العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٧٨ - الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤١هـ

الاسلامي

(تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم).. (ظلمة الفضاء)

الجمعة ٠٩ ٢٠١٩ - 10:31

بقلم: د. محمد عطا مدني

انطلقنا من منصة الإقلاع بمركز كنيدي للفضاء بصاروخ «ساتورن 5» الضخم الذي وضعنا في الطريق إلى القمر، كان الإنسان يحلم بمغادرة الأرض مهد الحضارات إلى الفضاء الخارجي، كان الوقت منتصف النهار، التفت إلى الأرض من ورائنا، وحاولت أن أدرك معنى الكون كله، خفق قلبي لروعة منظر كوكبي الأم ككرة زرقاء متلألئة، ولكن بعد دقائق معدودات من مغادرة الأرض، أصبحت لا أرى شيئا على الإطلاق، صحت مع مسؤولي قاعدتي على الأرض (بصري مسكر my eyesight is closed) مع أن عيناي كانتا مفتوحتان..! ارتجف جسدي.. هل أصبت بعمى فجائي؟ ولكني تذكرت إحدى المحاضرات التي ألقيت علينا بمركز التدريب بوكالة ناسا للفضاء عن ظلمة الفضاء، ولكني لم أكن أدرك معنى وهول ذلك حقيقة حتى عشته فعلا.. كانت هذه كلمات من مذكرات رائد الفضاء الأمريكي آرمسترونج أول من دار حول الأرض محاولا النزول على سطح القمر، دون أن يتكلل النزول بنجاح، لعقبات تقنية كثيرة صادفت تلك الرحلة.

وتعبر آيات القرآن الكريم عن مثل هذا الموقف في سورة الحجر في قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ). (14-15). 

وعند النظر إلى مطلع هذه الآية لفهمنا أن (الفتح) هو هبة من الله سبحانه وتعالى للعقل البشرى، ليكتشف روعة الخلق وقدرة الخالق سبحانه وتعالى، وأن هذه السماء عبارة عن بناء مُذهل دقيق الصنع يستحيل دخوله إلا عبر (أبواب) سماوية محكمة الإغلاق، ولقد تبين ذلك للعلماء، واستطاعوا تحديد أماكن معينة لصعود السفن إلى الفضاء في روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا نظرنا إلى وسط الآية (فَظَلُّوا فِيْهِ يَعْرُجُونَ) لتعجبنا أكثر، إذ توصل العلماء في العصر الحديث - عقب تطور علوم الفضاء - إلى حقيقة علمية مثيرة تتمثل في أن الصعود إلى السماء لا يتم إلا عبر منحنيات ومسارات متعرّجة، بينما أخبرنا القرآن الكريم بهذه الحقيقة المدهشة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام. ومما يزيدنا عجبا استخدام لفظ (فَظَلُّوا) الذي يشير إلى السفر نهارا (وقت الظل).

وعند انتقالنا إلى نهاية الآية الكريمة: (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) لوجدنا أنفسنا أمام إعجاز آخر، إذ بمجرد أن يتجاوز المرء بابًا من أبواب السماء ويتعدى طبقة النهار المحدودة، يكون كمن (سُكِّرَ بصره)، أي أُغلقت وسُدت عيناه..! وللعجب تطابق تعبير رائد الفضاء الذي لم يقرأ القرآن الكريم، مع التعبير القرآني الذي ورد إلينا عن طريق الوحي. 

ولم يتوصل علماء الفضاء إلى هذه الحقيقة العظيمة الواردة بوضوح في آيات القرآن الكريم إلا في بداية الستينيات من القرن الماضي، عندما تم ارتياد الفضاء، ففوجئوا بأن الكون يغط في ظلام دامس، وقد تبين لهم بالدراسة والبحث أن طبقة النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس لا يتعدى سمكها مائتي كيلومتر فوق سطح البحر، وإذا ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصا باهتا وسط سماء حالكة السواد..!

وقد تبين للعلماء في النصف الأخير من القرن العشرين أن الليل هو الأصل، والنهار عارض عليه، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة أيضا، فقد جاء ذكر الليل في القرآن الكريم في ثمانين موضعا، بينما جاء ذكر النهار في سبع وخمسين موضعا فقط، كما يأتي ذكر الليل قبل النهار في معظم الآيات التي يأتي فيها ذكر الليل والنهار معا. ولنتأمل قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إذا تلاهَا وَالنَّهَارِ إذا جَلاّهَا وَاللَّيْلِ إذا يَغْشَاهَا). (الشمس 1- 4).

(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ). (يس 37).

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ). (يونس 67).

وتوضح الآية الكريمة الأولى أن ضوء الشمس لم يكن مرئيا قبل (تجليه) عن طريق طبقة النهار، والفعل (يغشاها) يعني التغطية، وتدل صيغة المضارع على الاستمرار، مما يعني أن الليل المعهود بظلمته يغطي الشمس باستمرار، وأن النهار هو الذي يجلي ضوء الشمس فيجعله مرئيا.

وتؤكد الآية الثانية في صورة قرآنية رائعة ما جاء في الآية الأولى، فالسلخ في اللغة يعني إخراج الشيء عن جلده، وهذا يعني أن الأصل هو الظلمة والنور عارض طارئ عليه.

أما الآية الثالثة فقد حار المفسرون في فهم معناها، فكيف يكون النهار فاعلا في عملية الإبصار قبل أن يكتشف العلم الحديث ذلك؟ فلم يجدوا إلا أن يصرفوا لفظ (مبصرا) عن ظاهره إلى المجاز والتأويل، فصرفوه إلى معنى جعله مضيئا تبصر فيه الأشياء، ولم يدروا أن الواقع حقيقة يتوافق مع بناء اللفظ (مبصرا) على صورة الفاعل، وهو أن النهار مبصر فعلا لا مجازا، لأنه يستشعر ضوء الشمس ويظهره بطريقة تماثل عملية الإبصار، فكيف يتم ذلك؟

ولتفسير ذلك علميا، فإن طبقة النهار يقصد بها الغلاف الغازي الذي يحيط بالكرة الأرضية، والذي يتكون من مجموعة من الغازات رتبت ترتيبا إلهيا وبنسب معينة، لتتمكن من ترجمة أشعة الشمس غير المرئية إلى ضوء ينير الجزء من الأرض المواجه للشمس نهارا، وتتكون غازاته في معظمها من النتروجين والأكسجين، وكميات قليلة جدا من الأرغون وثاني أوكسيد الكربون والنيون والهيليوم والميثان والهيدروجين وبخار الماء، وهو يحيط بالكرة الأرضية ويدور معها.

وعندما تسقط أشعة الشمس على ذرات ذلك الغلاف الغازي للأرض بمكوناته المذكورة آنفا، تتشتت وتنتشر في جميع الاتجاهات، وهذه الخاصية هي التي تمكننا من رؤية الأشياء من حولنا، وهو ما نسميه بالنهار. ولو خرجنا من الغلاف الجوي للأرض لأصبحنا في ظلام دامس، لا نرى شيئا، رغم تواجد الشمس في السماء. 

وجاءت آية كريمة أخرى من آيات القرآن الكريم لتأكيد معنى الآية السابقة بما يشبه الجزم بدور (النهار)، وذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً). (الإسراء12).

وتتمثل المعجزة الإلهية هنا في خلق الغلاف الغازي للأرض بطريقة تمكنه من استشعار ضوء الشمس ونشره، ليتمكن الإنسان من القيام بواجباته الأساسية التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها وهى عبادته وإعمار الأرض، بينما يرتاح وينام عندما يغشى الليل النهار. وهذه الخاصية (ضوء النهار) واحدة من العطايا الإلهية التي منحها الخالق للإنسان، وقد اختص بها الأرض فقط، بينما تغط بقية أجرام المجموعة الشمسية في ظلام دامس، أو في ضوء معتم لا يمكن الإنسان من الرؤية بوضوح، وذلك لأن تركيب أغلفتها الغازية يختلف عن تركيب الغلاف الغازي للأرض، فسبحان الله ولا إله إلا الله، نشكره على جملة عطاياه، وندين له بالحمد الدائم على تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news