العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

لا تستهينوا بهذا الخبر!

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الثلاثاء ١٣ ٢٠١٩ - 01:00

خبر نُشر في وسائل الإعلام المحلية في الصفحات الداخلية تحت عنوان: «إغلاق صيدلية مدة عام كامل وإيقاف مديرها بسبب دواء لارِيكا»، حيث جاء في الخبر أن الهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية قررت إغلاق إحدى الصيدليات الخاصة مدة عام واحد وإيقاف مديرها عن مزاولة المهنة سنة كاملة لمخالفتها أصول المهنة عبر بيع دواء «لاريكا» من دون وصفة طبية وأعلى من السعر المحدد من الهيئة.

وإنني على يقين أن الكثير من الناس لم يقرؤوا هذا الخبر، ومن قرأ هذا الخبر فمرَّ عليه مرور الكرام ولم يستوعب الأبعاد الخطيرة لمضمون وانعكاسات هذا الخبر، وتهديده لكيان المجتمع البحريني من الداخل، وهزِّه للأمن الصحي للشعب البحريني، فمثل هذه الأخبار التي يستهين بها الكثير من الناس أوقعت الشعب الأمريكي في شباك الإدمان على المخدرات، وأنزلت عليهم وباءً عميقا عصيبا غطى الولايات المتحدة الأمريكية برمتها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، ومثل هذه الأخبار اضطرت الرئيس الأمريكي ترامب إلى الإعلان في 26 أكتوبر عام 2018 في البيت الأبيض أعلى درجات التأهب والحذر وهي «حالة الطوارئ الصحية» على المستوى القومي بسبب الوضع العصيب والكرب العظيم الذي ينخر في جسد الشعب الأمريكي ويعاني منه الجميع من شباب وشيوخ في إدمانهم على الحبوب المسكنة للألم والمهدئة، وعلى المخدرات عامة، حيث وصف ترامب هذه الحالة الكارثية قائلاً إنها «أسوأ أزمة مخدرات في تاريخ أمريكا»، كما أضاف: «إنها حالة طوارئ قومية، وسنصرف الكثير من الوقت، والكثير من الجهد، والكثير من المال على أزمة الأفيون». وإلى جانب المردودات الاجتماعية والصحية والنفسية للإدمان على المخدرات، فإن الجانب الاقتصادي يرهق كاهل الميزانية الأمريكية، إذ أعلن البيت الأبيض في 20 نوفمبر 2017 أن الكُلفة الحقيقية الفعلية في عام 2015 لوباء المخدرات عامة والأفيون خاصة بلغت 504 بلايين دولار، كما أكد مجلس المستشارين الاقتصاديين التابع للبيت الأبيض أن هذا الإرهاق المالي الباهظ الذي يتكبده المجتمع الأمريكي في ازدياد مطرد مع الوقت نتيجة لتفاقم الأزمة وازديادها سوءا وتوسع دائرة انتشارها في كل الشرائح والفئات وكل الأعمار، فوباء المخدرات أَعتبرهُ قنبلة تدمير شامل للاقتصاد الأمريكي، بحسب دراسة أجرتها جامعة برينستن المعروفة ونُشرت نتائجها في التاسع من يوليو 2017 في وسائل الإعلام الأمريكية، إذ أكدت تأثيره المزمن على الاقتصاد الأمريكي من ناحية مرض وغياب وموت العمال المدمنين على المخدرات وضعف الإنتاجية، وقدَّرت الدراسة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ضعف الإنتاجية بنحو عشرة بلايين دولار سنويا، كما خصص الكونجرس في عام 2016 في عهد أوباما مليار دولار لمنع وعلاج الإدمان بحسب قانون «علاجات القرن الحادي والعشرين».

فحَبة «لاريكا» التي كادت تنشر في بلادنا تُعتبر من الحبوب المسكنة للألم والمهدئة للأعصاب، والطامة الكبرى في الإفراط في استخدام هذا الدواء هو أن الإنسان يُدمن على تعاطيه مع الزمن كالمخدرات، وهذه الحبوب تنقل المدمن إلى مستويات أعلى من الحبوب المسكنة والقاتلة للألم والمخدرة القوية كحبوب الأفيون وغيرها، كما حصل فعلاً للشعب الأمريكي.

فالشعب الأمريكي، بحسب الكثير من التقارير المنشورة من الجهات الحكومية الرسمية، أدمن على المخدرات القاتلة للفرد والمدمرة للأسرة والمجتمع لأسباب كثيرة، منها قيام شركات الجشع والمال المنْتجة للحبوب المسكنة للألم والمخدرة والتي تؤدي إلى الإدمان، بحسب وصف المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكي إليزابيث وارن (Elizabeth Warren) لعام 2020، بِغرق المجتمع الأمريكي بطوفان من المليارات من هذه الحبوب ونشروها بجميع الطرق الشرعية الرسمية والطرق غير الشرعية المحرمة، وجندوا كل المرتزقين الذين باعوا ضميرهم للمال للقيام بهذه المهمة، سواء كانوا أطباء، أو ممرضين، أو صيادلة، أو الشركات الصغيرة الأخرى الموزعة لهذه الحبوب.

وقد نَشرتْ صحيفة الواشنطن بوست سلسلة من التحقيقات حول إدمان أمريكا على المخدرات وبالتحديد الأفيون، منها المنشور في 21 يوليو من العام الحالي وآخر تحقيق نشر في الثاني من أغسطس، حيث أفادت بأنه قد تم إنتاج وشحن 76 بليون حبة مهدئة ومسكنة للألم من الأفيون والمعروفة بأُكسي كونتن (OxyContin)، أو المادة الفاعلة في هذا الدواء وهي أُكسي كودون (oxycodone) إلى السوق الأمريكية خلال الفترة من 2006 إلى 2012. وعلاوة على الشركات العملاقة التي عندها براءة اختراع وصناعة الأدوية، فقد حصلت شركات أخرى صغيرة على رخصة إنتاج هذه الحبوب المخدرة والمهدئة (generic-drug)، وهي بدورها اكتسحت السوق بتوزيع هذه الحبوب في كل حي من أحياء مدن أمريكا وباعتها بأسعار رخيصة ساعدت على انتشارها بسرعة شديدة.

وبعد عقود من توغل آفة الإدمان في كل أسرة أمريكية، بدأت الجهات المعنية بسبر غور هذه الحالة العصيبة والريح الصرصر العاتية التي هبَّت على الولايات المتحدة الأمريكية، فأيقنت أن هذه الحبوب المسكنة التي تم الاستهانة بمفعولها على المجتمع الأمريكي وتجاهلها سنوات طويلة هي من أهم أسباب سقوط الشعب الأمريكي ضحية لوباء الإدمان. ولذلك شرعت الإدارة المختصة في الحكومة الاتحادية بالتحقيق في جميع ملابسات تسويق وتوزيع هذه الحبوب، حيث اعترفت بعض هذه الشركات الكبرى بمسؤوليتها في خلق هذا الوباء لأنها كانت تدَّعي أن هذه الحبوب لا تُسبب الإدمان وليست لها آثار جانبية، إضافة إلى أنها كانت تستخدم طرقا ملتوية وغير شرعية في إغراق المجتمع الأمريكي بالحبوب، فوافقت على عمل تسوية في المحكمة للقضايا التي رُفعت ضدها والتي بلغت أكثر من ألفي قضية، ودفعت 635 مليون دولار، كما استسلمت شركة ملينكرودت (Mallinckrodt) ورفعت العلم الأبيض في المحكمة ووافقت على دفع مبلغ 35 مليون دولار لتسوية جميع القضايا المرفوعة ضدها.

فهذا الوباء الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية صحيا واقتصاديا واجتماعيا يجب أن يكون لنا درسا واقعيا نراه أمامنا، ومختبرا حيا نشاهد نتائجه أمام أعيننا، لعلنا نتعظ ونتعلم ونستفيد من هذه الخبرة القاسية والوضع المأساوي المؤلم، فلا نقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها المجتمع الأمريكي، وبالتحديد من الذي يُطلق عليه ببساطة «الحبوب المسكنة والمهدئة للألم مثل لاريكا».

 

bncftpw@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news