العدد : ١٦١٦٤ - السبت ٢٥ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٤ - السبت ٢٥ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من مليونير إلى مديونير

كان الكسل تهمة «لابسة» فينا تلازمنا نحن السودانيين، ثم جاءت ثورة ديسمبر 2018، وظل السودانيون يتحدون الأحوال الجوية القاسية ومليشيات الرئيس عمر البشير لأربعة أشهر متصلة حتى أسقطوا البشير، ومازالت الثورة مستمرة لاستكمال تشكيل حكومة مدنية تنقل السلطة بدورها الى حكومة منتخبة، وبهذا شهد العالم بأن شعبا بهذه العزيمة حيوي وديناميكي، وعلى العموم فإن كسل السودانيين فرية والله يجازي من كان السبب، (قل لمن تسبب في أمر ضايقك: الله يجازي اللي كان السبب! وسيغضب، مع أنك تدعو عليه، رغم أن الدعاء بذلك النص قد يعني «يجازيه خيرا»، ولكن ماذا تفعل مع العقول التي تختزن معان معلبة لمفردات وعبارات ذات معان كثيرة، قل لصاحبك أثناء الدردشة: أبوك الله يرحمه قال لي ذات مرة.. وسيقاطعك غاضبا: حرام عليك أبوي حي وبألف خير!! وهل طلب الرحمة لمن هو حي حرام؟ وجرب معي اختبارا سبق أن عرضته على القراء لفضح عقلية المعلبات واسأل الجالس قربك: يا فلان.. أول آية في سورة النازعات: والنازعات نزعٌ أم نزعا؟ في 98% من الحالات سيأتيك الجواب السريع: النازعات نزعا!! وبما أنك عزيزي القارئ من ضحايا المعلبات والمصطلحات الجاهزة فإنني أنبهك الى ان الآية الكريمة تقول «والنازعات غرقا»).

المهم: محمد ابراهيم سوداني يقيم في بريطانيا حيث يعرف باسم مو إبراهيم وهو نوبي مثلي؛ ذهب محمد الى بريطانيا للدراسات العليا في الهندسة الكهربائية، ثم التحق بشركة الاتصالات البريطانية كمهندس ثم صار صاحب عدة شركات اتصالات، ولديه عشرات الآلاف من الموظفين في كل القارات، وكان مو قد أثار غضبي قبل سنوات عندما خصص جائزة مالية قدرها 5 ملايين دولار للرئيس الإفريقي الذي يترك الكرسي بعد نهاية ولايته بدون حركات قرعة وبدون أن يهبش ويخمش من المال العام خلال فترة حكمة!! غضبت لأنني كنت أولى بتلك الملايين، ومنذ طرح الجائزة قبل نحو 15 سنة لم يفز بها سوى رئيسين إفريقيين، وأنا متأكد من أنه لن ينالها رئيس إفريقي آخر خلال العشرين سنة التالية: معقولة زعيم إفريقي عنده البنك المركزي وأزواج بناته يتحكمون في الصادرات والواردات، وعشيقته مسؤولة عن إيرادات الجمارك يضع عينه على ملايينك الخمسة يا محمد ويضحي بكل ذلك «الخير»؟.. غضبت لأنه لو أعطاني بلدياتي مو نصف مليون دولار فقط لا غير.... كنت سويت الهوايل.

المهم بارك الله لمحمد في ماله فقد جمعه باستخدام عقله الاستشرافي حيث انتبه لكون الدول الفقيرة أكثر حاجة من الغنية لشبكة الهواتف النقالة، لأنها لا تملك أصلا بنى تحتية للهواتف الأرضية ولأن الشبكات النقالة لا تحتاج الى تمديدات او بطيخ: بدالات مركزية وأبراج.. وقامت شركته بتزويد العديد من البلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بشبكات الهواتف الجوالة ويشهد له الجميع أنه لم يكن استغلاليا بل اسهم في العديد من المشاريع التنموية في تلك البلدان تبرعا من حر ماله.. فكان طبيعيا ان ينضم الى قائمة أغنى أغنياء العالم وأن يحتل المركز الـ15 بين الأثرياء العرب!! شخص كسلان لا يستطيع ان يفعل ذلك.

ولكن بيني وبينكم – وبدون زعل وحساسيات يا سودانيين – هل كان محمد ابراهيم (مو) سينجح في دنيا المال والأعمال لو ظل سودانيا و«بس» خلال سنوات حكم البشير؟ أقصد أن مو صار بريطانيا منذ عقود ومارس نشاطه التجاري والهندسي كبريطاني، ورغم أنه يتمتع بروح ابن البلد الأصيل وشديد الاعتزاز بجذوره فإنه «خواجة» في معظم جوانب حياته خاصة ما يتعلق بالانضباط والترتيب واستثمار الوقت!! هل كان سيدخل قائمة الأثرياء على مستوى الكرة الأرضية لو جاء بملايينه الى السودان – مثلا – قبل 15 أو 20 سنة لاستثمارها؟ أشك في ذلك عن تجربة، فبعد ان اصبحت مليونيرا عندما صار الدولار يساوي نحو 6000 جنيه سوداني ذهبت الى السودان بملاييني وبعد شهر واحد عدت «مديونا»، ثم عالجت حكومة البشير التضخم بطريقة ثورية حيث حذفت ثلاثة أصفار من العملة فصار المليون ألفا، وصار الألف جنيها واحدا، ثم باظت ماكينات طبع العملة فصار البشير نفسه كما اتضح لاحقا يخزن أموال الدولة تحت مخدة سريره، وتم اكتشاف الأمر بعد أن خلعه الشعب المتهم بالكسل من الحكم.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news