العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

أمن الملاحة البحرية مجددًا: رؤيــــــة استــــراتيجـيــــة

بقلم: د .أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٢ ٢٠١٩ - 01:00

كانت- ولاتزال- قضية أمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب الاستراتيجيين تحظى باهتمام المجتمع الدولي ليس فقط لأهمية هذين المضيقين للمصالح الدولية فحسب، حيث ينقل من خلال مضيق هرمز ثلث النفط الذي يتم تصديره الى العالم، كما يمر حوالي أربعة ملايين برميل من النفط يوميا من باب المندب إلى أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، بالإضافة إلى السلع التجارية، بل لإدراك كل القوى الكبرى في العالم بأن أي تهديد لمنطقة الخليج العربي يعني تهديد توازن القوى القائم وما يترتب على ذلك من تداعيات على منظومة الأمن الإقليمي برمته سنوات ليست بالقليلة.

وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها منطقة الخليج تهديداً للأمن البحري حيث كانت الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات بداية ذلك التهديد من خلال ما عرف «بحرب الناقلات» حينما بدأت إيران في استهداف ناقلات النفط الخليجية خلال حرب السنوات الثماني مع العراق فإن احتجاز إيران ثلاث سفن في أقل من شهر ينذر بتهديدات جسيمة بالنسبة للأمن البحري، وخاصة أن تلك السفن ناقلات نفط من ناحية وتنتمي الى أطراف إقليمية ودولية في الوقت ذاته من ناحية ثانية، فضلاً عن أن الحرس الثوري هو من قام بتلك المهام. الجدير بالذكر أن المرشد الأعلى قد أوكل لذلك الجهاز الإشراف على الملاحة في مضيق هرمز.

وإزاء تلك التهديدات يلاحظ أن استجابة المجتمع الدولي تمثلت في اقتراح الولايات المتحدة تشكيل ائتلاف دولي عرف «بعملية الحارس» يضم عددا من الدول لضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط ووفقا لبيان القيادة المركزية الأمريكية، فإن الهدف من تلك العملية هو «تعزيز الاستقرار البحري، وضمان المرور الآمن، وخفض التوترات في المياه الدولية في جميع أنحاء الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب وخليج عمان»، حيث دعت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 60 دولة للمشاركة في حماية الأمن البحري، كما دعت الولايات المتحدة حلف الناتو ليكون جزءًا من ذلك التحالف، من ناحية ثانية نجد أن هناك تحركات بريطانية في هذا الشأن وقد بلغت تلك الجهود ذروتها مع دعوة بريطانيا الى مؤتمر دولي في البحرين بشأن حماية الملاحة البحرية، بالإضافة إلى ظهور جهود أوروبية لحماية الملاحة البحرية.

ومع أهمية تلك الجهود، فإن التساؤل الأساسي هو هل يمكن أن تسفر عن بلورة آلية دائمة لحماية أمن الطاقة في المنطقة من ناحية وردع إيران من ناحية ثانية لكونها المهدد الرئيسي لأمن الطاقة والأمن الإقليمي؟

واقع الأمر أنه على الرغم من التهديدات التي تواجه الأمن البحري في الوقت الراهن، وعلى الرغم من تأكيد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو «ثقته في قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف بحري في الخليج على الرغم من الاستجابة الفاترة من الحلفاء الأوروبيين والآسيويين»، فإن هناك خمس صعوبات تواجه تأسيس تلك الآلية وتتمثل فيما يلي:

أولاً: عدم وجود إجماع دولي بشأن المقترح الأمريكي والمتمثل في قيام كل بلد بتأمين مراقبة عسكرية لسفنه في حين تتمثل مهمة الجيش الأمريكي في الرقابة الجوية وقيادة العمليات، فقد لوحظ أن الدول الأوروبية على الرغم من تهديد مصالحها من جانب إيران فإنها لاتزال ترفض أن تكون جزءًا من تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة ضد إيران.

ثانياً: تردد حلف شمال الأطلسي «الناتو» أن يكون جزءًا من ذلك التحالف، صحيح أن دول الحلف الرئيسية كان لها أثر فاعل خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، فإن ذلك لم يكن من خلال الحلف كمنظمة وإنما من خلال ما عرف «بتحالف الراغبين»، كما أن تدخلات الحلف في الأزمات الدولية تظل مرتهنة بثلاثة أمور وهي إجماع كل أعضاء الحلف على ذلك التدخل كونه يمثل تهديدا مباشرا لمصالح دوله، ووجود قرارات دولية تجيز التدخل، بالإضافة إلى طلب الأطراف المعنية بالأزمة ذلك التدخل لارتباط ذلك بإمكانية مساهمة تلك الأطراف في العمليات العسكرية.

ثالثاً: الفجوة بين المهددات وقدرات المواجهة، إذ انه لا توجد لدى كل الدول الإمكانات البحرية الكافية لمواجهة مهددات الأمن البحري والتي لا تختزل في السفن، حيث إنه وفقاً للمقترح الأمريكي يتعين على الدول المشاركة في ذلك المقترح توفير سفن للقيام بدوريات بحرية، إلا أن المعضلة لا تكمن في ذلك بل في إمكانية توفير القوارب الحديثة الصغيرة المجهزة التي بإمكانها مواجهة تلك التهديدات وضمن هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن حلف الناتو واجه انتقادات عام 2008 عندما قرر المشاركة بقطع بحرية عالية التسليح لمواجهة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن ضمن الجهود الدولية في هذا الشأن، حيث إن طبيعة تلك القطع لا تتناسب وقوارب القراصنة العالية التجهيز. 

رابعاً: إن فكرة تأسيس التحالفات ذاتها ليست بالأمر الجديد لمواجهة تهديدات الأمن الإقليمي ومنها التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لمحاربة داعش وتم إعلانه عام 2014 وضم حوالي 79 دولة، إلا أنه من شروط نجاح التحالفات وضوح المهمة وتحديد مساهمة الأطراف المعنية، فضلاً عن أهمية وجود أسس لذلك التحالف سواء قانونية من خلال قرارات أممية، أو سياسية تتضمن وجود إرادة مشتركة وقناعات بمخاطر تلك التهديدات وحتمية مواجهتها.

خامساً: ربما تلقي الانقسامات الأمريكية-الأوروبية بظلالها على تأسيس ذلك التحالف، حيث لوحظ أن الدول الأوروبية ربما يكون لديها الرغبة في الاضطلاع بالمهمة من خلال آلية أوروبية وليس ضمن الأسطول الخامس الأمريكي. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن فلورانس بارلي وزيرة الجيوش الفرنسية قالت ان كلا من «لندن وبرلين وباريس» تقوم «بتنسيق وسائلها ومشاركة المعلومات في الخليج لتعزيز الأمن البحري، لكن من دون نشر وسائل عسكرية إضافية» في منطقة الخليج العربي، بل لوحظ وجود انقسام داخل المنظومة الأوروبية ذاتها بهذا الشأن حيث أعلنت ألمانيا رفض المشاركة في تلك المهمة.

وعلى الرغم من قرار الولايات المتحدة فرض المزيد من العقوبات على بعض المسؤولين الإيرانيين تزامناً مع التصعيد الإيراني تجاه الملاحة البحرية في الخليج، بالإضافة إلى إعادة التموضع العسكري في الخليج العربي فإنه تبقى الحاجة الى وجود آلية دولية دائمة لحماية المصالح الاستراتيجية الدولية في تلك المنطقة من العالم، وهو ما يحقق ليس فقط أمن الملاحة والأمن البحري وإنما ردع الأنشطة الإيرانية التي أضحت المهدد الرئيسي للأمن الإقليمي والأمن العالمي على حد سواء.

 

‭{‬  مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news