العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٦ - الخميس ٢٢ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: في التاريخ الثقافيّ... «رسائل إلى فيرا» لفلاديمير ناباكوف!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٣ ٢٠١٩ - 11:09

تمثل رسائل الأدباء الشخصيّة واحدة من أبرز مكونات سيرهم الذاتيّة الوثائقيّة، وواحدة من أبرز مكونات أرشيفهم الشخصيّ كذلك؛ فهي كتابتهم إلى آخرين وكتابة الآخرين إليهم. وغالبًا ما تكون هذه الكتابة «كتابة سرية مخبوءة» لتناولها عناصر حميميّة جدًا في حياة الأديب. وغالبًا يأتي شخص ما بعد وفاة هذا الأديب ويتيح أرشيفه كاملاً بما في ذلك رسائله الحميميّة بوصفها جزءًا من التاريخ الأدبيّ الثقافيّ بعد أن كانت جزءًا من تاريخ شخصيّ جدًا! والشواهد العالميّة على هذا الاختراق كثيرة جدًا، ولدينا في المشهد الثقافيّ العربيّ الكثير والكثير!

 فلاديمير ناباكوف (1899_1977) هو كاتب أمريكيّ من أصل روسيّ أرستقراطيّ؛ فوالده كان أحد كبار رجالات القانون الروس في عصره، وجده كان وزيرًا سابقًا في الحقبة القيصرية. وقد انعكستْ هذه النشأة الأرستقراطية على تعليمه الأساسيّ؛ فقد تلقَّى تعليمًا ثلاثيّ اللغات بالروسيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة. وبعد اندلاع ثورة أكتوبر 1917 التحق ناباكوف بكلية تيرنتي في جامعة كامبريدج التي درس فيها العلوم واللغات والأدب الوسيط. وفي سنة 1939 غادر ناباكوف إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث درّس في جامعات بوسطن وهارفارد وكورنيل. والمفارقة الكبرى أنَّ روايته الأشهر «لوليتا» التي انتقدت القمع السوفييتيّ مُنِعَت أول الأمر من التداول في أمريكا وذلك سنة 1955, وبعد ثلاث سنوات تحوّلت هذه الراوية إلى الرواية الأكثر تداولاً في أمريكا (كتاب الجيب)، كما بِيعتْ حقوق تحويلها إلى فيلم بمبلغ مائة وخمسين ألف دولار. وقد كتبتْ الروائيّة والأكاديميّة الأمريكيّة من أصل إيرانيّ آذر نفيسي كتابها «أن تقرأ لوليتا في طهران» من وحي رواية «لوليتا» لناباكوف في إحداث تلك المطابقة المجازية الكبرى بين الرواية والثورة الإيرانية المعاصرة. كتب ناباكوف سيرته الذاتية بعنوان «من الشاطئ الآخر»، كما أثارت طبيعة حياته وارتحالاته وكتاباته وإبداعاته عددًا كبيرًا من الكتاب الذين ألفوا عنه كتبًا إشكالية من أبرزها كتاب بريان بويد «ناباكوف والسنوات الروسيّة» عام 1990 و«السنوات الأمريكيّة» عام 1991 وهناك عمل متميّز عن سيرته لأندربوفيلد هو «ناباكوف: سيرة حياة غير مكتملة».

بعد وفاة ناباكوف بعدة سنوات نُشرَت رسائل ناباكوف التي تضمَّ مائتين وسبع وثمانين رسالة كُتبِت من 1923 حتى 1976 في كتاب اسمه «رسائل إلى فيرا»، وفيرا هي زوجة ناباكوف التي تمثل رسائله إليها الجزء الأكبر من مكونات هذا الكتاب الاستثنائيّ المثير والمدهش في الآن ذاته! وهذا الكتاب وهذه الرسائل كما يذكر مترجمها إلى اللغة العربيّة الدكتور عبدالستّار الأسدي ليس مجرد كتاب «أنطولوجيا» يضم بين دفتيه رسائل زوج إلى زوجته، بل هو «قصة الرحيل». يذكر أندرو فيلد صاحب كتاب «ناباكوف: سيرة حياة غير مكتملة» أنَّ فيرا زوجة ناباكوف كانت متحفظة جدًا في اطلاعه على بعض الرسائل المتبادلة بينها وبين زوجها نظرًا إلى خصوصيتها العاطفيّة العميقة، وأنَّها كانت تكتب بعض العبارات لأندرو على أظرف بعض الرسائل مثل «لا تُقرأ مطلقًا» و«تُقرأ بتحفظ»! كان ذلك في سنة 1979. والمفارقة المدهشة هي أنَّ فيرا نفسها كانت قد عرضت جزءا كبيرا من رسائل زوجها إليها للبيع في مزاد علنيّ بعد وفاته بسنتين فقط!!! وقد اشتغل المترجمان عن الروسيّة بريان بويد وأولغا فورونينا لمدة سنوات على جمع كلَّ ما يستطيعان الحصول عليه من أرشيف ناباكوف حتى اكتملتْ الترجمة في عام 2014 وطُبِعَتْ عام 2015 في كتاب ضخم جدًا بلغت صفحاته ثمانمائة وست وثمانين صفحة تقريبًا. وقد ضمَّ هذا الكتاب رسائل ناباكوف إلى فيرا وصورهما الشخصيّة العائليّة وبطاقات المعايدة وسواها من المتعلقات الشخصية جدًا.

ليس كتاب «رسائل إلى فيرا» كتابًا عاطفيًا يحتفي بعلاقة الحب الاستثنائيّة الطويلة التي جمعت بين ناباكوف وزوجته فيرا كما قد يوحي بذلك عنوان هذا الكتاب للوهلة الأولى. إنَّ رسائل ناباكوف إلى فيرا تمثل سيرة حياة على قدر كبير من التعقيد حتى على مستوى علاقته العاطفيّة بزوجته التي شهدت الكثير من الأزمات الكبرى والتوتر، إلى جانب تواصل بعض المنظمات السرية به. وتلقي هذه الرسائل الأضواء على حياة ناباكوف الأخرى التي قد تظهر في متخيلات رواياته الكثيرة. وتمثل هذه الرسائل بالفعل جزءا مهمًا من التاريخ الثقافيّ الوثائقيّ للاتحاد السوفيتيّ السابق وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة إلى جانب بعض الدول الأوروبيّة الأخرى التي زارها ناباكوف. نحتاج في جامعاتنا العربيّة إلى تدريس «التاريخ الثقافيّ» الذي يشكّل الأرشيف الثقافيّ بما في ذلك مراسلات عشرات من الأدباء العرب من مختلف الأقطار العربيّة مكوِّنًا أساسيًا كاشفًا فيه. إنَّ مثل هذا التاريخ بإمكانه أن يفسِّر لنا التشكّلات السياسيّة والثقافيّة الكبرى عربيًا وإقليميًا وعالميًا. إنَّ تدريس هذا التاريخ في جامعاتنا العربية الآن بالذات من وجهة نظري يُعدُّ ضرورة وليس ترفًا. أنصح بقراءة كتاب «رسائل إلى فير» بالتوازي في الوقت نفسه مع قراءة نتاج فلاديمير ناباكوف الروائيّ خاصة رائعته «لوليتا» مع كتاب «أن تقرأ لوليتا في طهران» لآذر نفيسي لمعرفة العمق الحقيقيّ لفلاديمير ناباكوف في تجلياته المختلفة.

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،  كلية الآداب، جامعة البحرين. 

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news