العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الأضحى... أمنيات وتطلعات بعيد دائم

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ١٢ ٢٠١٩ - 01:00

لا ريب في ان المتأمل في وقفة عرفة وبقية مناسك الحج، حيث يجتمع ملايين المسلمين بقلوب مؤمنة خاشعة متطلعة إلى رحمة الله تعالى وغفرانه وهداه، فلا خوف الا منه، ولا ملجأ الا اليه، ولا هدي الا هداه، ولا طريق إلى الفوز الا ما امر به جل في علاه، معظّمة لخالقها، مذعنة بفطرتها لتعاليم دينها، سائرة على نهج نبيها الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الابرار وال بيته الاطهار، لا يفرقها لون بشرة أو اختلاف لغة اوموقع دولة أو وضع اجتماعي أو امكانات مالية أو قدرات تأثيرية، متوحدة في التوجه إلى الله جل شأنه في علاه، فهم جميعا مسلمون، فلا عرقية ولا طائفية ولا قبلية ولا فئوية ولا مناطقية ولا مناصبية ولا شحناء ولا تباغض ولا احتراب على صعيد عرفة، الله ربهم ومحمد نبيهم والقرآن كتابهم، والجنة مطلبهم والخوف من النار يدمع عيونهم، وكل ما سواه أمر شخصي، لا موقع له ولا ذكر امام وحدتهم الدينية والمكانية. انهم اخوة الإسلام، انهم امة الإسلام، فما اعظم منظرهم وما اجل شعيرتهم، ان العين لتدمع خوفا مما اقترفناه ونحن نلهث حول دنيا فانية، وتدمع فرحا بوعد الله جل في علاه لعباده التائبين، والقلب يخشع اجلالا للموقف العظيم، الموقف الرباني حيث نعمة الإسلام، فما اعظمها من نعمة اسبغها الله على عباده فزادهم قوة بعد ضعف، ووحدة بعد فرقة، فلا اجتهادات، ولا افراط، ولا تفريط، ولا اختلاف في اداء شعائر الحج، فزادهم الله امنا بعد خوف، وسلاما بعد حرب، وأملا بغد افضل بعد ضياع وتشتت، فما اعظم هذا الموقف الرباني الذي يشعرنا بأننا خير امة اخرجت للناس، ليس بجبروتها، ولا بتسليحها، وليس باضطهادها أو تعاليها على الآخرين أو الانتقاص منهم، بل خير امة بما تقدم من خير، بما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر من شر وغيره، فنحن بشعائر الدين ومناسكه امة عظيمة موحدة متساوية في حقوقها وواجباتها، بل في خضوع لله وحده، كلنا متساوون في شعائر الحج، لسنا بحاجة احد، ولا يستطيع اي كان ان ينفعنا امام الله، ولا حاجة إلى رقيب في اداء الواجبات، ولا وساطة لنيل الاجر والحقوق، فما اعظمه من موقف، وما اروعه من تجمع، انه تجمع عرفة، والحج عرفة.

ان الفرد منا ليتمنى ان تطول هذه الأيام المباركة اشهرا وسنوات وليس اياما معدودات، انها ربيع القلوب رغم حرارة الشمس التي يكبحها لهيب الايمان. حتى اننا لا نريد ولا نتمنى انتهاء مناسكها خوفا من ان نعود إلى سوء حالنا وهوان امرنا، وتشتت مرئياتنا، وضعفنا وفرقتنا وضياعنا في أوطاننا الإسلامية المتعددة مقارنة بجمعنا هنا في عرفات الله ومنى ومزدلفة وحول الكعبة المشرفة كأمة واحدة امام الله، الا اننا على النقيض بعيدا عنها، قلوب وسياسات شتى. ولسان حالنا يقول هل ياتي يوم لا تنحصر فيه وحدتنا في أدائنا للشعائر، بل تمتد إلى مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية، والاقتصادية وغيرها، وان التباينات في تفاصيل حياتنا ينبغي ان تطرح جانبا ولا تسمو فوق ما يوحدنا، كحالنا في مناسك الحج. وبذلك سنكون فعلا امة، فعلا قوة لا تضاهيها قوة، وسنكسب خير الدنيا والآخرة، كما وعدنا الله في كتابه العزيز. وقفة عرفة وبقية مناسك الحج لتعطينا انموذجا لدولة غاية في الفضل والعدالة والمساواة، ليس عدل محكمة العدل الدولية وليس مساواة المنظمات الحقوقية الدولية المفصلة حسب الاهواء السياسية والاغراض التآمرية، فهل نعي ونتعلم ونرى في يوم ما، تعاونا وتكاملا صادقا بين دولنا الإسلامية دون املاءات خارجية، ودون خضوع لتوجيهات اجنبية. والتعامل مع مشكلاتنا واختلافاتنا بمنطق العقل والحكمة بما يوصل إلى الوئام والسلام. وبما يسهم في تعزيز قيم امتنا النبيلة، وبناء جسور المحبة والاستقرار والامان، ويوطد قواعد التنمية في بلادنا الإسلامية، فلا تنمية دون امن مستتب، ولا امن دون ثقة ووئام وسلام. 

انه قد يبدو حلما في ظل الاوضاع السياسية الراهنة التي يعيشها عالمنا الإسلامي، ولكن ليس مستحيلا على الامة التي نبيها وقدوتها وقائدها محمد صلى الله عليه وسلم. فلنتأمل معاني الحج ووحدته، فالتأمل والتفكر بها والنفحات الروحية الصافية التي تنبثق عنها، تتطلب تحريكا للعقول قبل العواطف، تتطلب مقارنة بين ما كنا عليه وما وصلنا اليه وما قد يحل بنا في المستقبل ان استمررنا بذات النهج، التأمل والتفكر يتطلب ان نستيقظ من نومنا حتى وان كان زاخرا بأحلام وردية، التأمل والتفكر ينبغي ان ينتهي بنا إلى ان نستكشف حالنا ونشحذ الطاقة الروحية النابعة من هذه المناسبة العظيمة لإصلاح الحال وتجاوز الهنات ونبدد الازمات التي نعيشها؟ والتي موضعها انفسنا قبل ان تكون في السياسة أو الامن أو الاقتصاد أو غيره.

إننا نتطلع إلى بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية وقيادتها العربية المسلمة الاصيلة، وبقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي الكرام، الذين عرفناهم دائما انهم حكماء الامة، ورصيد رشدها، وانهم منطلق للوحدة، نتطلع اليهم جميعا، إلى الدعوة إلى عقد مؤتمر في مكة المكرمة وبجوار بيت الله الحرام لملوك ورؤساء وامراء الدول الإسلامية دون استثناء لمناقشة الاوضاع الدولية والإقليمية الراهنة، وسبل تجاوزها، وبما يعزز وحدتنا ويجسر الفجوة بين اختلاف مرئياتنا، وننظر إلى مستقبل اجيالنا لتعم الفرحة والسرور والازدهار ربوع امتنا الإسلامية، ولتعيش شعوبنا الإسلامية حياة آمنة مستقرة، وذلك لعمري نصر ما بعده نصر. فلنجعل من وقفة عرفة ومناسك الحج دافعا ومحركا جديدا لوحدتنا المرتقبة ونصرنا الناجز بعون الله. وانكم يا قادتنا الاجلاء اهل للمكارم، بل انتم صناعها، إليكم العيون تتطلع، والآمال بكم لا حدود لها، وإنكم لقادرون بعون الله ان تجعلوا الاحتفال بعيد الاضحى المبارك احتفاء دائما بنصركم المبين، حيث لا نصر اعظم من السلام والامن والاستقرار والتنمية. وختاما نقول الحمد لله على فضله وإحسانه، الذي متعنا بالصحة والعافية والأمن والاستقرار واسمى التهاني واطيب التبريكات لقياداتنا الخليجية الظافرة وفي مقدمتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية اطال الله في عمره، ولسيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه، ولصاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، ولصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الامين، ولشعوبنا الوفية المؤمنة المحافظة على بيعتها وعهودها وولائها، ونسأل الله جل في علاه ان يعيد هذه المناسبة على الجميع اعواما عديدة وازمانا مديدة، وكل عام وامتنا الإسلامية تنهض بخطى متقدمة في ميادين البناء والإصلاح والتنمية. 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news