العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دلالات المباحثات حول الأمن البحري بين إيران والإمارات

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الأربعاء ١٤ ٢٠١٩ - 01:00

للمرة الأولى منذ ست سنوات؛ التقى مسؤولون إيرانيون وإماراتيون، يوم الثلاثاء، 30 يوليو، لبحث الأمن البحري في الخليج. وعُقد الاجتماع بين وفد إماراتي مكون من سبعة أعضاء يرأسهم العميد «محمد الأحبابي» قائد قوات خفر السواحل، مع قادة حرس الحدود الإيرانيين برئاسة العقيد «قاسم رضائي». وتناول الاجتماع قضايا تنوعت ما بين أمن الشحن وحركة الملاحة في مضيق هرمز وقضايا وحقوق الصيد، وتم توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز أمن الحدود بين البلدين، نصت على أنه «في حال الطوارئ الحدودية يتم التنسيق بين الجانبين من خلال وسائل التواصل أو الاجتماعات الحضورية».

وقال «الأحبابي»، عقب المباحثات، إن توقيع مذكرة تفاهم حدودية هو «خطوة إيجابية من أجل حفظ مصالح البلدين، والارتقاء بأمن الحدود والسيطرة عليها وتسهيل العبور». في حين رأى «رضائي» أن: الاجتماع «يعد انفراجة في طريق تحقيق مستوى عال من الأمن وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين». 

ويأتي اللقاء وسط تفاقم التوترات في الخليج بين إيران والغرب، وبشكل خاص مع بريطانيا والولايات المتحدة، والتي بلغت أوجها في ضوء هجوم طهران على السفن واحتجاز الناقلات التي تمر خلال مضيق هرمز. وكانت قد احتجزت في أوائل شهر يوليو الماضي ناقلة نفط إماراتية بتهمة تهريبها وقودا إيرانيا مدعما إلى الخارج بشكل غير قانوني، وهو الأمر الذي رفضته الإمارات ونفت ملكيتها للناقلة.

وأثار إرسال وفد إماراتي إلى طهران دهشة العديد من المراقبين، بالنظر إلى معارضتها الواسعة لسياسة إيران العدوانية في الشرق الأوسط، التي باتت تُهدد مصالح الخليج. غير أن البعض الآخر رأى أن هذا التواصل والتعاون لا يتعارض مع سياسات الإمارات الإقليمية، بل «يشكل جزءًا أساسيا من نهجها الجيوسياسي، لخدمة مصالحها الوطنية بعدة طرق». ويمكن الإيجاز أن هذه المباحثات على الرغم من أنها لا تُشير إلى تقارب بين الإمارات وإيران فإنها في الواقع ستعمل على تلطيف العلاقات الثنائية بينهما بغض النظر عن تفاقم التوترات في الخليج.

وفي الآونة الأخيرة، اتجهت الإمارات إلى تأييد الإجراءات التي تقودها أمريكا والسعودية لتقييد سياسة إيران ذات النزعة التخريبية في المنطقة، انطلاقًا من دعمها عناصر متطرفة عبر مختلف أنحاء الشرق الأوسط من جماعات شيعية متمثلة في حزب الله اللبناني ونزعتها إلى التهديد بإغلاق مضيق هُرمز أمام الملاحة البحرية في الخليج، وهو الأمر الذي دعا الدولتين إلى ممارسة استراتيجية «أقصى ضغط» ضد إيران؛ وهو ما تمثّل في انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على التعاملات المالية والصادرات الإيرانية. 

وفي هذا الصدد، أشار «روي ييلينك»، من «معهد الشرق الأوسط»، إلى أن «إيران تُمثل خطرًا كبيرًا على كل من السعودية والإمارات والبحرين، وقد تفاقم هذا بفعل الهجمات الأخيرة التي قامت بها طهران ووكلاؤها في المنطقة؛ على البنية التحتية لخطوط الأنابيب في الخليج وحركة الملاحة والشحن، وهو الأمر الذي يُعظّم مخاوف الإمارات ودول الخليج الأُخرى تجاه أسلوب إيران العدائي». وقد دفع هذا إلى تعزيز الإمارات أيضًا دورها في تحالف دعم الشرعية في اليمن بتقديمها الدعم للسعودية ضد فصائل الحوثي المتطرفة التي تدعمها إيران. 

وعلى الرغم من الخلافات القائمة بين الإمارات وإيران، وهو ما يتضح منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 2016، فإن هناك عددا من القضايا التي ترى الإمارات أن مصلحتها الاستراتيجية تقتضي العمل مع إيران أو التواصل معها على أقل تقدير؛ من بينها الحفاظ على تدفق حركة الملاحة والشحن في الخليج؛ إذ يعتمد اقتصاد الإمارات كمركز إقليمي للتمويل والاستثمار والتجارة عبر أبوظبي ودبي اعتمادًا كليا على الخليج ومضيق هُرمز على وجه الخصوص، كما أنه من مصلحتها أن يظلا آمنين ومفتوحين للتجارة البحرية الدولية. ويشير «مركز ستراتفور» الأمريكي إلى أنه «لا يزال الاقتصاد الإماراتي عُرضة للصدمات الخارجية وتعطل حركة النقل البحري في المنطقة؛ مع اعتماد معظم موانئه على حركة المرور من دون عوائق عبر مضيق هرمز». 

ويؤكد كل من «روري جونز» و«بنويت فوكون» في صحيفة «وول ستريت جورنال» أن: «الأزمة بالخليج تسببت في ارتفاع أسعار النفط وزيادة كلفة الشحن، كما دفعت بعض مالكي السفن إلى تجنب المرور بهذه المنطقة». ويُمكن اعتبار الاجتماع الأخير دليلًا على هذا القلق؛ إذ خلصت الإمارات إلى ضرورة تعاونها مع إيران لتحقيق استقرار الوضع السياسي والأمني في الخليج حتى يتسنى استمرار نموها الاقتصادي من غير عراقيل، وذلك على الرُّغم من معارضتها طهران في عدة مناطق وبؤر ساخنة أخرى. وتؤكد «إيما أشفورد»، من «معهد كاتو» بواشنطن، أن «دولة الإمارات لا تزال واحدة من أكثر الجهات الفاعلة والأكثر هدوءًا في سياستها الخارجية بالشرق الأوسط، إذ تعمل على حماية رهاناتها ومصالحها السياسية الخارجية وترغب في الوقت ذاته في الابتعاد عن أي أضرار أو تداعيات لا تحمد عقباها».

وعلى نطاق أوسع من السعي لتحقيق الاستقرار في الخليج، تشترك إيران والإمارات في عدد من المجالات الأخرى بالتعاون والتنسيق منذ أمد بعيد، وهو ما يوضحه «أمير وحدت» في وكالة «أسوشييتد برس» الأمريكية، من أنه «على الرغم من جو التنافس السياسي بينهما في المنطقة فإن الإمارات وإيران حافظتا على الروابط بينهما»، إذ أبقت الإمارات سفارتها في إيران مفتوحة، كما أن دبي مازالت قبلة للسائحين الإيرانيين. «ويحتفظ المواطنون الإماراتيون ذوو الأصول الإيرانية بروابط مع إيران، ويديرون مستشفيات ونوادي ثقافية ومدارس في دبي». كما تعد الإمارات أكبر شريك تجاري لإيران. وأظهرت تقارير أن الإمارات تصدرت قائمة الدول العربية من حيث التبادل التجاري مع طهران خلال عام 2017، بقيمة 13 مليار دولار. وتستحوذ دبي على نحو 90% من إجمالي حجم التبادل التجاري، بينما بلغت الصادرات الإيرانية نحو خمسة مليارات دولار، فيما بلغت الصادرات الإماراتية إلى إيران نحو سبعة مليارات. وتعد الإمارات هي أكثر دول العالم تصديرا لإيران، إذ تشكل صادراتها نحو 30% من واردات طهران.

ومن هذا المُنطلق، يُمكن اعتبار الاجتماع الأخير لمناقشة مسألة النقل البحري وتأمينه استمرارًا للالتزامات المُنخفضة المستوى التي عززت العلاقات الإماراتية الإيرانية سنوات عديدة، والتي استمرت على الرُّغم مما اعتراها من خلافات سياسية شديدة وعداء نشط.

ومن بين الأمور البارزة الأخرى التي تسعى الإمارات إلى الحفاظ عليها من خلال الروابط الودية مع إيران -وإن كانت روابط ضعيفة- هو تجنب حرب تقليدية واسعة النطاق بين واشنطن وطهران في الخليج. يقول «فراس مقصاد» من كلية «إليوت» للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن: «لا شيء يأخذ العقل مثل احتمال نشوب نزاع مسلح.. وأي نوع من الصدام، مهما كان محدودا بين واشنطن وإيران، من شأنه أن يضع الإمارات في وضع غير عادي». ويوضح «آندرياس كريج» في «موقع ميدل إيست آي» البريطاني أن عدم القدرة على التنبؤ وحالة الغموض التي تنتاب الإدارة الأمريكية بشأن ما قد تقدم عليه إيران قد أثار حالة من القلق لدى أبوظبي، ويبدو أن هناك إجماعًا على أن التهديدات التي قد تستهدف الولايات المتحدة قد تكون ذات عواقب مباشرة قليلة، ولكن ستكون الإمارات -ودول الخليج الأخرى- في الخطوط الأمامية للتعرض لويلات أي حرب محتملة. 

وتدرك «أبوظبي»، أن أي حرب في الخليج ستكون كارثية على دول المنطقة. وبحسب «ريان بول» من مركز «ستراتفور» فإن «التوتر مع إيران أثار قلق الإمارات، وخاصة أن أي اشتباك قد يؤدي إلى نزاع شامل. وفي حال أطلقت إيران عددا قليلا من الصواريخ على الإمارات فسيؤدي إلى خروج كبير للعمالة الأجنبية، وسيكون الأمريكيون والأوروبيون العاملون هناك أول من يهرب؛ ما سيؤثر على القطاع المالي والعقاري».

على العموم، تسعى الإمارات مثل دول الخليج الأخرى إلى تخفيف حدة التوترات في المنطقة، وتجنيبها حربا لا تحمد عقباها. ويأتي الاجتماع الأخير للتباحث حول أمن الخليج في هذا السياق، والذي لا يمكن اعتباره تقاربًا بالمعنى الواضح، بل هو تطور لتبني سياسة معنية بالحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات بين كلتا الدولتين والتي تكون مدفوعة عادة بمصالح اقتصادية وأمنية متبادلة على الرغم من الاختلافات الكبرى بينهما حيال عديد من القضايا مثل الحرب الأهلية اليمنية، ورعاية إيران الجماعات الإرهابية الإقليمية. 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news