العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (9): «... فليُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام...»

بقلم عاطف الصبيحي:

الجمعة ١٦ ٢٠١٩ - 11:27

 

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو الفصل ليس بالهزل، هو الناطق بسنة العدل والآمر بالفضل، هو حبل الله المتين والذكر الحكيم، هو وحي الله الأمين وحبله المتين، هو ربيع القلوب وينابيع العلم، وهو الصراط المستقيم، هو هدي لمن ائتم به وزينة لمن تحلّى به وعِصمة لمن اعتصم به وحبل لمن تمسك به. كلام يوزن بالذهب صدر عن أبي الحسن اقتبسته حتى استل من السياق كلمتين هما «هو ينابيع العلم» لأن هذه الجملة تتناسق وتتعاضد مع الهدف الذي نحن بصدده في هذه السلسلة، فحتى تكتب مقالا في هذه السلسلة لا بد أن تعود للمراجع اللغوية والتفسيرية أو التأويلية حتى تقف على الكلمة معنى ودلالة، حينها تجد كلمة علي رضي الله عنه شاخصة أمامك تُفصح عن نفسها، وتتصور الينبوع الحقيقي من المعاني والأفكار المتلاحقة كلما وقفت على كلمة وقارنتها بكلمة أُخرى قريبة لها بالمعنى، وتتراكم الوجدانيات في عالمك الباطني على حلاوة وطلاوة هذه الكلمات التي تتقارب جدًا وتستعصي على التطابق، أليس هو كما وصفه أبو تراب «وحي الله الأمين وحبله المتين» بلى.

من وحي الله هذا نخوض غمار موضوع القطع بثراء واسع ودقيق من لُب القرآن فأفرد لكل حالة كلمتها الخاصة بها، فإذا نحن أمام عائلة من المصطلحات أفرادها «البتك – البتر - البتل – الحسم - الصرم- الفصل - الفصم- القطع» والأمل يحدوني بأن يلحظ القارئ الكريم الفروق بين هذه المصطلحات ويا حبذا لو تذوقها.

البتك: قطع الأعضاء والشعر، «ولأمرنهم فَلَيُبَتّكُنَّ آذان الأنعام» 119 النساء، والبتك في معجم مقاييس اللغة هو القطع، والباتك هو السيف القاطع، وقال الخليل ان البتك للأعضاء والشعر فيقال بتك شعره وأذنه.

البتر: قطع الذنب والعقب، «إن شانئك هو الأبتر» 3 الكوثر، ذِكر محمد الرسول مشهود كل يوم خمس مرات في كل لحظة من لحظات الزمن باعتبار فارق التوقيت بين المناطق، فنفى الله عنه ما توهمه أعداؤه من انه أبتر العقب لا ولد له، ومن كان له ولد أصبح نسيًا منسيا.

البتل: قطع الاختلاط بالآخرين لأجل أمر مهم، «وتبتل إليه تبتيلاً» 8 المزمل، اقطع العلائق مع الآخرين لتنقطع إليه وتتفرغ لعبادته، ومن هنا جاء اسم مريم البتول المنقطعة عن الزواج، فيقال بتل عمله إلى الله أي أخلصه من الرياء.

الحسم: إزالة أثر الشيء بعد قطعه، «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حُسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية» 7 الحاقة، مما يعني إزالة أثر الحياة عنهم بعد قتلهم وكأنهم أشياء يابسة، وجاءت التشبيه بأفضل وابلغ صورة كأنهم أعجاز النخل التي لا حياة فيها.

الصَّرم: القطع الذي لا رجعة فيه، «إنّا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصْرِمُنَّها مصبحين» ويقال صرم الشيء أي جزَّه وقطعه، وعلى مثل هذا المعنى جاءت الآية 22 من سورة القلم «أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين» وقوله تعالى «فأصبحت كالصريم» 20 القلم.

الفصل: قطع صلة أحد الشيئين بالأخر حتى صار بينهما فجوة «ولمّا فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف» 94 يوسف، تباعدت فيما بينها، «وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصّل لكم ما حرم عليكم...» 119 الأنعام، «إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين» 40 الدخان.

الفصْم: قطع الجزء الذي يُمسك منه الشيء «فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها» 256 البقرة، أما القطع فهو إزالة بعض الشيء عن بعضه، «وقطعنا دابر الذين كذّبوا بآياتنا» 72 الأعراف، «وقطّعناهم اثني عشرة أسباطًا أُممًا» 160 الأعراف، تفريقهم إلى أجزاء، ومثلها الكثير من الشواهد القرآنية.

أخشى أننا نعيش الزمن الذي قاله علي بن أبي طالب «يأتي زمان على الناس لا يبقى من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه مساجدهم يومئذ عامرة بالبُنى خالية عن الهدى» خالية عن القراءة الواعية التدبرية، فهجرها هو السبب المباشر لذهاب القرآن من العقول إلا الرسم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news