العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (88)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١٦ ٢٠١٩ - 11:31

 المرحلة المصرية (67): 

شذور من خلاصة الرحلة الشرقية

عرفنا أن الإمام حلَّ ضيفاً على خاله حين وصل إلى استانبول، وفي إحدى الليالي خرج بصحبته لزيارة أحد الأصدقاء والسبل وعرة والمطر يرشح فكان يقتفي أثر خاله ويتمهل في الانحدار فقال: سر على أثري، وقد قُرئ قوله تعالى: «على أثري» (طه/48) بفتح الثاء وسكونها فقال الإمام: يؤخذ من الآية: أن الإنسان يخبر بما يظنه واقعا ولا حرج عليه أن يبرز الخبر في صورة القطع، فإن سيدنا موسى عليه السلام كان يظن أن قومه على أثره وألقى الخبر من غير أن يسنده إلى ظن فاستحسن ذلك خاله ورتب عليه قول الفقهاء: والذي يبت (يقطع) الأمر يعتمد على ظن قوى.

وقد زار فضيلة الأستاذ (إذا قلنا الأستاذ فإنا نقصد خال الإمام) منزل السيد محمد بلبكاشي التونسي عائدا إليه بسبب وعكة صحية فلم يوافق حضوره بالبيت فلما حدث الإمام بذلك أنشد هذا البيت:

وأعجب شيء سمعنا به ... مريض يعاد فلا يوجد!

فقال الأستاذ: قد ذكرت هذا البيت وأضفت إليه بيتا تذكرت صدره (شطره الأول) وهو: ولكن يدل على بُرْئه ولم أتذكر عجزه الثاني. فقال الإمام: وذاك غاية ما نقصد. فقال الأستاذ بل قلت: فمن أجل ذا ربنا يحُمد.

الشيخ عبدالعزيز جاويش:

لقي الإمام العالم المصري الشجاع المجاهد الشيخ عبدالعزيز جاويش بعد رجوعه من مصر وكان قد حكم عليه بالسجن، وكان يبدو عليه الأسف من حال السجن فأنشده الإمام على وجه التسلية وترويح الخاطر قول ابن الجهم:

قالوا حُبست فقلت ليس بضائري .. حبْسي وأي مهند لا يُغمد

والحبس ما لم تَغْشَهُ لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتورد

وقد نظم الشاعر العراقي معروف الرصافي قصيدة رائعة في هذا الغرض جاء في مطلعها:

إني عهدتك لا تكون بؤوسا ... مهما لاقيت مصاعبا ونحوسا

كم قد صدمْت النائبات بهمة ... جَعلْت لها الصبر الجميل لبُوسا

إلى أن يقول:

جارت سياستهم عليك فأغضبت ... أهل العدالة سائسا ومسوسا

ولو أن أخلاق الرجال صحيحة ... ما كان حقك عندهم مبخوسا

إن يظلموك فإن حبك لم يزل ... في قلب كل موحد مغروسا

والشمس تشهد أن فضلك مثلها ... تحيي النفوس وتقتل الحِنْديسا

(الحنديس: الظُلْمة أو الليل الشديد الظلمة)

وحين التقى به الإمام كان الشيخ يفسر قوله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرْنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً» (الإسراء/16) على معنى: جعلنا مترفيها أمراء ففسقوا باتباع الهوى واحتياز المنافع لأشخاصهم من دون احترام للحقوق ولا مبالاة لعاقبة. فقال الإمام: ومن وجوه تفسير الآية أنها واردة على معنى أمرناهم بالعدل وما فيه تقوى ففسقوا بالجور واتباع الشهوات فقال. الشيخ: نعم قيل هذا ولكني أفضل الأول. والوجه الذي ذكره الإمام قال به الإمام الرازي ونسبه إلى الأكثر.

زيارة مكتبات استانبول:

نظرا إلى شغف الإمام بالعلم كما عرفت فقد زار مكتبات عديدة باستانبول منها مكتبة عامة قرب يني جامع – مكتبة بايزيد – مكتبة كوبرلي – ومكتبة أيا صوفيا، ولكنه لم يوافق أوقات فتح هذه المكتبة.

وقد اطلع على كثير من كتب التراث في تلك المكتبات مما لا يتسع المجال لذكره ومن أعجب ما قابله في مكتبة بايزيد أن أخذ عليه أحد المدرسين اشتغاله بمطالعة الكتب القديمة حين رآه يقرأ بعض شروح كتاب «الشفا» فقال معترضا: هذا الكتاب وأمثاله من الفلسفة القديمة التي لا فائدة من الإشتغال بها ومطالعة الكتب الحديثة في هذا العلم أعظم فائدة وأغنى فرد الإمام: نطالع التآليف الحديثة ولا ننكث أيدينا عن القديم وتطورت المناقشة إلى التعارف ثم اللقاء.

وقد أنحى ذلك المدرس باللائمة على أصحاب الأفكار القديمة الواقفة التي يتمسك بها من ينتسبون إلى الإسلام.

فقال الإمام: لا أنكر أن يكون فيمن ينتمي إلى العلم طائفة لم تسرح أنظارها في مجال متسع، فقد تكلم بعضهم بحرمة أشياء لم يرد عن الشارع في مثلها حتى كراهية، والقواعد التي وضعها الأئمة المجتهدون تقتضي الأخذ بمصالحها والعمل على شاكلتها، وكثيرا ما تصدر المقالات المتغالية عن عدم استكشاف الفقيه عن حال ما أفتى به ومن أمثلة هذا: من أفتى بأن المحادثة في التليفون غير جائزة ظنا منه أنه من قبيل السحر والتكهن حتى أخبره أحد الحاضرين بأنه مقام على قواعد وعلم يدرس وأن أعماله ظاهرة يباشرها كل أحد أدرك صناعته فرجع وقال: فهو حينئذ حسن.

فهذا الفقيه لم يكن واقف الفكر ولكن فاته الاطلاع على حقيقة تلك الآلة قبل أن يتكلم في حكمها.

الشيخ إبراهيم ظافر:

زار الإمام صحبة خاله منزل الشيخ إبراهيم ظافر فتلقاهما ومعه أخوه السيد حسن ظافر بمجاملة فطرية وآداب مهذبة وعند أول اجتماع مع السيد حسن ظافر قال خال الإمام – على وجه التواضع والتنازل – هذا ابن أختي قرأ عليَّ ولكنه الآن صار أرقى رتبة مني. فقال له السيد حسن ظافر: نحن لا يمكننا أن نعتقد بأن يبلغ شأوك أحد فضلاً عن أن يفوقك. وهذه عبارة تشعر بأن الأسرة الظافرية تقدر مقام الأستاذ حق قدره.

دار الفنون ومدرسة الواعظين:

زار الإمام مدرسة الواعظين وشاهد أحد الشيوخ يدرس باللسان التركي حول تكوين السحب والرعد والمطر، وبعد انتهاء الدرس نهض أحد التلامذة للسلام على الإمام وكان مرافقا له من «مرسين» حتى الأستانة وأعلمه بأن هذا المدرس هو الشيخ هو عبداللطيف الخربوتي معلم علم الكلام في دار الفنون ومدرسة الواعظين وله مؤلف بعنوان: «علم الكلام في عقائد أهل الإسلام».

طرفة حول القُفَّاز:

زار أحد التلاميذ من أبناء «بني غازي» خال الإمام الذي قال له إن هذا التلميذ رافقه من بني غازي إلى الأستانة فرأى عنده ما يلبس في اليد للوقاية من البرد فسأله عن اسمه في التركية والفرنسية فأجابه بهما ثم سأله عن اسمه عند العرب، فأجاب بعدم المعرفة. فقال الإمام: إن جهلك باسم شيء في لغة قومك مع علمك باسمه في لغات أخرى مما يلصق بك نقيصة ويجر إليك ملامة وأعلم أن اسمه في العربية «قُفَّاز».

وعكة صحية:

لا تخلو الرحلات خاصة ولا الحياة عامة من المنغصات فقد تعرض الإمام لوعكة صحية أثناء زيارته صحبة خاله منزل السيدين الحبيب بن الشيخ والمختار بن الشيخ التونسيان كانت على هيئة خفقان في القلب وضعف بالغ لا يعرف له سبباً وكان الوجع مؤلماً ولكنه لم يتأوه حتى سقط على الوسادة، ومن لطف الله أن حضر الطبيب العارف السيد رجب بقصد السمر فجس النبض واستجلب الدواء حتى استفاق الإمام من الغاشية وظلت الأسرة قائمة على رعايته والإشفاق والبر به حتى مطلع الشمس.

ومما يذكره الإمام أنه التقى في مكتبة بايزيد الرحالة الشهير خليل الخالدي فحدثه (أي الرحالة) أنه زار تونس سنة 1311هـ ودعاه أحد الطلبة الى منزله القريب من باب سيدي عبدالله واطلع عنده على كتاب «المدارك» قال: وذكرت اسمه في رحلتي فذكره الإمام أنه ذلك التلميذ الذي كان قد دعاه وأراه كتاب المدارك فاستأنف التحية والترحاب.

مغادرة الأستانه:

غادر الإمام الأستانة يوم السبت 6 من ذي الحجة على ظهر باخرة فرنساوية إلى مرسيليا وكان بصحبته الشيخ عز الدين أحد علماء طرابلس وله كلف بالشعر الرقيق وله محفوظات كثيرة منه ومن أشعار تونسية، وكان على جانب من الأدب حيث يغتنم الفرصة لمطارحته بإنشاد الشعر أو إنشائه.

ولما أشرفت الباخرة على بلدة «أزمير» وواجهت ركابها بمنظرها الهلالي أنشد الإمام:

لأزمير شكل كالهلال مقوس ... ولكن في منتهى البحر ألوان

وأحسبه الشكل الذي اختطف النهى ... لقوم فقالوا: في الكواكب سكان

أقامت الباخرة بأزمير ليلة وصبيحتها وصعد الإمام بصحبة الشيخ إلى سطحها فانكشف لهما منار على الرصيف يتضح ضياؤه مرة ويتوارى أخرى وهو منار أزمير فأنشد الإمام:

كأن منارا يهتدى بضيائه ... ومنظره المحمر يبدو ويختفي

حَشا تقذف الأشواق فيه بجذوة ... وآونة يرجو الوصال فتنطفي

قام الشيخ رفيق الإمام يصلي ذات مرة فوقف بعض النوتية على الباخرة يعبث بتقليده فأكمل صلاته بمنتهى اعتدال وطمأنينة وبعد أن خرج من الصلاة التفت إلى الإمام وقال: وهو مستريح الخاطر لا يعبأ بهذا الصنيع (يشير إلى أنه من لعب الصبيان):

إذا لم يكن مرُّ السنين مترجما ... على الفضل في الإنسان سميته طفلا

وصلت الباخرة إلى نابولي مساء يوم الجمعة وحين أرسل الليل ستاره رأى ركابها مناراً مشرقاً يتجلى في دائرة متسعة ثم يتضاءل إلى أن يصير في صغر الكواكب مثل كوكب السها فأنشأ الإمام:

تخال سراجا كالغزالة يتجلى ... ويلمع في لون السُّها حين يقلص

أقيم مثالا في العيان لقولهم ... على وصف إيماني يزيد وينقص

ثم أقلعت الباخرة إلى «مرسيليا» فوصلتها صباح يوم الأحد فنزل الإمام ومن معه وتجولوا في شوارعها الفسيحة بين مبانيها الشاهقة وركبوا عربة كهربائية طافت بهم في بعض أطراف المدينة، مقدار ساعة وهي مدينة عامرة بالحركة الدائبة والعمل المتواصل ليلاً ونهاراً.

العودة إلى تونس:

ركب الإمام الباخرة «قرطاج» وعندما أتت على سمت بلدة المرسى موطن صديقه الصدوق الإمام محمد الطاهر بن عاشور وحينما انكشفت مبانيها وبساتينها اشتد شوقه لطلعة هذا الصديق وتضاعف عنده تذكار عهده الوثيق فأنشأ مناجيا:

قلبي يحييك إذ هبت سفينتنا ... تجاه مطلعك المحروس يا علم

تحية أبرق الشوق الشديد بها ... في سلك ودٍّ بأقصى الروح ينتظم

ولما انسحبت السفينة إلى حلق الوادي وبعد مجاوزتها إلى الرصيف أخذت تتأهب لإرسال مراسيها أنشأ الإمام هذين البيتين ختم بهما المطاف وهما:

أرى سفري شعرا ولكن بيوته ... مفصلة في غير بحر وفي بحر

ومقطع عوْدي من بدائعه أَلا ... ترى عجُزا قد رُدُّ فيه على صدر

هذا ويأمل كاتب هذه السطور:

أن يكون قد حالفه التوفيق في جمع هذه الشذور رفقاً بالقارئ وأداء لشيء من حق الإمام.

وتبقى كلمة

سبقت الإشارة إلى أن الإمام قد قام برحلة إلى دمشق وأخرى إلى سوريا ولبنان وذلك بعد هجرته إلى مصر واتخاذها موطنا له وقد وجدنا أن كثيراً من الأسماء والمواقع التي ورد ذكرها في هاتين الرحلتين قد سبقت الإشارة إليهما في المرحلة السورية ومن ثم رأينا أن لا داعي للتكرار وعلى من يرغب في الإطلاع على تفاصيل رحلات الإمام كاملة فليرجع إلى ذلك في مظانه وبالله التوفيق.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news