العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مناظرات انتخابية رئاسية بين الغث والسمين

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٠٦ ٢٠١٩ - 01:00

 لقد عدت للتو من مدينة ديترويت بولاية مشيغان، حيث حضرت الدفعة الثانية من النقاشات في إطار الانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الديمقراطي. لقد أشعرتني تلك النقاشات بالإحباط لأسباب عديدة. يعود السبب الأول إلى كثرة المترشحين علما أن الكثير منهم لا مكان له على المنصة أو في النقاشات بكل صراحة. أما السبب الثاني فهو يتعلق بالطريقة التي أديرت بها تلك النقاشات أساسا, حيث إن الهدف الأساسي منها هو زيادة أسهم المحطات التلفزيونية فيما يتعلق بنسب المشاهدة إضافة إلى الجانب الترفيهي على حساب النقاشات الجدية والتنوير الفكري. 

في سنة 1984 كنت في نيوهامبشير مع القس جيسي جاكسون لحضور المناظرات في إطار حملة الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي. اتسمت تلك المناظرات بدرجة عالية من الجدية وقد أدارها شخص محترف. 

لا زلت أتذكر أنه في مرحلة معينة كنت أنظر إلى المترشحين المشاركين في تلك المناظرة وهم يقفون على المنصة وقد قلت في نفسي: إن القس جيسي جاكسون يبلى بلاء حسنا ويسيطر على المناظرة. قد لا يفوز لكنه سيظل راسخا في الذاكرة. بعد أعوام قليلة من الآن كم من هؤلاء المترشحين المشاركين في السباق الانتخابي سنتذكرهم؟.

بعد ثلاثة أعوام أصبحت أسأل الناس عما إذا كانوا يستطيعون أن يتذكروا اسماء أولئك المترشحين الذين شاركوا في حملة الانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الديمقراطي في سنة 1984. كل من أسأله يتذكر اسماء القس جيسي جاكسون وجاري هارت ووالتر مونديل ثم ما يلبث أن يتوقف وقد خلت ذاكرته من أي اسماء أخرى رغم أن بقية المترشحين كانت شخصيات بارزة تشمل أربعة من أعضاء مجلس الشيوخ وأحد حكام الولايات. غير أنهم سقطوا في غياهب النسيان. 

لم أستطع أن أفهم السبب الذي دفع أغلب هؤلاء إلى الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 1984. صحيح أنهم كانوا أشخاصا محترمين وأذكياء كما أن كل واحد منهم قد نجح في حياته غير أنهم لم يرسخوا في الذاكرة السياسية. 

أعتقد أن الفنتازيا قد غلبت عليهم وأنهم افتقروا إلى الأفكار الجريئة والقوية أو الشخصية الكاريزمية القوية التي تجعلهم يتميزون عن غيرهم من السياسيين الآخرين رغم ذلك فقد ذهب في اعتقادهم أنهم يستطيعون أن يتميزوا ويبرزوا ويتفوقوا على الجميع ويتولوا مقاليد الرئاسة. هكذا بكل بساطة!. 

أقول هذا الكلام عقب التجربة التي عشتها في مدينة ديترويت من ولاية مشيغان هذا الأسبوع. لقد أوفى عشرون من بين خمسة وعشرين مترشحا بالشروط اللازمة للمشاركة في المناظرة. على غرار ما حدث سنة 1984 اتسمت قائمة المشاركين المترشحين في المناظرة بالتنوع. 

كان هناك سبعة من أعضاء مجلس الشيوخ وسبعة آخرون من الأعضاء السابقين في مجلس الشيوخ أو من الأعضاء الحاليين في الكونجرس أو من حكام الولايات، إضافة إلى ثلاثة من رؤساء مجالس المدن. كنت أشاهد ذلك الحشد من المترشحين وقد عادت إلى ذاكرتي نفس تلك الأسئلة التي خالجتني سنة 1984: «لماذا يفعلون هذا بأنفسهم؟ هل سيتذكر أحد أنهم قد رشحوا أنفسهم قبل ثلاثة أعوام؟». 

كنت أتابع مجريات المناظرة وأدركت أن أغلب هؤلاء المترشحين لا يملكون الشروط أو الحضور الذي يمكنهم من المنافسة باقتدار وكفاءة في سياق الانتخابات التمهيدية؟ فما الذي أتى بهم إذا إلى هذه المناظرة؟ ما الذي كانوا يأملون أن يحققوه؟ ثم لماذا يقبلون بتعريض أنفسهم إلى مثل هذا الحرج بعد أن فشلوا في مجاراة بقية المترشحين بكل ندية؟. 

شارك عشرة مترشحين في كل مناظرة من المناظرتين بسبب ارتفاع عدد المشاركين، علما أن كل مناظرة استمرت زهاء ساعتين ونصف الساعة. لعل ما زاد من الإزعاج الطريقة التي أديرت بها المناظرتين اللتين تحولتا إلى عرض تلفزيوني أكثر من عملية جدية ترمي إلى مساعدة الناخبين على حسم قرارهم بشأن الشخص الذي سيختارونه كي يتولى مقاليد الرئاسة ويدير شؤون البلاد خلال الأعوام الأربعة القادمة. 

قبل بضعة أسابيع، حصلنا على بعض المعلومات التي تسلط الضوء على الكيفية التي ستنقل بها الشبكة التلفزيونية المناظرات الانتخابية. فقد تم تخصيص قرابة الساعة من أجل سحب اسماء المرشحين العشرة الذين سيشاركون في المناظرة الأولى أو الثانية.

استخدمت ثلاث كاميرات من أجل تسليط الضوء على كل عملية سحب على الهواء مباشرة ومن زوايا مختلفة في عملية غريبة الأطوار، كما سبقت كل عملية سحب الموسيقى ثم جاءت التعليقات التي أبرزت «أهمية عملية السحب» حتى أن العملية قد تحولت برمتها إلى ما يشبه حصة ألعاب تلفزيونية. 

استمرت العملية خلال الأيام التي سبقت «ليلة المناظرة» مع تعاقب سيل من التحليلات والتعليقات التي كان يقدمها أشخاص أشبه بالمحللين الرياضيين الذين يعطون الانطباع وكأننا نتهيأ لنزال بين ملاكمين محترفين. طرحت أسئلة من قبيل: «هل ستحدث مشادة ما بين السيناتور وارين والسيناتور ساندرز؟ هل سيكون نائب الرئيس بايدن مستعدا للدفاع عن نفسه إذا ما استهدف لهجوم آخر من السيناتور هاريس؟».

خصصت بعد ذلك ساعة ونصف الساعة لإلقاء الخطب الحماسية لتهيئة الحضور حيث راح أحدهم يقول «هل أنتم مستعدون أيها الديمقراطيون؟». بعدها صعد شخص آخر وراح يقول مخاطبا الحضور: «أصدقكم القول، أنتم رائعون حقا». بعدها قدمت التعليمات الإرشادية التي تحدد للحضور كيفية التصفيق. لقد كان الأمر أشبه بليلة معركة في مدينة لاس فيغاس. 

بعد كل ذلك جاءت المناظرة. كان هناك في الماضي (بما في ذلك ما حدث سنة 1984) زمن يدير فيه المترشحون المناظرات. أما اليوم فإن الاهتمام يسلط أساسا على الشخصيات التلفزيونية. فهذه الشخصيات التلفزيونية هي التي أصبحت تقود العملية وهي التي تتحكم في تفاصيلها حتى يكون العرض التلفزيوني متكاملا. 

لقد كان واضحا منذ البداية أن الأمر يتعلق بمنشط تلفزيوني يعتبر وكأن من واجبه العمل على تقويض قانون الرعاية الصحية للجميع والذي اقترحه كل من السيناتور بيرني ساندرز وإليزابيت وارن. 

لقد سعى مدير المناظرة بنفسه لنصب فخ لإليزابيت وارن حيث أنه راح يلح عليها في السؤال لمعرفة ما إذا كانت ستفرض الضرائب على الطبقة الوسطى من أجل تمويل اقتراحها قبل أن يحول أسئلته المفخخة لبقية المرشحين الآخرين غير المعروفين ويزيد من تحدي كل من إليزابيت وارن وبيرني ساندرز. 

لم تكن النقاشات التي جاءت بعد ذلك ذات أهمية لكن أعتقد أنها كانت مطلوبة لزيادة معدلات المشاهدة غير أنها خلفت بعض التعليقات التي ستظل راسخة في الذاكرة. فقد هاجمت إليزابيت وارن المسؤول عن إدارة المناظرة وقالت له «هذه نقاط نقاشية تليق بالحزب الجمهوري» قبل أن تسأل أحد خصومها عن السبب الذي جعله يترشح كديمقراطي إذا لم يكن قادرا على دعم «الأفكار الكبرى» التي تساعد الناس.

أما بيرني ساندرز فقد ظل يواجه انتقادات أحد خصومه الذي ظل يقاطعه ويسأله عن محتوى مشروع قانون الرعاية الصحية للجميع. انتقد ساندرز أيضا إعفاء الأمريكيين الأغنياء من مليارات الدولارات في مقابل التردد أو العزوف عن إنفاق المزيد من الأموال حتى تكون الرعاية الصحية حقا بدل أن تكون امتيازا. 

إذا كان الأمر يتعلق بالعمل على إزعاج ساندرز وإليزابيت وارن فإن تلك المحاولة لم تنجح. فقد نجح كلاهما في الدفاع عن نفسيهما بشأن كل النقاط المثارة وخرجا من المناظرة من دون أضرار. 

أما المناظرة الليلية الثانية فقد جاءت مختلفة. فقد واصل المسؤولون عن إدارة المناظرة استخدام الأجندة التقدمية لكل من بيرني ساندرز وإليزابيت وارن من أجل الإيقاع بالمترشحين العشرة الآخرين، رغم أنهم لم يحضروا أساسا من أجل مناقشة محتوى مقترحاتهم. 

كانت بقية المناظرة فوضوية ذلك أن المترشحين راحوا يهاجمون بعضهم البعض وقد استهدفت الهجمات والانتقادات خاصة بايدن وهاريس. ظهر جو بايدن في موقف دفاعي. رغم أن هاريس قد توجت «نجمة» للمناظرة الأولى عندما تصدت لمنافسها بايدن بشأن إنهاء التمييز في المدارس فإنها لم تبل البلاء الحسن عندما سئلت عن سجلها من خلال عملها كمدعية عامة. فقد بدت في موقف دفاعي كما غلب عليها التردد. كان السيناتور كوري بوكر النجم الحقيقي لليلة بفضل شخصيته الدافئة وهدوئه وهو ما جعله يرتقي فوق الجميع. 

بعد ليلتين أنفقت خلالهما ملايين الدولارات (إضافة إلى ملايين الدولارات كإيرادات للإعلانات الترويجية) لم يبق لنا من كل ذلك سوى جمل معدودة وبعض الانطباعات التي خرجنا بها من المناظرتين، إضافة إلى بعض الانتقادات والهجمات وبعض المترشحين الذين ذاقوا الأمرين والكثير من التشنج مع القليل من الأهمية. 

ما هكذا تدار المناظرات الانتخابية. يجب علينا أن ننتخب الشخص الذي سيقودنا (ويقود أغلب العالم) إلى المستقبل على أساس سياساته وقدرته على التنظيم الفعلي وإنجازاته طيلة حياته وليس على أساس أدائه في مناظرة أشبه بالبرنامج الترفيهي التلفزيوني. 

على غرار ما كان عليه الأمر في سنة 1984 فإنني أعتقد أن أغلب الناخبين سيجدون صعوبة كبيرة بعد سنة من الآن في تذكر هؤلاء المترشحين، ما عدا قلة من المترشحين الذين تألقوا حقا في ديترويت. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news