العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تونس تمتحن «النهضة» من جديد

تونس التي اجتازت بأقل الخسائر محنة ما يسمى بـ«الربيع العربي» الذي انطلقت أمواجه الأولى من العاصمة التونسية عام 2011, هي الآن على موعد مع امتحان سياسي في غاية الأهمية يتمثل في الانتخابات الرئاسية المبكرة المقرر لها أن تجرى يوم 15 من شهر سبتمبر القادم وفقا للدستور التونسي بعد وفاة الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي الذي قاد تونس في فترة سياسية حرجة استطاع خلالها أن يوفق بين متطلبات التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها البلاد وبين المحافظة على أرث وأسس الدولة المدنية العلمانية، هذه الانتخابات المبكرة مرشحة لأن تكون واحدة من فترات الامتحان السياسي الهامة في الحياة التونسية ما بعد حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

تكمن حساسية وحرج الانتخابات المبكرة في كونها الأولى التي تقرر فيها حركة النهضة الإسلامية (الإخوان المسلمون التونسيون) الدفع بمرشحها الى منصب الرئاسة حيث أعلنت الحركة أن نائب رئيسها عبدالفتاح مورو سيترشح لهذه الانتخابات وهي المرة الأولى التي تقدم فيها الحركة مرشحا عنها للرئاسة منذ سقوط نظام الرئيس بن علي عام 2011. وليس هناك أدنى شك في أن «النهضة» تمتلك حظوظا قوية للفوز في هذه الانتخابات أو على أقل تقدير من الدخول في جولة الإعادة إذا ما فشل أي من المرشحين في تحقيق نسبة الفوز المطلوبة.

هذه الحركة الإسلامية التي تربى قادتها وعلى رأسهم زعيمها راشد الغنوشي، تربوا في أوروبا وعايشوا وتأثروا بالمناخ الديمقراطي والتعددية السياسية التي تتميز بها وتحترمها الدول الأوروبية، هذه «التجربة» الحياتية لهؤلاء القادة تركت أثرا في سلوك الحركة السياسي بعد خروجها من تحت الأرض والبدء في العمل السياسي العلني في تونس، ولكن السنوات الثماني التي انقضت من عمر التجربة السياسية التونسية بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي لا يمكن الركون إليها واعتبارها امتحانا حقيقيا لما يمكن وصفه بالتحول السياسي الجذري في سلوك ونهج وتوجه حركة النهضة الإسلامية التونسية.

من السابق لأوانه الاطمئنان إلى مدى قدرة، بل وأهلية «النهضة» الإسلامية، على الالتزام الحقيقي والصادق بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة التونسية منذ وضع باني تونس الحديثة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في منتصف خمسينيات القرن الماضي هذه الأسس التي وفرت الظروف الموضوعية للنهضة التونسية، الأسس التي ستشكل امتحانا حقيقيا لحركة «النهضة» إذا ما تسنى لها تسلم مهام قيادة الدولة التونسية، هي الحفاظ واحترام مدنية الدولة وعلمانيتها، وهو ما يعني التخلي عن مشروع الدولة الدينية الذي بقى هدفا ثابتا ورئيسيا في المشاريع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، والنهضة واحدة من فروعها.

خلال السنوات الأولى التي تلت الإطاحة بنظام الرئيس بن علي وبداية انخراط مختلف القوى السياسية التونسية في العمل السياسي، بما فيها حركة «النهضة» حاولت الأخيرة فرض رؤيتها العقدية على الحياة السياسية وسجلت أكثر من موقف تصب كلها في إطار توجهها الآيديولوجي العقدي، من خلال حديثها عن «الطابع الديني للشعب التونسي»، أو اعتراضها على العديد من مشاريع القوانين التي رأت فيها، من وجهة نظرها طبعا، أنها «تخالف» التعاليم الدينية الإسلامية، لكنها لم توفق في هذه المحاولات نتيجة لتغلغل الجذور المدنية والعلمانية في شرائح واسعة من الشعب التونسي، بما في ذلك من يدعمون حركة «النهضة» سياسيا، وليسوا منتمين لها. 

بعض الأصوات في تونس، بما في ذلك عدد من القوى السياسية ذات التوجهات السياسية والعقدية غير الإسلامية، متوجسة، ليس من مشاركة حركة «النهضة» في هذه الانتخابات، وإنما من فرصة فوزها بالمقعد الرئاسي، وهذا الخوف أو التوجس يكمن في مدى قدرة الحركة على الالتزام بمدنية وعلمانية الدولة التونسية، يتوجسون من هذه الإمكانية وعيونهم مصوبة ناحية التجربة التركية، فرغم استمرار التجربة الديمقراطية التركية وتأكيد حزب العدالة والتنمية الحاكم «التزامه» بمدنية الدولة وعلمانيتها التي أرسى أسسها مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، فإن القوى السياسية التركية تتهم الحزب بالتراجع التدريجي عن هذه العلمانية.

من حيث المبدأ، سواء كانت توجسات ومخاوف القوى السياسية التونسية مما يمكن أن يحدث فيما لو فازت حركة النهضة بمنصب الرئاسة، في مكانها من عدمه، فإن هذه القوى ليس أمامها سوى التسليم بنتائج ما تفرزه صناديق الاقتراع التي تحدد الفائز فيها، وطالما حركة «النهضة» معترف بها كفصيل سياسي تونسي فإن من حقها كغيرها من باقي الأحزاب أن تتنافس على جميع المراكز السياسية، رئاسية كانت أم تشريعية، فاحترام صناديق الاقتراع هو احترام للشعب التونسي وإراداته، وهذا هو الطريق الذي من شأنه أن يفيد التجربة التونسية، والحكم على حركة «النهضة» أو غيرها من الفصائل يتم من خلال أفعالها وممارساتها فقط.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news