العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

إهدار العمر في ما يعيق الفكر

أمامي الآن نص لمحاضرة ألقاها الدكتور فهد عبد العزيز السنيدي أستاذ المذاهب المعاصرة في جامعة الملك سعود، في أحد المنتديات ولا أعرف متى كان ذلك، فقد أعجبني محتواها وأذهلني، فهي محاضرة قيمة تستحق أن تناقلتها مختلف وسائل الإعلام، وإن كانت في جوهرها تلعن  خاش أداة إعلامية محددة هي التلفزيون.

كانت المحاضرة بعنوان «الإعلام والتعليم تعاون أم تنافر»، وألقاها الدكتور فهد في قاعة المحاضرات بإدارة التربية والتعليم في نجران بجنوب السعودية، وأورد فيها إحصاءات مذهلة، خذ مثلا: عدد قنوات قلة الأدب الموجهة الى الجمهور العربي 121 قناة (وليتك أيها القارئ لا تكون من الفئة التي ترى هذا الرقم وتصيح: وينها دلوني عليها، ما عندي منها غير عشرين)، والطالب الذي يكمل المرحلة الثانوية يكون قد أمضى 14 ألف ساعة على كراسي الدراسة و22 ألف ساعة أمام التلفزيون؛ وخذ في الاعتبار ان هناك أكثر من ثمانمائة فضائية عربية (ولعلك عرفت الآن السر في ثقب الأوزون وظاهرة التغير المناخي وانحطاط مخرجات التعليم النظامي)، ويضيف الدكتور فهد السنيدي انه بافتراض ان تعداد سكان دولة عربية ما يبلغ 10 ملايين، وأن ربع هذا العدد يخصص ساعتين يوميا للتلفزيون، فإن الوقت المهدر في المشاهدة يكون 1750 مليار ساعة او ما يعادل 250 مليون يوم عمل (لا تكن عبيطا وتقسم عدد ساعات المشاهدة على 24 ساعة لأن يوم العمل 8 ساعات أو دون ذلك بكثير او قليل).

ولعل بعض القراء يعرفون أن التلفزيون هو «أكل عيشي»، وقد كنت من قلة محظوظة في العالم العربي تسنى لها دراسة إنتاج البرامج التلفزيونية في البلد التي اخترعت التلفزيون وهي بريطانيا، وعملت في التلفزيون السوداني، وانتقلت بعدها عبر البحار والصحاري الى العديد من المحطات التلفزيونية، ورغم أنني لم أدرس الإعلام دارسة أكاديمية فإن العمل الإعلامي جذبني وشدني، وكنت محظوظا إذ حظيت بعدة دورات تدريبية في مجال العمل الصحفي عموما والتلفزيوني على وجه الخصوص، وصرت أجد فيه متعة كبيرة في العمل الصحفي لأنه لا يتسم بالرتابة، ومحتوى العمل يتجدد - احيانا - ساعة بعد ساعة.

ولكنني اعتبر تخصيص ساعات لمشاهدة التلفزيون يوميا «مضيعة» للعمر؛ نعم التلفزيون أداة تنوير وتثقيف مهمة، ولكن جرعات التنوير والثقافة التي يقدمها التلفزيون تشبه أقراص الفيتامين والحديد والزنك والكالسيوم إلخ التي يتناولها الذين يظلمون صحتهم بعدم الحصول على تلك المواد من مواردها ومظانِّها (الأغذية الطبيعية والشمس)، والبديل لا يمكن ان يقوم مقام «الأصل»، أعني ان الثقافة والمعرفة الحقيقية هي تلك التي في الكتب وربما في الإنترنت (ولو أنني أعرف ان الإنترنت فيه غواية التوهان والسرحان، تبدأ بالبحث عن معلومة معينة وتجد نفسك تنتقل من موقع إلى آخر وتنسى في نهاية الأمر الموضوع والمعلومة التي كنت تبحث عنها). وبصراحة أكثر فإن التلفزيون يقدم قشور الثقافة، فحتى القنوات الرصينة وذات الرسالة المحددة تمنعها عوامل الوقت والاعتبارات التجارية من التعمق في الأمور، وأقصى ما تقدمه لك هو ما يسمى رؤوس الأقلام والخطوط العريضة للمواضيع التي تطرحها،

وأحزن كثيرا لأولئك الذين يبرمجون ساعات يومهم في ضوء مواعيد بث المسلسلات التلفزيونية. نعم التلفزيون ضروري للترفيه والترفيه ضرورة من ضرورات الحياة، ولكن من الترفيه ما هو «تتفيه» وهي كلمة مشتقة من التفاهة. فلماذا تظل تشاهد سنة بعد سنة عشرات المسلسلات وكلها تحكي عن غدر الحبيب ومشاكل المتزوجين وجنوح الشباب وخبل الشياب وحكايات المساطيل وتجار مواد التسطيل؟ ما العائد من متابعة حوار مع نجوى كرم أو حسن حسني وكل منهما يتكلم عن أكلته المفضلة وكيف انه يهتم بعائلته ويقدس الحياة الزوجية؟

وهناك الفضائيات العربية التي بلغت درجة من الانحطاط المهني والخلقي ونجحت -للأسف- في شد انتباه الملايين من السذج والبلهاء،.. وهذا موضوع سأتناوله غدا بمشيئة الله.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news