العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

دِفء عتيق وسرد متدفق
إطلالة على «الحكايات الشعبية البحرينية» ألف حكاية وحكاية.. ومائة جندي وجندية

بقلم: عامر طهبوب

السبت ١٠ ٢٠١٩ - 10:21

حين تقع عيناك على كُتب أو مجلدات تحمل عناوين الحكايات الشعبية وقصصها، فإن اختلاجًا يَعتريك ويُحيلك إلى ماضٍ حميم دون إدراك من قبلك، ويحدث أن يستدعي هذا الشعور وعلى عجل روح الإنسان البسيط الذي سكن ذاتك ومضى، بيد أن ظلاله التي ألقت بفيئها على عتبات بيتك ومجلسك، ما انفكت تلاحقك.

ولأنها حكايا بحرين لا بحرًا واحدًا، ولأنها مِداد، وخضرة، وإنسان ترك منذ أمدٍ طويل مشافهة حميمية تعلقت بالفضاء، ووثّقت له دون أن تدري، فإن شأن جمعها وتحريرها وتنسيقها يجعلها إذ ذاك خالدةً محفوظة كتابيًا كما كانت شفاهيةً من قبل، فالحكايات سردٌ من ذاك الذي لا ينضب ولا يتعب أبدًا ولا سيما في المحرّق، وجد حفص، وسوق المنامة، والبلاد القديم، وحكايا نسيج بني حمرة، وفخّار عالي، وآثار «سار»، والرفاع والجنبية، وعشرات الأزقة والقرى والسنين، فقد بلغت كما بلغت حكايا شهريار الزمان الألف حكايا ونافت إلى ما بعدها. المجلدات الخمس المرقمة باللون الأحمر، وكذا البريق الليموني لأغلفة تعالقت باعوجاج مع الخطوط السوداء التي رسمت العنوان وأبرزته، وظهر الفضاء البصري للغلاف متماسكًا ذا أثر في نفس من يراه، يسترعيه التواشج والألق الذي يخفي تحته حكايا الجدة، والبطل الشعبي، والفنتازيا التي بفضلها تحقق المستحيل، وانكسر على طاولة الحكاية الشعبية التي تجعل من كل شيء قابلاً لأن يكون شيئًا له قيمة، ولا يغيب أو يطيل الغياب. لقد تم تصميم الغلاف ليكون عتبةً نصيةً استراتيجية معبرة، تهيئ للقارئ مدخله القرائي، وتجعله لا يطيل الانتظار، ويعارك الثواني الذي تفصل بينه وبين الدخول إلى عالم القصّ المرهف والبسيط، عالمٌ عفوي ومشتبك في أنثربولوجيا الثقافة الشعبية البحرينية المعتقة، فكان أن رُسمت لوحةٌ بصرية على غلاف الكتاب تجمع أسرةً بحرينية تضمّ أُمّا أو قُل جدة، ومجموعة أطفال يجلسون إلى جوارها لتقص عليهم الحكايا من محفوظها الشعبي المجبول بالواقعية والخبرة في الحياة، وهي واقعية تسجيلية لا تخلو من «الفنتازيا المَلِحة»، وإلى جوارها يتسمّر الأطفال ويتحلّقون حولها مستمعين لها بامتنانٍ عميق.

والمجلدات الخمس جهد مشترك سعى في بغيته الأولى إلى جمع السّرد الشفاهي الحكائي لوطن، للبحرين الشقيقة التي نشأت بيني وبينها علاقة عشق منذ عام 1987 عندما زرتها لأول مرة في حياتي ضيفًا على المؤسسة العربية المصرفية ممثلاً لصحيفة القبس الكويتية، وما زلت أذكر أن أحد أعضاء تلك المؤسسة من أبناء المنامة دعا مجموعة منا - وكان من بيننا الصديق سمير حكيم صاحب مجلة مصرفية كانت تصدر في باريس – لتناول طعام العشاء في بيت والدته الكريمة في «المحرّق» التي أصرّت على أن تطبخ لنا بيديها وقد استقبلتنا استقبال الأم لأبنائها بكرم فطري، وأخذت تقص علينا الحكايا، تلك الحكايا التي جاءت هذه المجلدات لتحفظ ذاكرتها الجمعية البشرية، وتصونها رغم أنها عصية على مرضى الذاكرة المعروفين: النسيان والمحو. 

بهذا الجهد وبفضل مجتمع إنساني مُغرق في الحب والأصالة والاعتزاز اسمه «البحرين»، يكون الأرث الحكائي الشعبي قد حُفظ ليصبح مستندًا تاريخيًا عصي على الاندثار في ظل تموجات لغوية وثقافية، باتت تصيب مجتمعاتنا العربية جمعاء، وتهدد إرثها الحكائي الشعبي، وموروثها الروائي الشفاهي. حكايات لا تعبر فقط عن مشهد الإنسان البحريني وصورته وهويته المتعددة بتعدد بيئاته وحسب، بل إنها تميط اللّثام عن أبعادٍ سيكولوجية و«سسيوثقافية» خرقت غشاء الأساطير والملاحم، وسير البسطاء والشطّار، والألغاز، والطٌرفة، وحتى الغناء الشعبي وتمازُجاته الموسيقية المتنوعة، والمستقاة من أنغام البحر والصحراء والحقول الزراعية، فيرددها الناس في المناسبات ويُحيُونها بِحب وكَدّ وطني، وما أجمل الكدّ من أجل وطن.

البحرين الأرض والإنسان، ومع هذه الذاكرة الجمعية التي تشكلت على شكل سرد شفاهي، تكون بذاك قد أعلنت نجاحها في صَهر فسيفساء التنوع البشري فيها، وتجاوزت إذ ذاك خطر التهشّم والتحطم أمام آفات العرقية، أو المذهبية، أو سواهما من مذيبات اللّحمة الوطنية، فعوامل الوحدة الوطنية وبقائها، كامنة بعمق في البنية الحكائية البحرينية المجتمعية، وليس أدل على ذلك من هذه الحكاية الألف ويزيد التي حاكت وعكست صورة الإنسان البحريني البسيط والمتجذّر في فضاء محيطه الإنساني الخصب.

في مقدمة المجلد الأول تشير صاحبة الفضل في إعداد وتنسيق وجمع هذه المجلدات، وهي الدكتورة الجامعية المحبة لبلدها ولثقافتها ضياء عبدالله الكعبي، الى أن هذه المجلدات ورغم وجود محاولات يسيرة سابقة، هي الأولى من نوعها من حيث الكم والنوع والتناول، فهي لم تدوّن الحكايا الشعبية وحسب، بل بوبتها ونضّدتها بأريحية للقاريْ، ورسمت بنيتها بتماسُكٍ خطابي مُحكم، وبأنساق متشاوجة شاملة، فقد وصل عدد الباحثين المشاركين في مشروع الجمع والتدقيق هذا إلى المئة، ما يشير إلى حجم الجهد العظيم، والبَذل الذي لقيه هذا العمل المُهم، قبل أن يرى النور على يد المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت التي يترأسها الصديق ماهر الكيالي، بالاشتراك مع «الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر» التي يترأسها الصديق الشاعر علي عبدالله خليفة.

الحكايا الشعبية تنتمي إلى جنس الأدب النثري الذي يحوي بدوره على القصة والمُلحة والطُرفة، وكذا الأمثال والمقامات الشعبية، وسرديات المكان، وقطع النّثر المختلفة، غير أن ما يُميّز الأدب الشعبي عن سواه، هو روحه الفنيّة، وليس هويته الأدبية التي يصرُّ مقص النقاد عليها، فالسّرد الشعبي أو الأدب الشعبي، هو بوح يأتي متأخرًا ويحمل معه شُروط السرد القصصي فتكاد تظهر الشخصية البطلة، والصّوت السارد، والحبكة، والزمن، وفضاء المكان، وإلى جانب هذا تأتي فنية المؤلف - الذي عادة ما يكون عبارة عن مجموعة مؤلفين وليس مؤلف واحد - تأتي فنيته ومدى قدرته على تسريع السّرد أو تعطيله، وفي أساليبه برسم الشخصيات الفنية وتقديمها للقارئ، والمؤلف وبوجود المكون القصصي، يحتاج إلى أن يفعّل تقنية السرد وفنياته التي تجعل القصة مدهشة وذات جاذبية وألق.

وبالعودة إلى القول أن مؤلف الحكاية الشعبية هو بالأصل مجموعة مؤلفين، فإن هذا يعود إلى طبيعة الحكاية الشعبية المتدحرجة التي تسبح في فضاء متلقيها، مستفيدة من تعدّد الأجيال وتنوع المتلقين، فكلما تجدّدت روايات الحكاية الواحدة، كلما اكتسبت تزوّدا وإشباعا جديدين عند سارديها كما عند قارئيها، لذا فإن الحكاية الشعبية عصيّة بطبيعتها على الاندثار، لكن المُشكل الجديد في الأمر هو حالة الانقطاع التي بدأت تتشكل في جيلنا العربي الجديد غير المطّلع على إرثه وتراثه مقابل تمسكه بالحداثة وبراثنها الكثيرة، فهو - أي هذا الجيل العربي الجديد - وليس فقط في البحرين لا يتعاطى مع لغة أجداده وإرثهم، لأنها ببساطة لا تتيح له أي فائدة في عصر الإنترنت والعولمة واللغة الثالثة ولغة «العرا – إنجليزي»، لذلك أحسنت فعلاً البحرين، وبجهود أبنائها الوطنيين وعلى رأسهم الدكتورة ضياء عبدالله الكعبي في إقرار مساق «الأدب الشعبي» في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة البحرين، إذ أن هذا الجيل يحتاج إلى أن يتواصل مع تراثه الأدبي الشعبي، ليقيس مدارات فهمه، ويستوعب التقلبات القصوى التي أصابت الإنسان، في محيطه التواصلي المتغير على الدوام. فقصة «ليليان» العربية اليوم وترتيبات زواجها، تتباين حتمًا عن قصة مهر زواج والد «فسيجرة» الواردة في باب حكايا فسيجرة ونظائرها البحرينية في الصفحة الرابعة عشرة بعد المائة.

إذا فالمسافة الفاصلة بين الجيلين شاسعة وتحتاج إلى تجسير وتبسيط، وهو الهدف الذي تضعه الدكتورة الكعبي وزملاؤها نصب أعينهم في قادم مشاريعهم وأعمالهم البطولية حقًا، والحكايات ومن الجانب المضموني، كانت تبنى على الشخصية وليس على الحدث بالدرجة الأولى، ففي قصة «عروي» على سبيل المثال في المجلد الثاني وفي الصفحة الثانية عشرة، تقوم الأم بعمل حيلة من أجل ابنتها التي لم يتقدّم لها أحد بعد من شباب ديرتها، فقد قامت الأمّ بعمل حيلة ذكيّة مع أحد الأمراء في ديرة قريبة لتزويج ابنتها قبل فوات الآوان، والأم في قصة «عروي» هي أنموذج بدأ على ما يبدو يتلاشى لصالح أنموذج أم غير تقليدية، كما أن طريقة التقدم للزواج وترتيباته باتت متغيرة تمامًا تبعًا لعادات وتقاليد تتغير كل يوم وليس كل جيل جديد، الحكايا تَنهل من مُستند تاريخي محدد الأطر التاريخية والاجتماعية، وتعلن ذلك ولا تخفيه، فيٌستهل سرد الحكايا بـ «كان يا مكان»، وتنتهي بقفلة سردية محكمة تضع نهاية للقصة ولا تتركها نهشًا للنهايات المفتوحة وفتنة التأويل. 

إذًا فالمضامين الحكائية المجتمعية في حدّها الأول تتعلق بالماضي، وبالواقعة المكانية، ومحرّكها البشري الذي هو إمّا ان يكون فتاة البحرين، أو رجلها، أو قد يكون كائنها الحي بملوكه وجنّه، إنها تنهل من الأسطوري كما الحلمي والواقعي من دون ضير، وتنسجه بقالب قصصي تقليدي متع وشيّق يعتمد التسلسل الزمني التقليدي، وقليلاً ما يخلخل السرد بتقديم أو تأخير أو تسريع أو تعطيل، فالحكايا الشعبية لا تترك قارئها أو مستمعها في حيرة من أمره بقدر تدهشته وتجذبه إلى مساحات فاتته ما انفكت تتعلق به، فمن الدجاجة التي تبيض ذهبًا، إلى العصفور الأعمى، والكلب المسكين، والديك العجوز، كل هذا الحيوانات وحيواتها تُنسج في أسطرة حلمية ويومية مقبولة، وانتهاك يسير للشروط الواقعية والذاتية، فالحمأة في سرد الحكايا تنبع عادةً من دفء السّارد العليم، أو من ينوب عنه، ومصير جميع شخوص الحكاية وحيواتهم بيده هو وحده دون غيره، وهو ما يجعل القاريْ أو السّامع مقترن بمن يَسرد، منتظرًا منه أن يُعلن له نهاية القصة بدرامية شعبية مخصوصة.

أقول إنّ المجلدات الخمس عظيمة، وهي ذهبية، ووثيقة شعبية، بل معلقات شعبية، ذلك لأنها الأولى من نوعها ولأنها مستند تاريخي سيتناوله الباحثون قبل المتذوقون ويعودون إليه كلما احتاجوا المتعة أو التوثيق. طوبى للبحرين، وطوبى لها بابها، و«ضياءها»، وحلاوتها، وحلواها، وطوبى للمنامة حبر الكلام، وبحر الرواية، وربح الحكاية، ولمجلدات حفظت موروثها بكل حب وإتقان ودراية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news