العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أمن الخليج العربي: التحدي وحدود الاستجابة (4)

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٥ ٢٠١٩ - 01:00

الخيارات الاستراتيجية لدول الخليج


بعد عرض أبرز مهددات الأمن الإقليمي لدول الخليج من خلال ثلاثة مقالات سابقة متتالية تبقى الحاجة إلى تحليل الخيارات الاستراتيجية لدول الخليج لمواجهة تلك التهديدات.

وقبيل الحديث عن تلك الخيارات فإنه يجب الأخذ بالاعتبار أن دول الخليج العربي تعد ضمن الدول الصغرى التي تكون خياراتها الدفاعية محددة بثلاثة خيارات: الخيار الأول هو شراء أحدث الأسلحة فيما يعرف بالتوسع الرأسي حيث لا يمكنها التوسع الأفقي بزيادة عدد الجيوش بالنظر إلى عدد السكان المحدود، ويتمثل الخيار الثاني في تأسيس شراكات وتحالفات دولية مع الدول الكبرى والمنظمات الدفاعية التي تربطها مصالح جوهرية بتلك الدول الصغرى، أما الخيار الثالث فهو انتهاج سياسة الحياد.

 وبنظرة تحليلية لسياسات دول الخليج ضمن تلك الخيارات نجد أنها قد انتهجت الخيارات الثلاثة الأول: تأسيس تحالفات والمشاركة في أخرى ابتداءً بالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن في مارس عام 2015 وذلك وفقا لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وذلك بعد سيطرة المليشيات الحوثية على العاصمة اليمينة صنعاء وشمال اليمن وإعلانها الاستعداد للتوجه نحو جنوب اليمن، مرورا بتأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي أعلنته المملكة العربية السعودية في ديسمبر 2015 كآلية جماعية لمحاربة الإرهاب تنتظم فيها جهود الدول العربية والإسلامية، وصولاً إلى المشاركة الخليجية الفعالة في التحالف الدولي لمحاربة داعش الذي تم تأسيسه عام 2014 ويضم 79 دولة، فضلاً عن مبادرة المملكة العربية السعودية بتأسيس كيان يضم الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في ديسمبر 2018، وإعلان بعض دول الخليج تأييدها مقترح الولايات المتحدة تأسيس تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي «ميسا» كآلية لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويتمثل الخيار الثاني في تعزيز الأمن الذاتي الخليجي، وهو ما تعكسه عدة مؤشرات مهمة أولها: حرص دول الخليج على إجراء عديد من المناورات العسكرية المشتركة فيما بينها، وقد كان واضحا أنها تضم كل أفرع القوات المسلحة البرية والجوية والبحرية بما يعني تحقيق التكامل فيما بينها إبان المعارك والأزمات المتوقعة، وثانيها: تفوق بعض دول الخليج في سلاح الجو مقارنة بإيران، وثالثها: إيلاء الأمن البحري أهمية كبرى من خلال تأسيس دول الخليج «مجموعة الأمن البحري 81» التي تستهدف الحفاظ على أمن الممرات البحرية الحيوية، ورابعها: الاهتمام بالعنصر البشري من خلال إلحاق العديد من أفراد أفرع القوات المسلحة بدورات تدريبية متخصصة متقدمة في المعاهد والكليات العسكرية المعنية بتدريب هؤلاء الأفراد بما يعني إكسابهم خبرات متنوعة.

أما الخيار الثالث فهو انتهاج سياسة الحياد؛ فعلى الرغم من جهود دول الخليج تجاه مهددات الأمن الإقليمي فإنها قد انتهجت الحياد إزاء التحولات التي شهدتها بعض دول الجوار.

 وبالإضافة إلى ما سبق كان هناك اهتمام خليجي بالتنسيق مع الدول العربية المحورية وفي مقدمتها مصر، سواء من خلال إصدار قوائم مشتركة بشأن الكيانات والأفراد المتهمين بدعم وتنفيذ عمليات إرهابية، أو التعاون بشأن الحفاظ على أمن مضيق باب المندب الذي يعد أحد أضلاع مثلث استراتيجي يضم كلا من باب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس. 

وبوجه عام نجد أن هناك العديد من مؤشرات التعاون الخليجي المصري، منها التنسيق العسكري من خلال زيادة وتيرة المناورات المشتركة لكل أفرع القوات المسلحة وقناعة الجانبين بأهمية اضطلاع الأطراف الإقليمية بدور أكبر تجاه الأزمات الإقليمية الراهنة، ورفض الجانبين المشروع الإيراني الذي يستهدف الهيمنة وتغيير موازين القوى الإقليمية الراهنة، واستحواذ تحدي الإرهاب سواء من جانب الدول أو الجماعات التي تدعمها الدول على جل اهتمام الجانبين، وهو يفرض بناء استراتيجيات مشتركة فيما بينهما في هذا الشأن. 

 ومع أهمية ما سبق فإن التساؤل المثار هو: ما هي التحولات الاستراتيجية التي يتعين على دول الخليج التعامل معها خلال السنوات القليلة القادمة؟

وقبيل الإجابة عن ذلك التساؤل يمكن القول إن مسألة دول صغرى وأخرى كبرى لم تعد هي المعيار المحدد لقوة الدولة من عدمه في ظل ظهور مهددات جديدة غير تقليدية سواء الجماعات من دون الدول أو الإرهاب السيبراني، ولذا فإن دول الخليج قد أصبح لديها خبرات متنوعة في التعامل مع التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية، إلا أن هناك عددا من التحولات التي سوف تلقي بظلالها على أمن منطقة الخليج العربي خلال السنوات القليلة القادمة ويمكن تحديدها في الآتي:

أولاً: ديمومة الأزمات الإقليمية وما يمكن أن ترتبه من موازين قوى جديدة سوف تمثل تحديا لأمن الخليج العربي الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي يتفاعل معها تأثرا وتأثيرا.

 ثانيا: زيادة وتيرة التوتر في الجبهة الجنوبية لأمن الخليج العربي، ليس فقط بالنسبة إلى استمرار الأزمة اليمنية وإنما احتدام الصراع والتنافس في منطقة القرن الإفريقي الذي يعج بقواعد عسكرية تلتقي مصالح دولها أحيانا وتتقاطع أحايين أخرى.

وثالثها: الانتخابات الأمريكية القادمة التي ربما تسفر عن تغير ما أو ربما تغير أولويات الإدارة الحالية ذاتها، صحيح أن التزامها بأمن منطقة الخليج العربي هو أمر استراتيجي ثابت إلا أنه ربما تتباين آليات مواجهة تلك التهديدات.

 ورابعها: استمرار أزمة الملف النووي الإيراني وما قد تسفر عنه من سيناريوهات سيكون لها بلا شك تأثير على أمن الخليج العربي.

 وخامسها: زيادة حدة التنافس في منطقة المحيط الهندي، سواء ما بين دول تلك المنطقة أو ولوج قوى جديدة تسعى لتأسيس تحالفات؛ بما يعني ظهور تحالفات مضادة، ومن ثمّ في حال خروج ذلك التنافس عن الحد المألوف فإن ذلك سوف يعد تهديدا لأمن الخليج العربي.

 وبغض النظر عن المسارات المختلفة التي يمكن أن تنتهجها أي من تلك القضايا فإن الأمر الثابت هو أن دول الخليج قد تمكنت من التعامل مع كل الأزمات التي شهدتها المنطقة من خلال استخدام مفهوم القوة الصلبة بما يعنيه ذلك من قدرتها على حماية أمنها القومي من خلال الآليات التي سبق الإشارة إليها وهي جميعا مهمة ويمكن البناء عليها وتطويرها نحو آفاق أرحب، ولكن يتعين أن يكون ذلك من خلال انتهاج استراتيجية ذات ثلاثة أبعاد متزامنة هي الاستمرار في بناء القدرات وتحديد الأولويات الأمنية وتنويع الشراكات المختلفة في ظل التطورات الإقليمية والدولية الراهنة التي أوجدت العديد من التحديات الأمنية التي تتطلب رؤى واستراتيجيات مرنة بما يتلاءم وطبيعتها سريعة التحول والتغير. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة ومدير تحرير دورية دراسات.

 

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news