العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

احتلال وليس منطقة «آمنة»

أيا تكن الحجج والتسميات التي تروج لها الحكومة التركية فيما يتعلق بخططها العسكرية والأمنية في الشمال السوري المحاذي للحدود مع تركيا، فإن الخطط التركية التي تحاك الآن بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية هي من حيث الواقع شكل من أشكال الاحتلال العسكري المباشر لجزء من أراضي دولة مستقلة ذات سيادة، فأنقرة وجدت في الأزمة السورية المتفجرة منذ ما يربو على الثماني سنوات والتي لعبت فيها تركيا دورا محوريا ورئيسيا ساعد على تأجيجها واستمرارها حتى يومنا هذا، وجدت في هذه الأزمة فرصتها المواتية لقضم جزء من الأراضي السورية، تمهيدا لــ«عثمنة» هذه المنطقة من خلال البرامج الثقافية والاجتماعية والمعاملات التجارية باستخدام العملة التركية في هذه المعاملات ومن ثم ربطها مباشرة مع الجانب التركي بعيدا عن سلطة الدولة السورية الشرعية.

تركيا ارتكبت أخطاء فادحة في الموقف من الأزمة السورية، وخاصة أن النظام السياسي التركي جاء بما أسماه «تصفير» الأزمات مع دول الجوار، لكن الذي حدث هو عكس ذلك، ويبدو أن العقيدة السياسية التركية جرفتها إغراءات الأحداث التي شهدتها بعض الدول العربية، ومنها سوريا، وتصدر جماعة الإخوان المسلمين المشاهد في تلك الدول، فانخرطت في تعظيم أرقام من الأزمات بدلا من تصفيرها، هذه المواقف السياسية التركية الخاطئة تسببت في جزء كبير من النتائج التي تعاني منها تركيا حاليا والمتمثلة في «خوفها» مما تتصوره تهديدا لأمنها الوطني من الجانب السوري.

ما يحدث وتخطط له أنقرة بالاشتراك مع واشنطن هو احتلال تركي جديد لجزء من أراضي الجمهورية العربية السورية، وما تدعيه أو تسميه أنقرة «المنطقة الآمنة» ليس سوى أكذوبة سياسية ومحاولة للتحايل على القانون الدولي، والادعاء بأنها تفعل ذلك «دفاعا» عن النفس، علاوة على ذلك فإن المبررات والادعاءات التركية لا تستند إلى أي منطق عقلاني، فضلا عن تعارضها مع جميع القوانين والشرائع الدولية، فادعاء أنقرة أنها تريد «حماية» أمنها القومي من خلال هذه المنقطة هو ادعاء باطل، ذلك أن الجانب السوري من الحدود مع تركيا لم يكن يوما من الأيام مصدرا مزعزعا لاستقرار وأمن تركيا.

ومن تصنفهم تركيا «إرهابيين»، وهي هنا تعني الأكراد السوريين وليس قوافل الإرهابيين التي تدفقت إلى سوريا عبر الحدود التركية وبمعرفة مباشرة من الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية التركية، نقول: إن من تصفهم تركيا «إرهابيين» لم يطلقوا يوما من الأيام رصاصة واحدة صوب الجانب التركي من الحدود مع سوريا، وما تعرضت له تركيا من أعمال إرهابية تمثلت في التفجيرات الانتحارية إنما جاء من جانب عناصر ما تسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» التي أعلنت مسؤوليتها عن هذه الجرائم بعد أن دب الخلاف بينها وبين الجانب التركي.

مخطط الاحتلال التركي الجديد يريد تحويل ما عمقه ثلاثين كيلومترا داخل الأراضي السورية إلى منطقة تحت السيطرة الأمنية والسياسية الكاملة لأنقرة، فإذا كانت الحكومة التركية صادقة وأمينة مع ما تدعيه من أهداف من وراء «المنطقة الآمنة»، فلماذا لا تقيم هذه المنطقة داخل الأراضي التركية وليس السورية؟ ثم إن حماية الأمن الوطني التركي هي مسؤولية الحكومة التركية بكل تأكيد، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب سيادة الدول المجاورة ومصالحها الوطنية، وما تخطط تركيا لتنفيذه داخل الأراضي السورية وبموافقة شريكها وحليفها الاستراتيجي إنما هو تهديد مباشر لأمن ومصالح وسيادة سوريا.

تعرف أنقرة ويعرف غيرها أيضا أن تحقيق الأمن الحدودي بين الدول يتأتى من خلال علاقات حسن جوار تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة ومصالح كل دولة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، بغض النظر عن الحجج والذرائع، فتركيا التي تريد أن تحقق أمنها الوطني هي أول من انتهك مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل مع جارتها سوريا عندما سمحت وساعدت الجماعات المسلحة على التدفق إلى الداخل السوري بهدف إسقاط الدولة السورية، فتركيا مسؤولة عما آلت إليه الأوضاع على حدودها مع سوريا من حالة عدم استقرار وانفلات أمني وخروج عديد من المناطق السورية عن سيطرة الدولة المركزية.

تركيا تستطيع أن تحقق أمنها الوطني من خلال الكف عن تأجيج الأزمة السورية وسحب البساط التركي من تحت أقدام الجماعات المسلحة وفي مقدمتها جبهة «النصرة» التي أجمعت مختلف دول العالم، بما في ذلك تلك التي تناصب النظام السوري العداء وتسعى إلى إسقاطه، على أنها منظمة إرهابية، فلا يمكن لأنقرة أن تتحدث عن حاجتها إلى تحقيق أمنها الداخلي في الوقت الذي تهدد بأفعالها أمن جيرانها، فهذا موقف انتهازي وأعوج يفتقر إلى الصواب السياسي. الأهم من هذا كله، أن مثل هذا المخطط لن يحقق لتركيا الأمن الذي تريده، وهناك تجارب فشلت فيها كثير من الدول وأقربها التجربة «الإسرائيلية» الفاشلة في جنوب لبنان.

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news