العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

عملية «الحارس» الأمريكية لحماية الملاحة في الخليج.. هل فشلت؟!

الجمعة ٠٩ ٢٠١٩ - 01:00

تعهدت واشنطن في ضوء الأعمال العدائية الأخيرة في الخليج، التي شملت وقوع هجمات على الشحن البحري بتورط إيراني؛ وإسقاط طائرات من قِبل كلا الطرفين الولايات المتحدة وإيران، واستيلاء الأخيرة على الناقلة «ستينا إمبيرو» البريطانية في مضيق هرمز ردا على احتجاز البحرية البريطانية ناقلة النفط الإيرانية «جريس1» أواخر شهر يوليو؛ بتشكيل تحالف بحري لحراسة الخليج وحماية الشحن الدولي، أطلق عليه «عملية الحارس». 

وتسعى واشنطن إلى توفير نطاق عمل تكون فيه الدول المشاركة مخولة بتأمين شحنها البحري في مضيق هرمز والخليج، ولكن بدعم من الولايات المتحدة يتمثل في المراقبة والاستطلاع، لحماية ما يُعد على نطاق واسع أهم ممر مائي استراتيجي في العالم.

وحضر ممثلون لما يزيد على ثلاثين دولة في أوائل أغسطس اجتماعا عُقد في مقر القيادة المركزية الأمريكية في فلوريدا لبحث خطة الحماية والتعهد. ومع ذلك، فقد نأت العديد من الدول التي دُعيت إلى المشاركة في الخطة عن أي مساهمة بها، ولا حتى عرض المساعدة اللوجستية. وتنصلت الدول الأوروبية منها، مفضلة بدلا من ذلك تنفيذ خططها الخاصة المعنية بحماية الأمن البحري بعيدًا عن الولايات المتحدة. وظل الحلفاء المحليون صامتين، على الرغم من عدائهم الصريح لإيران. وأبدى عدد ضئيل من الجهات الفاعلة الخارجية، مثل أستراليا وكوريا الجنوبية، موافقتهم على العملية.

وأبدى «مارك إسبر»، وزير الدفاع الأمريكي الجديد، قليلا من التفاؤل في تعليقاته خلال الاجتماع المنعقد في فلوريدا حول «عملية الحارس»، قائلا: «هناك بعض الدول التي أبدت موافقتها بالفعل على الالتزام بالعملية، وسيتم قريبا إعلان الدول المشاركة بشكل رسمي».

وكما خلُص أغلب المحللين، فإن رفض حلفاء أمريكا الالتزام بخطة الولايات المتحدة يعزى بشكل كبير إلى عدم القبول بحملة «الضغط» التي شنها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، والتخوف من احتمالية نشوب حرب في الخليج، وأن الخطة نفسها غير جيدة. وأكد «جون الترمان»، من «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية» بواشنطن، أن «الحكومات الرافضة للخطة تعتقد أن التحالف مع واشنطن سيولد مخاطر كفيلة بألا تُحقق الأمن في الخليج». وتقول «شيرين هنتر»، في موقع «لوبلوج» الأمريكي، إن «الدول الأوروبية مثل ألمانيا، وفرنسا وبريطانيا، تعتقد أن زيادة الوجود البحري الغربي في الخليج العربي يُمكن أن تراه إيران استفزازيا للغاية، ما من شأنه أن يُزيد من حدة التوترات في المنطقة». 

ويعارض الأوروبيون باستمرار نهج ترامب الذي يتبعه في تعامله مع إيران. وبشكل خاص، سعوا إلى تقويض محاولاته تعطيل خطة العمل الشاملة المشتركة، التي انسحبت منها واشنطن عام 2018، عن طريق إيجاد طرق لإيران لتجنب العقوبات الأحادية التي فرضها ترامب في العام نفسه. وتؤكد «ناهال توسي»، في مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، أن «الأوروبيين مازالوا مُتذمرين من انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لعام 2015»، ويؤكدون أنه «المسؤول جزئيا عن سلوك طهران العدواني، كما أنهم قلقون من أن يؤدي التوافق مع الولايات المتحدة بشأن هذه المبادرة إلى حرب مع إيران». وبالفعل، تفاقمت تلك المخاوف مؤخرا عقب فرض ترامب عقوبات على وزير الخارجية الإيراني. 

نتيجة ذلك، وبدرجات متفاوتة، رفض الأوروبيون تخطيط ترامب لعملية (الحارس). وأعلن «هايكو ماس» وزير الخارجية الألماني، يوم 5/8، أن بلاده «لن تشارك في المهمة البحرية التي طرحتها وتُخطط لها الولايات المتحدة». وألمحت فرنسا حتى الآن إلى اتباعها ذات النهج، مُشيرة إلى معارضتها حملة «الضغط» على إيران، وأن أي تكثيف لوجود بحري في الخليج من شأنه أن يُشعل التوترات المحلية».

وفي المقابل، تبنت بريطانيا خطابا توافقيا أكثر في ظل حكومة، «بوريس جونسون» رئيس الوزراء البريطاني، المُؤيدة بشدة للولايات المتحدة حيال الخطة. وبدلاً من مجرد رفض المبادرات الأمريكية، صرح «دومينيك راب»، وزير الخارجية البريطاني، لصحيفة «التايمز» بأن بلاده تفضل تنفيذ خطة بقيادة أوروبا. لكنه أضاف: «أعتقد أن هذا لا يبدو قابلاً للتطبيق من دون دعم أمريكي أيضًا». 

يقول «روبرت مالي» من «مجموعة الأزمات الدولية» ببروكسل: «لطالما كان هناك استجابة أوروبية إيجابية في الأوقات العادية»؛ كما حدث عند قيام الولايات المتحدة بتكوين تحالفات دولية في الشرق الأوسط قبل حرب الخليج، وغزو العراق عام 2003، وحملة الناتو 2011 على ليبيا والتحالف الدولي لهزيمة تنظيم (داعش). «لكن الآن، وبالنظر إلى أن عداء أمريكا لإيران يلقى معارضة من قبل حلفائها الأوروبيين الرئيسيين، هناك خوف من أن يُنظر إليهم على أنهم موافقون بشكل تام على ما تفعله إيران من سياسات وقرارات». 

وفي واقع الأمر، لم يكن الخلاف إزاء الخطة الأمريكية مُقتصرا فحسب على أوروبا. وكتب «إيشان ثارور»، في صحيفة «واشنطن بوست»، أنه «حتى القوى الإقليمية التي تعارض علنا النظام في طهران تُؤثر التهدئة». وعلى الرغم من رغبة الجميع في رؤية مضيق هرمز مؤمَّنا ضد عمليات التخريب الإيرانية، فإنها لأسباب مختلفة تسعى إلى تجنب إثارة نزاع أمريكي إيراني في المنطقة. 

ويعتري دول الخليج قلق خاص. وقد ظهر ذلك جليا في أواخر يوليو الماضي عندما توجه وفد من دولة الإمارات إلى طهران لمناقشة الأمن الثنائي في الخليج العربي. ويوضح «أندرياس كريغ»، في موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، أن «عدم القدرة على التنبؤ والغموض في إدارة ترامب بشأن إيران قد أثار قلق أبوظبي»، مضيفا أن هناك إجماعًا على أن هذه اللعبة قد تحمل القليل من العواقب بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بينما ستكون الإمارات ودول الخليج الأخرى في الخطوط الأمامية لأي حرب». وكما يشير «كريج»، يبدو أن هذا القلق هو ما جعل هذه الدول تُظهر عدم استعدادها للتعهد بدعم العملية في الوقت الحالي.

وينطبق أيضًا هذا الأمر على إسرائيل. ويشير «ستيفن سايمون»، في مجلة «ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس»، إلى أن «كبار المسؤولين الإسرائيليين الذين أيدوا المواجهة مع إيران يشعرون الآن بالقلق حيال قصر نظر صانع القرار الأمريكي، كما لا يحبذون المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران». وبدأ الإسرائيليون في التفكير في مدى التأثيرات الإقليمية الطويلة المدى حال وقوع حرب، والتي من المحتمل أن يكون من بينها تورط وكلاء من سوريا ولبنان لصالح إيران في شن حرب وقائية استباقية ضد إسرائيل».

ولعل من الواضح أن الافتقار إلى الثقة في مدى التزام الإدارة الأمريكية بالإشراف بكفاءة على توفير إطار من الأمن لحركة الشحن البحري في الخليج، إلى جانب الخوف من أن تؤدي هذه المبادرة إلى إثارة حرب شرسة مع إيران، يجعل من غير المرجح أن يشترك أي من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين فيها. ومن المحتمل أن يكون تأثير إخفاق الإدارة الأمريكية في تأمين وتنفيذ هذه الخطة بمثابة إشارة إلى ذوبان بسيط للتوترات التي تشهدها المنطقة. كما أن هذا الإخفاق يثبت مدى التزام أوروبا بدعم إيران والاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015؛ إلى جانب طمأنة طهران بأن الحلفاء المحليين يتجنبون أي استفزازات، وهو ما سيخفف من حدة التوتر الذي نما بين إيران من جهة ودول الخليج من جهة أخرى. وتسعى إيران إلى تجنب هذه الحرب نتيجة لعدم تطور قواتها المسلحة بالمقارنة بالولايات المتحدة، وقدرتها الاقتصادية المحدودة وعدم تلقيها أي دعم دبلوماسي دولي؛ ومن ثم من غير المرجح أن تتخذ أي خطوات من شأنها أن تؤدي مباشرة إلى صراع مع واشنطن أو مع حلفائها.

وبالمقابل، إذا قررت واشنطن المضي قدمًا في «عملية الحارس»، معتمدة على دعم من قوى أخرى صغيرة مثل «أستراليا وكوريا الجنوبية»، فمن المرجح أن تُستأنف الأعمال العدائية في الخليج بل وستتصاعد وتيرتها. ويلاحظ معظم المحللين أن هذا الأمر قد يسمح بوجود مجال للتصعيد العرضي بين الجانبين الأمريكي والإيراني. يقول «جيمس ستافريديس» في «وكالة بلومبرج» الأمريكية: «من الواضح أن الإيرانيين ليس لديهم ميل للتراجع في حال وجود أي تصعيد»، ولذلك «فإن طهران إذا شعرت بتطويق الوجود البحري الأمريكي المتزايد في الخليج لها فستكون مضطرة إلى الرد من خلال أنشطة معادية لا ترتقي إلى مستوى الحرب المفتوحة». ومن المحتمل أن تتعرض للسفن التجارية المارة بالخليج، إما عن طريق زراعة الألغام في مضيق هرمز مثلما حدث في «حروب الناقلات» خلال الثمانينيات بين العراق وإيران، وإما العمل على غرق سفينة فعلية، ربما باستخدام غواصات ديزل هجومية. وبحسب «ستافريديس»، «يمكن أن يوسع الإيرانيون نطاق النزاع أفقيا عن طريق حث مليشيات حزب الله اللبناني على ضرب إسرائيل، أو شن هجومها داخل أفغانستان، على يد مقاتلي لواء فاطميون، ضد القوات الأمريكية هناك، ومن ثم سيتطلب الهجوم على الأصول الأمريكية ردا بلا شك من واشنطن، الأمر الذي قد يبدأ بتصعيد سريع نحو الحرب في الخليج».

على العموم، فشل واشنطن في تشكيل تحالف دولي بحري لحماية الملاحة والأمن البحري الخليجي سيؤدي بدوره إلى تهدئة التوترات في الخليج. ومع رغبة كل الدول في تجنب الحرب، فمن غير المرجح أن تلتزم أو تنضم أي دولة. وفي حال إذا ما قرر ترامب اتباع هذه الاستراتيجية، فهناك مجال لوقوع تصعيد ما في الخليج، قد يؤدي إلى حرب أمريكية إيرانية. وفي النهاية، انطلاقا من مبدأ حماية الأمن والاستقرار الإقليميين، يتعين على جميع الأطراف مقاومة إثارة مزيد من الأعمال العدائية في مضيق هرمز.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news