العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (87)

الجمعة ٠٩ ٢٠١٩ - 10:30

بقلم: د. غريب جمعة

شذور من خلاصة الرحلة الشرقية.

بحث في معنى الحرية:

تجاذب الإمام البحث في معنى الحرية مع السيد ابراهيم رفيقه في محجر «المرايجات» فقال الإمام: الحرية يؤمن بها ويمنحها الرؤساء العادلون إذا عافت نفوسهم استعباد من ولدتهم أمهاتهم أحراراً وقد تتبرج الأمة في بردها الشريف حين يستولي عليها الشعور وتتغلب عليها المعرفة بواجباتها، سنة الله في سير الأمم، فإن العلم والأدب يثبت في نفوسهم كبر الهمة وإباية الاضطهاد، ويرفعها إلى مكانة واحترام في نظر الماسكين على أمرهم فيعتدلون في سياستهم ويغلون يد من يعمد إلى جرح عواطفهم محافظة على أن تكون قلوب رعيتهم الواقية ماسكة بطاعتها راضية عن الإقامة تحت سلطتها.

الشيخ محمد المكي بن عزوز:

تقدم أن هذا العالم الجليل هو خال الإمام الذي كان له الفضل - بعد فضل الله - حيث وجد منه رعاية المحب وتوجيه الأستاذ ونصح الأمين ومتابعة الحريص وظل الإمام يعترف بهذا الفضل في جميع مراحل حياته. وتأمل ما يقول: «كان خالنا العلامة القدوة الأستاذ الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز قد كتب لي كتاباً من الآستانة بث فيه الشوق إلى اللقاء وقد مضى لنا في مدة فراق فضيلته خمس عشرة سنة، فانتفض الفؤاد اشتياقاً إلى زيارته المؤكدة بواجب القربى وحق الدروس التي كان قد ملأ أسماعنا بجواهرها الثمينة».

لذلك عزم الأستاذ على زيارة خاله في الأستانة فركب باخرة روسية وقد لقي بها رجلاً عليه زي علماء الأزهر في يده سفر (كتاب) ينظر فيه فسأله: ما هذا الكتاب؟ فقال: ديوان شاعر يقال له مسلم بن الوليد. فقال الإمام: أول من أفسد الشعر العربي أبو تمام ومسلم بن الوليد. فقال الشيخ: لعلك صاحب أدب وهذا الشيخ هو أحمد كمال الغزي اللبابيدي الذي قرأ بالأزهر وقام بالتدريس في أكثر من مدرسة وكتب مقالات أخلاقية وعمرانية في جرائد كثيرة.

جمعت الباخرة أيضاً طائفة عظيمة من أهل العلم ما بين أساتذة وتلامذة فكان من لطفهم وسمرهم ما يذهب وحشة الاغتراب ومن هؤلاء الفضلاء الشيخ راغب التميمي وولده زكي الدين والأديبان: السيد عبدالهادي من بلد الخليل والسيد علي بن صالح من إحدى القرى السورية. وهذان الأديبان لهما ذوق جيد بالشعر العربي حيث تعلما في الأزهر ثم في مدارس الأستانة وكان بصحبتهما ديوان المتنبي ينشدان من قصائده. وكان للإمام انتقادات لبعض أبيات المتنبي مثل قوله:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد

فإن لفظ الصداقة هنا ركب في غير نظمه، إذ الإنسان إنما يضطر في معاملة عدوه إلى مداراته لا إلى صداقته التي يؤخذ في معناها الإخلاص بالضمير فكان التعبير بالمداجاة أشد التئاماً بالمراد.

ودار في بعض المجالس حديث عن اللؤلؤ حيث ذكر البعض ما قاله القدماء عن نشأته: إنه يتكون من مطر ينزل في شهر نيسان فتتلقى بعض قطراته الحيات ويقع بعضها في الأصداف. فما وقع في أفواه الحيات صار سماً ناقعاً وما وقع في الأصداف تبلور وصار لؤلؤاً وقد قال الشاعر في هذا المعنى:

أرى الإحسان عند الحر ديْناً ... وعند النذل منقصة وذماً

كقطر الماء في الأصداف دُرٌ ... وفي جوف الأفاعي صار سماً

والبعض يقول إنه ينشأ من تجمع رمل أو حيوانات ضارة تدخل الصدفة قسراً فيفرز حيوانها مادة لزجة يغطيها بها ثم تجمد وتتحجر, والكلام كثير حول نشأة اللؤلؤ وأهل الاختصاص أولى بالتفصيل، وقد وجد المحار اللؤلؤي في كثير من الأنهار المنحدرة من جبال بريطانيا وكندا ولكنه دون اللآلئ البحرية جنساً وقدراً.

وأشهر مصايد اللؤلؤ عند الخليج العربي والبحر الأحمر, جزيرة العرب والبحر الهندي واستراليا وبنما وفنزويلا وجزيرة مرجريت.

ودار الحديث عن قيمة العلم فذكر بعضهم أن صاحب مطبعة اشترى رواية من مؤلفة أمريكية بثلاثة آلاف وسبع مائة وخمسين جنيهاً فذكر الإمام أن الأمة الإسلامية كانت أسبق في الشعور بقيمة العلم, والمكافأة عليه حتى أن أباً نُعيم الأصبهاني المتوفى في المحرم سنة 430هـ لما صنف كتابه «الْحِلْيَة» وحمل إلى نيسابور في حياته اشتروه بأربعمائة دينار وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الوقت.

معنى كلمة المسجد:

دار الحديث أيضاً حول البيت المقدس وأنه كان عند نزول قوله تعالى «إلى المسجد الأقصى» (الإسراء/1) خَرِبًا. وقال ابن عساكر في تاريخه «إن بيت المقدس كانت مفتوحة وان عمر بن خطاب هو الذي أمر ببناء المسجد وكان جواب الإمام عن الآية: أن المسجد اسم للمكان الذي أُعِدَّ للسجود، وليس من شرط إطلاق المسجد على المكان أن يكون محاطاً ببناء، وعلى إرخاء العنان (أي على فرض ذلك) وتسليم اعتبار البناء في هذا الإطلاق، فباب المجاز مفتوح فقد كان قبل نزول الآية ذا بناء كما صار أمره بعد نزولها إلى إقامة جدرانه».

ساعات في الإسكندرونة:

وقفت الباخرة بعض الوقت بمرأى من طرابلس الشام ثم سارت حتى وصلت مرساها إزاء اسكندرونة فنزل الإمام ومن معه للتجوال في هذا البلد الذي يحيط به الجبل من البر ولغة أهلها العربية والتركية ثم عادوا إلى الباخرة بعد ثلاث ساعات.

جلس الإمام على سطح الباخرة ومعه صحبه قبل أن تقلع فطلع القمر من رأس الجبل وبسط شعاعه على البحر فكان منظراً يحرك شاعرية الشعراء لنظم القصيد فأنشد الشيخ أحمد الغزى عدة أبيات وكان مما قاله في هيئته القمر:

لاح شطر البدر من فوق الربى ... وله في البحر تمثال أغر

فاطمئن قلبي إذ رأى ... رأى العين كيف ينشق القمر

ورأى الإمام باخرة أخرى هي الباخرة الخديوية قادمة إلى المرسى والجبل أمامها فقال:

هذه السفينة تفرى الموج جارية ... لمستقر لها كي تدرأ الكللا

فأذكرتني بمسراها إلى جبل ... قول الخليفة: يا سارية الجَبَلا

وصلت الباخرة إلى «مرسين» فنزل الجميع للتجوال فيها وأداء صلاة الجمعة في جامعها الكبير ثم تحركت الباخرة وقد حملت على متنها مجموعة أخرى من العلماء والفضلاء ازدادت بهم رنة الأدب نغمات لذيذة.

التعصب للمذهب:

دار الكلام على التعصب للمذهب وازدراء المذاهب الأخرى فقال الإمام: هذا إنما يقع في الغالب ممن اكتفى بقراءة الفروع في مذهبه، فهو لجهله بغيره من المذاهب يحملها على ضعف المُدْرِك والرمى بها على غير بينة، أما من طالع جملة في شرح الحديث والتفسير ونظر في كتب الخلاف فإنه يقف على مدارك الأئمة ويراهم كيف يتحرون مقصد الشريعة ويستندون فيما يقررونه من الأحكام إلى الدلائل المنصوبة من قبل الشارع وإذا سبق له أن هذا قد أحكم الاستدلال في قضية، فقد يظهر له أن الآخر قد أصاب المفصل في قضية أخرى.

وصلت الباخرة إلى أزمير وتجول الإمام فيها لمدة ساعتين مع صحبه ثم عادوا إلى الباخرة.

الوصول إلى إستانبول:

مرت الباخرة بجزيرة «رودس» وأقامت باتجاهها نحو ثلاث ساعات ثم سارت حتى ولجت «بوغاز الدردنيل» فسبحت فيه ليلة ونصف يوم إلى الأستانة وألقت مراسيها قريباً من الرصيف فانحدر الركاب في زورق إلى استانبول ولقى الإمام حالة العالم المحقق الشيخ محمد المكي بن عزوز في انتظاره وأقام بمحلة «باشكاطاش».

توجه الإمام لزيارة مسجد آيا صوفيا وشهد به درسين يُقرآن باللغة العربية والتركية أحدهما في الفقه والآخر في التفسير.

ثم زار جامع بايزيد وشهد أيضاً درساً باللسان التركي ويقال أن الشيخ الفناري الذي كان قاضياً بالأستانة عاتب السلطان بايزيد على عدم حضوره الصلاة في الجامع فأنشأ هذا الجامع ليحرز فضيلة الجماعة.

ثم زار الإمام مكتبة راغب باشا وقد حدثه خاله أن راغب باشا لما أنشأ هذه المكتبة فكر في وضع تأريخ لها ففطنت لذلك امرأة عارفة فقالت «فيها كتب قيمة» أي أنها تأسست سنة 1068هـ ذلك أن مجموع حروف هذه الجملة يساوي 1068 فكانت هذه الجملة تأريخ تأسيس هذه المكتبة وقد رسموها على لوح معلق في ناحية بابها.

الخطباء الأتراك:

شهد الإمام صلاة الجمعة بالجامع الذي أنشأه السلطان عبدالحميد إزاء «قصر يلدز» ثم جامع آيا صوفيا ثم جامع الشيخ ظافر.

وعادة الخطباء الأتراك أنهم لا يطيلون في الموعظة وإنما يأتي الخطيب بالديباجة من: حمْدٍ وصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ورضاء عن الصحابة ثم يلقي جمله فيها أمر بالتقوى ويضيف إليها حديثاً أو آية. وقد ناقش أحد الأساتذة في ذلك قائلاً: لعلهم يراعون أن غالب الحاضرين لا يفهمون العربية فيقتصرون على القدر الذي يتم به نصاب الخطبة؟

فقال الأستاذ: هذا كان من أثر العصر السالف حيث يخشى من استطالة الخطبة أن تُبث فيها آراء سياسية.

وزار الإمام العلامة الجليل الشيخ اسماعيل الصفايحي وهو قاض تونسي هاجر إلى الأستانة فأظهر من المبرة والابتهاج بلقاء الإمام ما لا يسع اللسان شكره، وله دروس في صحيح البخاري تدل على رسوخ قدم في علم الحديث وكان من عادته إذا أنهى درسه ختمه بالدعاء.

وقد اصطحب الشيخ الصفايحى الإمام في زيارته للفاضل السيد أليفي شيخ مشايخ الطرق وقد أثنى الشيخ الصفايحي على الإمام عند شيخ المشايخ ثناء يفيض برقة العواطف وخلوص الضمير.

(وإلى حلقة قادمة إن شاء الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news