العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

عملية تفكيك هيمنة الدولار.. هل تنجح؟ (2 - 3)

بقلم: د. جعفر الصائغ

الأربعاء ٠٧ ٢٠١٩ - 01:00

تحدثنا في المقال السابق عن رغبة عالمية تولدت خلال السنوات القليلة الماضية بإنهاء احتكار الدولار على التجارة العالمية. وتقود هذه الرغبة دول كبرى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، فهل تنجح تلك الدول في إعدام الدولار كعملة عالمية؟

لمعرفة ذلك يجب أن نتعرف أولاً وبشكل أوضح عن أهمية الدولار وكيف هيمن على التجارة العالمية؟

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تغيرت خريطة العالم السياسية والاقتصادية فأصبحت أمريكا المنتصرة القوة الوحيدة في العالم التي تتمتع باستقرار أمني واقتصادي ومالي، بينما كان حلفاؤها الغربيون يصارعون الدمار الشامل والإفلاس الكامل، أما بقية دول العالم فكانوا مشغولين إما بالفقر المدقع أو الصراعات السياسية والمذهبية أو الاستعمار. ولإعادة بناء ما دمرته الحرب وإعمار القارة الأوروبية اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية المتطلعة للهيمنة، بعقد مؤتمر «بريتون وودزBretton Woods » لتأسيس نظام مالي دولي. وافق الجميع على ذلك، وانعقد المؤتمر في 22/7/1944 في مدينة بريتون وودز في ولاية نيو هامبشير، بحضور 44 دولة منها الاتحاد السوفيتي. وأصبح هذا المؤتمر فيما بعد أحد أهم المؤتمرات العالمية التي غيرت وجه العالم ومهدت لتغييرات سياسية اقتصادية كبيرة. وقد أفرز معاهدة تحمل الاسم ذاته، وتنص على إنشاء مؤسستين دوليتين هما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واللتان اصبحتا فيما بعد أهم المؤسسات الاقتصادية في العالم، ومن خلال هاتين المؤسستين نجحت أمريكا في التحكم في هيكلة الاقتصاد العالمي وتعزيز مكانتها كقوة عظمى. الاتحاد السوفيتي رفض الانضمام إلى عضوية صندوق النقد الدولي بسبب الهيمنة الأمريكية على قرارات الصندوق.

وبموجب هذه المعاهدة التاريخية تم سحب الذهب كعملة نقدية من التعامل المباشر من الأسواق العالمية واستبداله بالأوراق النقدية. من هنا بدأت أمريكا تنفذ برنامجها فقد تعهدت أولاً أمام دول العالم بأنها تملك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات، ثانياً حددت قيمة أونصة ذهب بـ35 دولارا، ثالثاً تعهدت بتسليم كل من يقدم لها خمسة وثلاثين دولارا أوقية (أونصة) من الذهب. وعلى ضوء هذا الترتيب أصبح الدولار عملة صعبة موثوق بها ومقبولة لدى العالم حكومات وشعوب وشركات، والأهم من ذلك مغطاة بالذهب (يقصد بالتغطية بالذهب هو أن الدولار تكون قيمته ذهباً، أي بمقدور حامل الدولار استبداله بالذهب متى ما أراد ذلك). أصبح الجميع يقبل بالدولار كعملة تداول ويحتفظ به على أساس أن الولايات المتحدة ستسلمه ذهبا مقابل ورق الدولار.

أصبحت كثير من الدول تعتمد الدولار كاحتياطي أجنبي. نتيجة لذلك شهد الطلب العالمي على الدولار ارتفاعاً غير مسبوق، حيث قامت دول العالم تتنافس في جمع الدولارات في خزائنها بكميات كبيرة جداً على أمل تحويل قيمتها إلى الذهب في أي وقت.

واستمر الوضع على هذا الحال حتى عام 1971 عندما خرج الرئيس ريتشارد نيكسون ليفاجئ ويصدم العالم بقراراته الغير متوقعة، فقد رفض الإلتزام بالاتفاقية التي وقعتها بلاده وهي مقايضة الدولار بالذهب وبدلا من ذلك تم تعويم الدولار أي ترك سعر صرف الدولار لقوى السوق العرض والطلب، حينها قال كلمته «لن نسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب.. يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها، ويجب أن يلعبوها كما وضعناها». السبب في ذلك هو التكاليف الباهظة لحرب فيتنام، والتي أدت إلى انخفاض حاد في احتياطي الذهب الأمريكي.

النتيجة المباشرة لقرار نيكسون هي تكدس الدولارات خارج أمريكا وخسائر مالية كبيرة لحاملي الدولارات، فأصبح الدولار العملة الوحيدة المنتشرة في جميع دول العالم. اكتشف العالم أن أمريكا ضحكت عليه كل هذه السنين، حيث كانت تطبع الدولارات بلا غطاء من الذهب لأنها لا تملك الذهب، والأخطر من ذلك استطاعت أمريكا بهذه اللعبة أن تمتلك ثروات العالم بحفنة أوراق خضراء لا قيمة ولا غطاء ذهبي لها. لم تعترض أي دولة على القرار الأمريكي لأن هذا الاعتراض سيعني حينها كارثة بمعنى الكلمة فكل ما خزنته هذه الدول من مليارات الدولارات سيصبح ورقًا بلا قيمة. بذلك ربح الدولار مركزا عالمياً وضمنت الولايات المتحدة الهيمنة على الاقتصاد العالمي، حيث إن جزءا كبيرا من هذه الهيمنة يعود الفضل به إلى الدولار». 

يتبع

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news