العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

من جديد يصبون الزيت على سوريا

يجمع العديد من المراقبين على أن تطورات إيجابية حدثت بالنسبة إلى الأزمة السورية التي مضى على تفجرها ما يربو على ثماني سنوات، سواء على الصعيد العسكري، حيث حققت القوات السورية وحلفاؤها نجاحات ملموسة على الأرض تمثلت في تخليص مناطق شاسعة من الأراضي السورية من سيطرة الجماعات المسلحة الإرهابية وغيرها، أم على الصعيد السياسي حيث تنشط عملية البحث عن مخرج لهذه الأزمة الدموية الطاحنة، كما أن نوافذ عربية فتحت ناحية العاصمة السورية دمشق تمثلت في زيارة وفود عربية وإعادة فتح سفارات (الإمارات العربية المتحدة مثالا)، لكن التدخلات الخارجية تعرقل مثل هذه التطورات الإيجابية وتحول دون إيصال القطار السوري إلى محطة السلام التي ينشدها جميع السوريين الذين عانوا، من دون غيرهم، ويلات الحرب والدمار والتشريد.

تحدثت الأنباء مؤخرا عن نشاط محموم تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها داخل سوريا؛ إذ كشفت مصادر مطلعة على مجرى الأوضاع السياسية والعسكرية عن قيام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بإعداد وتدريب مسلحي ما يعرف بـ«مغاوير الثورة» في منطقة التنف، تحت حجة تهيئتهم «للقتال» ضد ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وهي ذريعة طالما استخدمتها واشنطن وحلفاؤها لتبرير دعمهم وتدخلهم في الأزمة السورية وصب المزيد من الزيت عليها وإبقائها مشتعلة على أمل تحقيق الأهداف غير المعلنة.

على مدى أكثر من ثماني سنوات تعرضت خلالها سوريا لعملية تدمير منسقة وممنهجة بمشاركة قوى إقليمية ودولية أوصلت البلاد إلى حالة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وكادت تعصف بهذا البلد العربي العزيز إلى الهاوية لولا الدعم الكبير الذي تلقته دمشق من حليفها الدولي الكبير روسيا، التي مكنت الجيش السوري من الصمود في وجه الجماعات المسلحة التي تدفقت على سوريا عبر الحدود التركية السورية والتي تلقت دعما سخيا، عسكريا وماليا، من قوى إقليمية ودولية كان هدفها الأساسي هو تدمير الدولة السورية قبل كل شيء.

المعلومات التي أكدتها وزارة الدفاع الأمريكية حول تدريب مقاتلين سوريين في الآونة الأخيرة تؤكد أن واشنطن مصرة على عدم ترك الأوضاع في سوريا تأخذ منحى انحداريا، بل على العكس من ذلك فإن أمريكا بالمرصاد لأي تطورات إيجابية قد ترشح عن الأزمة السورية، فتارة تحتضن أمريكا الأكراد وتارة أخرى مقاتلين عربا، والغرض من ذلك هو إبقاء نار الأزمة مشتعلة لأن ذلك يحقق عدة أهداف تصب كلها في صالح أمريكا وحلفها الاستراتيجي في المنقطة، أي الكيان الصهيوني، الذي استفاد أكثر من غيره من اندلاع الأزمة السورية وإضعاف الدور السوري في حلبة الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة.

الخطوة الأمريكية الجديدة المتمثلة بتدريب وإعداد جماعات مسلحة على مختلف أصناف القتال من شأنها أن تطيل أمد الأزمة وتزيدها تعقيدا؛ ذلك أن هذه الخطوة الأمريكية من شأنها أن تعزز من قوة هذه الجماعات وتبقيها سيفا مشهورا في وجه الحكومة السورية، فأمريكا تعرف جيدا مدى ما خلفته الأزمة السورية من متاعب وصعوبات اقتصادية وعسكرية بالنسبة إلى الحكومة السورية، ولذلك فإن زيادة الضغط عليها عبر هذه المجموعات المسلحة سوف تزيد من هذه الصعوبات على أمل أن يرغم الحكومة السورية على تقديم تنازلات فيما يتعلق بالمشروع الأمريكي غير الخفي وهو تفكيك مركزية الدولة السورية وإقامة مناطق حكم ذاتي لبعض الأقليات في مقدمتها الأقلية الكردية السورية التي تحظى بدعم وتشجيع أمريكي كبير.

السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد، الذي تقاعد مؤخرا عن العمل لدى الحكومة الأمريكية، كشف في أحد البرامج التلفزيونية عن بعض من أهداف بلاده من وراء الوجود العسكري «المحدود» في هذا البلد وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لبعض فصائل «المعارضة» السورية وتحديدا الأكراد؛ إذ أشار السفير السابق إلى أن أمريكا تهدف إلى تمكين الأكراد من إقامة كيان يتمتع بحكم ذاتي على غرار ما هو قائم في شمال العراق والذي أقامته أمريكا خلال فترة الحصار الذي فرض على العراق بعد احتلال دولة الكويت الشقيقة عام 1990.

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية مصرة على تنفيذ هذا المخطط التفتيتي في سوريا رغم المعارضة التركية القوية، إذ تعتبر أنقرة الأكراد السوريين امتدادا لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تصنفه أنقره منظمة «إرهابية»، لكن الولايات المتحدة الأمريكية لن تأخذ المخاوف التركية على محمل الجد طالما أن الهدف هو سوريا وليس تركيا أصلا، أضف إلى ذلك فإن واشنطن بإمكانها تطمين الأتراك من أن الكيان الكردي السوري لن يشكل أي تهديد لأمنهم الوطني، كما هو حال الكيان الكردي العراقي الذي يحتفظ بعلاقات صداقة وتعاون مع أنقرة.

القرار الأمريكي الأخير بتدريب وتسليح جماعات سورية مقاتلة، وخاصة الأكراد منهم، يصب في هذا الاتجاه، فالأكراد السوريون الذين يواجهون تهديدات تركية متواصلة قطعوا حبال الاتصال بالنظام في دمشق على أمل أن تحتضهم واشنطن وتوفر لهم إمكانية التمتع بالاستقلال الذاتي كأشقائهم في العراق، وهو ما يبدو أن واشنطن تدعمه بقوة وبشتى الوسائل.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news