العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٩ - الثلاثاء ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

ثمرات الحج (3)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١٦ ٢٠١٩ - 11:26

 

مازلنا في بيان ثمرات الحج العظيمة، فمن ثمراته اليانعة ترسيخ مفهوم العبودية الحقة، والطاعة المطلقة لله تعالى، فالعبد مع سيده ومالكه لا يملك من أمره شيئا إلا الطاعة والاستسلام لأمره والانقياد له، وهذا الجانب العملي يظهر بوضوح في الحج حينما يطوف بالبيت وهو حجر، ويسعى بين الصفا والمروة وهما جبلان من الحجارة، وحينما يرمي حجرا بحجر في رمي الجمرات يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وحينما يُقبل الحجر الأسود أو يستلمه، مع أن الله حرم تقديس الحجارة، إلا أنه يمتثل لأمر الله تعالى بالطاعة فيفعل ذلك كله تعبدا وطاعة لله من دون جدال أو اعتراض. يوضح هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قبل الحجر الأسود أو الأسعد فقال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله يُقبلك ما قبلتك؛ يعني أنه يفعل ذلك تعبدا وطاعة مع يقينه أن الأمر كله لله تعالى، وليس تقديسا للحجارة أو تعظيما، فهو سبحانه النافع والضار وإليه يُرجع الأمر كله. وفي هذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي. رحمه الله تعالى: ولذلك وظف عليهم أعمالا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول: كرمي الأحجار بالأحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال العبودية، فلا حظ للنفوس ولا أُنس فيها، ولا اهتداء العقل إلى معانيها، فلا يكون الإقدام عليها إلا امتثالا للأمر. وتلك ثمرة عظيمة في ترويض النفس وإلزامها الاستقامة على طاعة الله، ومن ثمرات الحج: أنه تربية أخلاقية للحجيج، حيث يرتقي الحاج في مكارم الأخلاق، فيجتنب كل خُلق مشين، ويتحلى بكل خلق حسن، فيُصلح الحج أخلاق المؤمنين، ويغرس في نفوسهم مكارم الأخلاق، قولا وعملا، منطلقا من قوله تعالى: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. سورة البقرة: 197، وتلك مكارم الأخلاق التي يتميز بها الإسلام، والتي مدح الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: «وإنك لعلى خُلق عظيم» (القلم: 4)، وحينما ننظر إلى الغاية من سائر العبادات في الإسلام من صلاة وصيام وزكاة نرى أن الغاية منها بعد طاعة الله تعالى وعبادته تربية النفس وترويضها على مكارم الأخلاق، والارتقاء بالمسلم في أخلاقه وسلوكياته، ليكون نموذجا يُحتذي به، وفي الحج يترفع الحاج عن كل قول أو فعل مشين، ويتحلى بكل خُلق حسن وصفة حميدة، مثل الكلمة الطيبة، والعفو والصفح عمن أساء، وترك الجدال والخصام، ويحرص على المحبة والتعاون مع إخوانه من الحجيج سواء كان يعرفهم أو لا يعرفهم، وهكذا يسمو الحاج في أخلاقه وتعاملاته وسائر تصرفاته، فيرجع إلى أهله وذويه قدوة في كرمه وجوده وبره وصدقه وحلمه وحُسن خُلقه، وهذا من علامات الحج المبرور كما ورد فيما رواه الطبراني والفاكهي في أخبار مكة بسنده عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا بِرُّهُ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ. ومن ثمرات الحج: أن الحج مؤتمر اجتماعي يغرس في النفوس المعاني الاجتماعية العظيمة مثل التعاون والمواساة، وإحساس الغني بالفقير، والحنو عليه بالبذل والعطاء والمعونة وكل ما يمكنه أن يساعد به، ورحمة القوي بالضعيف؛ 1ذ يأخذ القوي بيد الضعيف، يُعينه ويُساعده، ورحمة الكبير بالصغير، والتجرد الكامل من مظاهر الفوارق الطبقية الدنيوية، فقد تجرد الحاج من الأوسمة والنياشين والمناصب، حتى نسب القبيلة؛ فهو عبد لله وحده، حيث انكسار النفس والخضوع لله رب العالمين، حتى ولو إلى حين، فحين يرجع الحاج إلى أهله ووطنه وإلى مناصبه وقبيلته يتذكر ما كان عليه في الحج فيتخفف من عنفوان النفس وغرورها وكبريائها، حتى يكون الإيثار مكان الأنانية، والمحبة مكان العداوة فيرتقي المسلم في سلوكه ويقوى بنيان المجتمع، ومن ثمرات الحج: أنه ينفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة؛ أي: صدأه. أخرج النسائي وغيره عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة. قال الشيخ الألباني: حسن صحيح. وهذا على عكس ما يتصوره ضعاف الإيمان بأن في الحج إتلاف للمال، وإهدار للثروات، حتى نسمع بين الفينة والأخرى دعوات من هذا القبيل، حتى أعلنوا بها في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة، فالحج ليس فسحة أو نزهة بل هو عبادة فرضها الله تعالى علينا، وركن من أركان الإسلام، والنفقة فيه كالنفقة في سبيل الله تعالى، مع أنه ينفي عن الحاج الفقر والذنوب. وللحج مع ذلك ثمرات سياسية واقتصادية واجتماعية، تعود على الأمة بالخير وعظيم المنافع، إذا ما أحسنت الأمة التخطيط لموسم الحج المتكرر في كل عام، ليكون ملتقى سنويا متجددا تناقش فيه الأمة ما يعود عليها بالخير سياسيا واقتصاديا، وعسكريا وعلميا، وغير ذلك مما يرفع شأن الأمة، ويؤكد وحدتها وقوتها، لتحيا حياة العزة والكرامة، وتكون لها السيادة والمهابة، حتى يتحقق فينا وعد الله تعالى؛ كما في قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا» (النور: 65).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news