيرة على مستقبل هذه القضية.

من حيث المبدأ قد لا يكون تراجع الاهتمام العربي، أكثر من غيره بالقضية الفلسطينية، يعود إلى تخلي العرب عن القضية «المركزية» أو القضية «الأولى»، وإنما هناك هموم وقضايا ذات صلة مباشرة بأوضاع كل دولة على حدة، لا نقول ذلك تبريرا للفتور العربي إزاء القضية الفلسطينية، وإنما هو اعتراف بواقع لا يمكن تجاهله، هذا الفتور يعود جزء كبير منه إلى التداعيات الخطيرة لأحداث ما يسمى «الربيع العربي» واستغلال قوى إقليمية ودولية ذات أهداف لا تمت بصلة إلى الشعارات التي ميزت تلك الأحداث التي اندلعت مطلع عام 2011 في عدد من الدول العربية، هذه القوى استغلت الأحداث لإضافة أعباء ثقيلة على الداخل في بعض الدول العربية وألهت، إن لم نقل حرفت الاهتمام العربي، الرسمي والشعبي عن الصراع العربي «الإسرائيلي» وبالقضية الفلسطينية بشكل عام.

في جميع الأحوال، وبعيدا عن كل التفاصيل، فإن القضية الفلسطينية هي أحد الخاسرين الرئيسيين من تداعيات أحداث «الربيع العربي»، فهناك دول ذات صلة ومؤثرة بهذه القضية، مثل سوريا وليبيا، ألهيت بصراعات داخلية وفجرت فيها أحداث دموية جرفتها نحو حرب أهلية حقيقية أدت إلى تصدع مجتمعها وإضعاف بنية الدولة العسكرية والسياسية بشكل كبير جدا، بل تسببت في تشريد أعداد كبيرة من أبناء الشعبين السوري والليبي، هاتان الدولتين هما من الدول العربية الأكثر تبنيا ودعما للقضية الفلسطينية، فليس بمقدورهما بعد الأحداث التي تجري فيهما أن تقدما أي دعم لهذه القضية، باستثناء الدعم السياسي اللفظي غير المسموع أصلا وغير المؤثر لدى الأطراف الاقليمية والدولية، فالدولتان هما أصلا بحاجة إلى المساعدة والإنقاذ من الانهيار الذي يهددهما.

قد يقول قائل: إن «الربيع العربي» لم يستهدف القضية الفلسطينية، كما أن المطالب التي رفعتها الشعوب العربية التي جرفتها موجات هذا «الربيع» هي مطالب ذات صبغة وطنية داخلية ولا شأن للقضية الفلسطينية بها، من حيث الظاهر بل حتى المبدأ يمكن أن يكون هذا القول صحيحا، لكن الأمر لا يتعلق بتلك الشعارات ولا بمواقف الشعوب العربية المنجرفة وراء موجات ذلك «الربيع»، وإنما بالتداعيات التي أفرزتها تلك الأحداث، وهي تداعيات لم تنحصر في داخل الدول التي تعرضت لها ولا بشعوبها أو بمطالبها فقط، وإنما تعدت الحدود الجغرافية والاجتماعية والسياسية لهذه الدول والشعوب وانعكست على المنطقة وعلى القضية الفلسطينية بشكل خاص.

من الصعب إن لم يكن من المستحيل مطالبة دول مثل سوريا وليبيا، أو حتى العراق الذي يشهد في الآونة الأخيرة شبه استقرار بعد حرب دامية ضد الإرهاب وتحديدا «داعش»، نقول من الصعب مطالبة هذه الدول بالعودة إلى نفس الدرجة من الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ليست هذه الدول فقط التي انحصر، لظروف خارجة عن إرادتها، اهتمامها بهذه القضية، فالساحة العربية كلها تقريبا تعج بأحداث في غاية الخطورة، وانتشار غير مسبوق للأفكار المتطرفة والحركات الإرهابية التي تصاعدت أنشطتها واتسعت الرقعة الجغرافية لوجودها وأنشطتها وخاصة بعد تفجر أحداث «الربيع العربي» الذي وفر بيئة صالحة لانتشار هذه الجماعات وساعد القوى الخارجية ذات الأهداف المدمرة للمصالح العربية وللقضية الفلسطينية نفسها على استغلال هذه الأفكار ومساعدة تلك الجماعات، بأساليب وطرق مختلفة، ليس بالضرورة أن تكون مباشرة، على القيام بأفعالها وأعمالها الخطيرة التي أضرت بالقضية الفلسطينية إلى جانب تلك الأضرار المدمرة التي لحقت بعديد من الدول العربية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news