العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

التطبيق الخاطئ للإسلام

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١٦ ٢٠١٩ - 11:23

القاعدة الشرعية أن البينة على من ادعى، فالملحدون يدعون أن سبب إلحادهم القسوة والصراحة التي واجهوها من الآباء والمدرسة للالتزام بالصلاة والصوم واللباس الإسلامي، وما يسمعونه من الأساليب المجافية للعلم في حديث الدعاة والخطباء الذين يتوعدون الناس بالنار والعذاب المقيم، والدين عندهم صلاة وصيام وتسابيح وغُسل والطاعة العمياء للوالدين والمعلمين فلا حوار ولا نقاش ولا تفاهم إنما هي الطاعة والإذعان لما يقال، ولا يقلق هؤلاء الدعاة والمعلمين والمربين ما نحن فيه من تخلف علمي وتقني فهذه ليست مشكلة في نظرهم، لذلك لا يتطرقون إليها في خطابهم وتربيتهم ودعوتهم، كل هذا ربط الدين في نظر هؤلاء الشباب بالمظاهر الخارجية، وتعطيل التفكير والتخلف للمسلمين.

نقول لهؤلاء الشباب الناقم والملحدين كل ما تقولونه واقع مؤلم نفركم من الإسلام ودفعكم إلى الإلحاد.

والحقيقة أن السبب ليس الإسلام ولكن التوظيف السيئ للإسلام والفهم الخاطئ له.

هؤلاء الدعاة والمربون والآباء هم نتاج التربية الاستعمارية المقصود غرسها في عقول الدعاة والمعلمين والمتعلمين من خلال منهاج الدراسة الدنلوبية التي خطط لها اعداء الإسلام بفصلهم العلوم الكونية عن العلوم الشرعية، وتسمية العلوم الكونية بعلوم الدنيا والعلوم الشرعية بعلوم الدين، فزرعت الخصومة في عقول المسلمين بين العلوم الكونية الدنيوية والدين، حتى قال أحدهم كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين، العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين.

فكل العلوم الكونية تبعًا للمنحى السابق وسواس الشياطين، فعلوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا والفلك والطب والهندسة والزراعة والتجارة وغيرها وسواس الشياطين، لذلك يبطل همه المسلمين للتقدم والإبداع في هذه العلوم، وكما بينا في كتابنا مكانة العلوم الكونية في الحضارة الإسلامية أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قسَّم العلوم إلى قسمين كبيرين هما: علوم نافعة وعلوم غير نافعة؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله علمًا نافعًا وتعوذوا بالله من علم لا ينفع) رواه ابن ماجه وحسنه الألباني، فالحديث قسم العلوم إلى علم نافع مطلوب وعلم غير نافع مذموم، والأساس لتقسيم العلوم في الشريعة الإسلامية وكتاب الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى علم ديني ممدوح وعلم دنيوي مذموم.

وعندما علم المسلمون هذا اقاموا حضارة إسلامية علمية عملية تقنية شرعية ملأت الدنيا علومًا نافعة في الطب والهندسة والفلك والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والزراعة والصناعة والصيدلة، ولقد قامت الحضارة الغربية على أسس الحضارة الإسلامية التي سرقوها من اسبانيا والعراق ونقلوها إلى ديارهم ونسبوها إليهم وبدأت حضارتهم العلمية على هذا الكم والكيف من الإبداع العلمي للمسلمين.

وبذلك فالإسلام ليس السبب في تخلفنا العلمي، لقد رفع الإسلام من شأن العلوم النافعة ومن شأن العلماء فقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ» (فاطر 27-28).

العلماء الخاشون لله في هاتين الآيتين هما علماء الفلك (السماء)، والماء، والنبات، وعلوم الأرض (الجبال وغيرها)، والعلوم الإنسانية (الناس) وعلوم الحيوان.

أما أعمال العقل والتفكير والحوار والنقاش فالقرآن الكريم والسنة النبوية يزخران بالآيات والمواقف الداعية إلى ذلك، قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَاب * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران 190-191).

دعوة واضحة وقوية إلى التفكير العلمي العملي التجريبي للكون والأرض واختلاف الليل والنهار وما يترتب عليه من عمليات حيوية إنه التفكير الذي لا ينقطع في القيام والقعود وعند الدخول إلى الراحة والخلود على الجانب.

هذه الآيات تفند فرية ان الإسلام هو سبب تخلفنا، أبدا سبب تخلفنا هم الدعاة المتخلفون، أصحاب الخطاب الديني والفهم الديني المتخلف المعادون للعلوم الكونية وعلماء العلوم الكونية، الحاصرون الدين في الغسل والغيبة والنميمة وطاعة الكبراء والحج والعمرة والصيام، نعم هذه جوانب مهمة في الدين ولكنها ليست الدين، هي وسائل لانضباط المسلم في الحياة والعبادة بمعناها الشامل كما قال تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» (الأنعام 162-163).

وعن التربية السوية والحوار فالقرآن الكريم يزخر بآيات الحوار بين الأنبياء والرسل وأقوامهم، والله تعالى قال: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» (المجادلة: 1).

سمع الله المرأة وهي تجادل عن حقها وتشتكي إلى الله وتحاور حوارا رائعًا وأيدها الله تعالى في حوارها وجدالها ودفاعها عن حقها.

لا قهر في الإسلام، القهر في العقول والنفوس المقهورة المخدرة للمسلمين بدعوتها المنهزمة، القهر في تربية المعلمين المقهورين في صغرهم وفي مراحل تعليمهم، القهر في نظرة الآباء الخاطئة إلى الأخلاق الفاضلة وطاعة الوالدين بالقهر والخوف والوعيد.. لا تظلموا الإسلام ولكن انظروا إلى التوظيف السيئ لمفاهيم وحقائق الإسلام العظيم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news