العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

رسائل

سياسة الحكومة البريطانية الجديدة.. إلى أين؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ٠٦ ٢٠١٩ - 10:31

تشهد بريطانيا الآن طفرة سياسية، نتيجة لصعود التيار اليميني المتطرف، ما يجعل الجميع في حالة ترقب وتوجس لما قد يحدث، فالعالم حتى الآن لا يستطيع أن يفيق من السياسات المتناقضة للرئيس دونالد ترامب المثيرة للجدل، حتى حل ترامب جديد في أوروبا، وهو بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا السابع والسبعون، خلفًا لتيريزا ماي، الذي تشير التحليلات والتوقعات الى أن هناك توجها لتغيير طريقة التفكير في إدارة البلاد.

فالتوقيت الزمني الذي تولى فيه جونسون تشوبه العديد من الاضطرابات؛ بسبب أزمة البريكست التي بلغت حدتها في الفترة الأخيرة، في ظل عدم التوصل إلى اتفاق يضمن الخروج بطريقة مُرضية، مما يعني أنه إذا تم الخروج دون اتفاق سيؤدي ذلك إلى وأد علاقة بريطانيا مع كل دول الاتحاد، ما يعرض بريطانيا إلى عواقب لن تستطيع تحملها في الوقت الحالي، وما يزيد حدة الأمر هو كون جونسون على النقيض التام من سياسات ماي، التي كانت تنتهج الدبلوماسية والتفاوض وتقبل الرأي الآخر، أما جونسون فقد أقدم على إقالة سبعة عشر وزيرًا كانوا من منافسيه أو داعمين لغيره أو مؤيدين للبقاء داخل الاتحاد، والذين ظلوا يشككون في قدرة بريطانيا على النجاح خارج الاتحاد الأوروبي، واختار آخرين من أصحاب الاتجاه المحافظ، معتمدًا فقط على ولائهم له وحماسهم للخروج من الاتحاد، مما يُنذر بضعف الحكومة الجديدة المتوقع لها العمل وفق أجندة يمينية متشددة دون اهتمام بالمعايير والممارسات البريطانية المتعارف عليها والواجب أتباعها.

هذه التعيينات قد تقابَل بالترحاب من قِبَل بعض العناصر داخل الحياة السياسية، ذوي الفكر اليميني المؤيد للخروج من الاتحاد، والذين تتقابل توجهاتهم مع توجهات الحكومة الجديدة، مثل: ساجد جاويد، وزير المالية وهو مسلم ابن مهاجر باكستاني كان يعمل سائق حافلة ويعتبر من أهم الاقتصاديين، وبريتي باتل، وزيرة الداخلية وهي من أسرة هندية طردها الرئيس الأوغندي عيدي أمين وجردها من الممتلكات فلجأت إلى بريطانيا، عملت بريتي في محل لبيع الخردوات والجرائد الذي أقامه والدها وقدوتها الليدي تاتشر. ودومينيك راب، وهو ابن لاجئ يهودي من تشيكوسلوفاكيا وزيرًا للخارجية، المؤيدين لإسرائيل، حيث يرى بعض من مؤيدي جونسون وحكومته أنهم بداية عهد جديد للحكومة البريطانية، التي لم تستطع سابقاتها ذات التنوع الآيديولوجي إنجاز عملية الخروج من الاتحاد؛ وعن ذلك يقول مايكل جيه جيري، الباحث في الشؤون الدولية، في مقال له في صحيفة ذا هيل الأمريكية، إن جونسون «لا يرث فقط مسؤولية حزب تُمزقه قضية الانفصال عن التكتل الأوروبي، بل يرث أيضًا بلدًا سئم من الجدل السياسي غير المُجدي بشأن التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والعجز عن التوصل إلى اتفاق بشأنه».

نهج جونسون جعل عددًا من البرلمانيين المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي يفكرون في السبل التي يُمكنهم من خلالها معارضة رئاسته للوزراء، ما يؤثر على موقفه، خاصة حال فقدانه للأغلبية في مجلس العموم، وغياب تأييد النواب العشرة من حزب الاتحاد الديمقراطي الأيرلندي له. 

ولعل حالة الرفض لسياساته وخطط المُعينين في حكومته ستدفع المعتدلين، أمثال روري ستيوارت وفيليب هاموند، إلى السعي للتصويت لإسقاط حكومته، مما قد يشجع أصحاب الأصوات المتأرجحة لتأييدهم، وإذا لم يستطع جونسون إيجاد طريقة ما لتوحيد حزبه في الشهور القادمة فربما يحدث ما لا يُحمد عقباه، إذ من الممكن للنواب المحافظين خصوصًا من تولوا مناصب عُليا في السابق التصويت بسحب الثقة منه، وإذا تم ذلك فستضطر الحكومة إلى المطالبة بإجراء انتخابات عامة جديدة، ما قد يُدخِل بريطانيا في حالة تدهور جديدة، ويعد هذا السيناريو هو الأقرب للتنفيذ، خاصة في ظل تعسف جونسون في قراراته وتصريحاته، حيث من المتوقع أن تهزم أصوات الناخبين المنتمين لحزب العمال أصوات نظرائهم المؤيدين لحزب المحافظين، ولكن حتى حزب العمال ليس على قدر من الكفاءة التي تؤهله لتولي زمام الأمور؛ حيث إن نسبة الدعم الحالي لحزب العمال سيئة بالنسبة لحزب معارض يواجه حكومة سجِل نجاحاتها أقل مما هو متعارف عليه في الحكومات، فضلا عن زعيمه جيرمي كوربين ذي الشعبية الضئيلة، مقارنة ببوريس جونسون ذاته؛ حيث كشف موقع يوجوف في استطلاع أجراه لأكثر الشخصيات السياسية شهرة في بريطانيا أن جونسون قد تصدر القائمة بنسبة موافقة بلغت 31%، بينما حصل كوربين على 26% فقط.

ولكن هذا لا يزيح الخطر المتعلق بإمكانية سحب الثقة من الحكومة الجديدة خاصة إذا تمت إقالة كوربين وتعيين من له شعبية وآيديولوجية مقبولة، فلتعيينات رئيس الوزراء لمجلس وزرائه تأثير كبير على السياسات البريطانية، مما قد يعّرض جونسون للخطر في نهاية المطاف في حالة ما إذا أُجريت انتخابات عامة في الأشهر المقبلة. 

فالانتقادات ليست على الصعيد الداخلي فقط، بل هي أكثر حدة على الصعيد الخارجي خاصة فيما يتعلق بأزمة البريكست، التي تعتبر بمثابة حجر عثرة لبريطانيا، إما يتم حلها والعبور منها، وإما خسارة تأييد دول الاتحاد لها والتعامل معها، حيث أفضت كل التحليلات بصعوبة مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي في أكتوبر من دون اتفاق كما وعد جونسون، خلال سباق رئاسة حزب المحافظين، وبالتالي نحن بصدد احتمالية خروج بريطانيا من دون اتفاق بناءً على تصريحاته، وكذلك عزوف الاتحاد الأوروبي عن الدخول مجددًا في مفاوضات مع بريطانيا، أما العلاقات مع دول الشرق الأوسط فهي مستمرة في التأرجح بين الاحتمالات المختلفة، في ظل عدم التيقن من توجه جونسون وآيديولوجيته تجاه المنطقة؛ حيث إن جميع رؤساء الوزراء يعتمدون على أعضاء مجلس وزرائهم المختصين ولكن جونسون يُفضل أن يتولى هو زمام المبادرة، وأن يكون في الواجهة، بالإضافة إلى كونه قد يقبل عودة العديد من رؤساء الوزراء السابقين إلى مجلس الوزراء، ما قد يساهم في تقوية السياسة الخارجية لبريطانيا.

وتعد أولى قضايا الشرق الأوسط التي تواجه بريطانيا هي التصعيد الأنجلو - إيراني المستمر في الخليج، الذي يعتبر جزءًا من تصاعد حدة التوترات بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث يرى جون م. روبرتس، زميل بارز في مركز أوراسيا التابع للمجلس الأطلسي، أنه يتعين على جونسون ووزير دفاعه الجديد بن والاس القيام بعمليات في الخليج بسفن حربية دون الاعتماد على أن الولايات المتحدة ستدافع عن بريطانيا، خاصة بعد رفض وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الالتزام بتقديم الدعم لبريطانيا في المنطقة، في حين أنه يتعامل مع الأزمة بتريث وحماس، متبعًا استراتيجية الاستمرار في تقوية العلاقات مع دول الخليج العربي لمواجهة إيران، خاصة مع البحرين والإمارات والسعودية وعمان، فالجميع متمسكون بالمحافظة على العلاقات معها وتعزيزها بصرف النظر عن الظروف المتغيرة، وهذا يتضح من تصريح دومينيك راب، وزير خارجية بريطانيا، بتعزيز علاقات بلاده مع السعودية والخليج بشكل عام. 

وفي ظل علاقة التفاهم الواضحة بين جونسون والرئيس دونالد ترامب يبدو أن مجلس وزراء جونسون على استعداد لإدخال بعض التغييرات الجذرية على سياسة بريطانيا تجاه الشرق الأوسط، وتحويلها من سياسة تسعى إلى التصالح مع طهران إلى سياسة تعتمد على المواجهة تماشيًا مع حملة «أقصى ضغط» التي تُمارسها أمريكا على إيران، فمن المتوقع أن تتغير سياسة بريطانيا تجاهها، ما قد يُنبئ بتضاؤل احتمالية التصالح معها، وخاصة في عهد دومينيك راب الذي يقود الدبلوماسية البريطانية في المنطقة.

وبالمثل، فمن المتوقع أن يغير راب وآخرون من أعضاء مجلس الوزراء بشكل جذري من نهج بريطانيا تجاه إسرائيل، خاصة بعد وصف جونسون لنفسه بأنه «صهيوني متحمس»، وأتباع نهج ترامب المُتمثل في تمكين إسرائيل وتشجيعها على التمادي في انتهاكات حقوق الفلسطينيين، وعدم تنفيذ الاتفاقات، مثل الاعتراف بالقدس كعاصمة لها، وما يعزز ذلك بصورة واضحة هو تعيين بريتي باتيل، وزيرة الداخلية الجديدة، التي أُجبرت على الاستقالة في مايو عام 2017؛ لحضورها سرًّا عدة اجتماعات غير رسمية، في محاولة للتأثير على موقف لندن من الصراع إلى موقف أكثر تحيزًا لإسرائيل، لذلك فمن المحتمل محاولتها الضغط في مجلس الوزراء، من أجل خدمة المصالح الإسرائيلية، وكذلك تعزيز العلاقات الأمنية البريطانية الإسرائيلية، من خلال التنسيق على مستوى جهازي الأمن البريطاني (إم. آي. 5) والإسرائيلي (شاباك).

وعموما، من الواضح أن حكومة بوريس جونسون ستُحدث تأثيرًا مدويًا في السياسة الداخلية والخارجية لبريطانيا؛ حيث إن اختيارات جونسون قد عملت على تنفير واستياء الكثيرين داخل الحزب وبين العامة بشكل أوسع، ومن المرجح أن الدعم الذي سيحصل عليه ممن عينهم من أعضاء المحافظين وعدد من نواب الحزب بمجلس العموم لن يكون كافيًا لتأمين عودة الحكومة، برئاسة حزب المحافظين، إلى السلطة في حالة إجراء انتخابات جديدة. وعلى الرغم من أن استمرار قيادة كوربين لحزب العمال تُقلل من فرصه في هزيمة جونسون، إلا أنه من المرجح أن يبرز الحزب كمسيطر في الانتخابات المقبلة، في حال ما تم تعيين زعيم جديد.

على العموم، يبدو أن هناك تغييرات كبيرة ستطرأ على سياسة بريطانيا تجاه الشرق الأوسط، ومع تشكيل حكومة ذات أغلبية موالية لإسرائيل، فمن المرجح أن تسعى إلى تعزيز علاقتها معها في الأشهر المقبلة، والتوافق مع ترامب في مناهضة إيران؛ رغم حاجة بريطانيا إلى حل الأزمة في الخليج قريبًا، حيث يمكننا القول إنه على الرغم من عدم فعالية حكومة ماي وفوضوية إدارتها ربما كانت أفضل من التقلبات التي سيجلبها جونسون وحكومته على السياسة المحلية والعالمية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news