العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

القرآن.. هو الجامع المانع!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١١ ٢٠١٩ - 01:00

الزبور كتاب جاء من اللوح المحفوظ لكنه ليس كتابا جامعا ولا مانعا لأن التوراة جاءت بعده، والتوراة جاءت بعده، وهي كتاب له صلة بالوحي لكنها ليست كتابا جامعا ولا مانعا لأن الإنجيل جاء بعدها، والإنجيل رغم أنه نزل من اللوح المحفوظ إلا أنه ليس كتابا جامعا ولا مانعا لأن القرآن الكريم آخر الكتب المنزلة من السماء جاء بعده.

إذن فجميع هذه الكتب باستثناء القرآن الكريم ليست كتبا جامعة مانعة لأنها جاءت لأزمنة معينة، وأمكنة محددة، وقومٍ معينين، أما القرآن الكريم فهو الكتاب الوحيد والمعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الرسل الكرام، وفيه الشريعة الشاملة للدين وللدنيا، وهو كتاب لدين كامل، وهو الوحيد الدليل على ما وصلنا من الصادق من أنباء البشرية عامة، ومن أخبار الأولين والآخرين من أنبياء الله ورسله (عليهم الصلاة والسلام) وما دار بينهم وبين الأقوام الذين أرسلوا إليهم، ولو غاب القرآن، أو مسه التحريف والتبديل لغاب معه تاريخ البشرية العام والخاص، فالقرآن إذن هو الكتاب الوحيد من الكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله الذي تولى الله تعالى حفظه بعد أن امتحن الله تعالى الأمم السابقة بحفظ كتبها ففرطت في هذا الحفظ، ليس هذا فحسب، بل تعمدت تحريفه بالإضافة والحذف، ولقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال سبحانه: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون» (البقرة/79). ولأن هذه الكتب التي سبقت القرآن لم تكن جامعة مانعة، وأنها أدت الغاية منها في وقتها، فإن الأقوام الذين نزلت عليهم لم يولوها ما تستحق من عناية ورعاية، أما القران، فهو الكتاب الوحيد الذي وصفت نصوصه المحكمة وآياته الساطعة بأنها جاءت لدين كامل، قال تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة/3). من أجل هذا تولى الحق سبحانه وتعالى حفظه، قال سبحانه: «إنَّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر/9)، وحصنه من أن تناله الأيدي الآثمة بالتحريف والتبديل، فقال سبحانه: «وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)» (فصلت).

والقرآن جامع لأنه كما بين الشريعة، وهي القوانين الضابطة لسلوك المسلم، المحددة له معالم الصراط المستقيم الذي يسأل ربه أكثر من سبع عشر مرة في اليوم والليلة أن يهديه إليه، وأن ييسر له الثبات عليه حتى يأتيه اليقين أي الموت وهو على ذلك، وإضافة إلى الشريعة، فإن القرآن يحمل أيضا المنهاج، وهو البرنامج اليومي للمسلم، وهو يضم أيضا في إهابه أركان الإسلام الخمسة من التوحيد إلى الحج، يقول تعالى: «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» (المائدة/48). 

ومن سماته أنه جامع مانع، وأنه جاء مصدقا لجوانب الحق في الكتب السابقة التي استعصى بعضها على التحريف، أما ما دسته أيادي التحريف فيها فإن القرآن الكريم مهيمن عليها، وكاشف لسوءاتها.

إذن فالقرآن قد جمع الله تعالى فيه بالإضافة إلى أنه معجزة وتشريع ومنهاج، فإنه أيضا الميزان الذي يقر الحق ويبطل الباطل، ويقص على الناس أحسن القصص كما قال سبحانه وتعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» (يوسف/13).

وحين اختلف الناس في فتية أهل الكهف حسم القرآن الجدل حولهم بقوله تعالى: «نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14)» (الكهف).

لقد ذكر الحق سبحانه وتعالى أن هذا القرآن ليس كتابا عاديا، بل هو كتاب ينضوي على خريطة عمل جاءت بعض تفاصيلها في الآيات: (151 و152 و153) من سورة الأنعام في قوله تعالى: «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153)» الأنعام.

ولم تكن هذه التعاليم مجرد نظريات لا واقع لها، بل لقد تحدث القرآن عن فئة مباركة من المؤمنين الذين ألزموا أنفسهم بهذه التعاليم، فصاروا أعلاما تدل الحائرين على الصراط المستقيم، قال سبحانه وتعالى عنهم: «ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» (النساء/69).

إذن فنستطيع من دون أن نتهم بالمبالغة في قولنا واعتقادنا أن نقول: إن القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء السابقين هذا أولا، وأنه الوحيد أيضا الذي جمع بين المعجزة والتشريع والمنهاج وهذا ثانيا، وأيضا أنه الميزان القسط الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحوال وهذا ثالثا، وأما رابعا، فهو البوصلة الوحيدة التي تهدي الحائرين إلى الحق، ثم أخيرا وليس آخرا أنه المرجع الوحيد الذي لا تستغني عنه البشرية لمعرفة تاريخ البشرية وقصص الأولين والآخرين، وخاصة أن الذي يقص علينا القصص هو منزل القرآن، والحافظ له من التحريف أو التقليد.

ولو أردنا أن نستطرد في الحديث عن عظمة هذا الكتاب المعجز وما يحويه من علوم ومعارف، وما يتضمنه من شرائع تضبط حركة الإنسان، وما فيه من الآيات التي تقف أمامها العقول حائرة، والأبصار زائغة.

ذلكم هو الإسلام الذي نعرفه وندين به.. ذلكم الدين الكامل.. وذلكم هو القرآن.. المعجزة الباقية من معجزات الأنبياء والمرسلين الكرام، وهذه هي أمة الإسلام التي اختارها الله تعالى من بين الأمم لتكون الشهيدة على الأمم يوم القيامة، وهي الأمة الوحيدة التي جمع الله تعالى لها جميع الكمالات في العقيدة، والشريعة، والمنهاج، وجعلها صاحبة الرسالة الخاتمة، والرسول الخاتم، والمعجزة الخاتمة.. وقبل ذلك وبعده الدين الكامل.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news