العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤١ - الأحد ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

الثقافي

ما هي أهم السمات التي تجمع مفاصل القضايا في الأدب الخليجي

استطلاع أجراه: علي الستراوي

السبت ٠٣ ٢٠١٩ - 11:03

 وما هي إشكالية هذا التواصل بين الأدب الخليجي والأدب العالمي على مستوى الاهتمام والترجمة؟ (2- 2)


في الجزء الثاني والأخير من الاستطلاع الذي اجرته الثقافي، بعد نشرنا الجزء الأول الاسبوع الماضي، تظل شجرة الثقافة ثابتة في تربتها، تحتضن الجميع دون فواصل لونية أو مكانية، قربت من الخليج أو بعدت عنه فهي تحت ظل واحد نرى فيها اهمية بقاء البيت الثقافي وتنوعه، بعيدًا عن الفئوية أو المذهبية أو اختلاف اللغة واللون، هذا ما سوف يقرأه القارئ في القسم الثاني من الاستطلاع، تحت ظل هذا المفهوم الثابت والقوي في تعاطيه حيث المكان والزمان الذي احتوى شريحة اخرى من المثقفين والادباء الذين ادلوا بدلوهم في القسم الثاني من الاستطلاع.

الدكتور الناقد فهد حسين يرى أن: الأدب في صورته العامة هو فن عالمي لا تحدده أمكنة أو أزمنة إلا في سياق الدراسات البحثية أو الأكاديمية، وهذا لا يعني خصوصية هذا الأدب ومكانه من غيره. وحين نعود إلى الأدب الخليجي فإننا نعني هنا السرد والشعر بعد أن حولنا المسرح إلى عالم الفن.

الأمر الطبيعي أن هناك خصوصية لأي أدب كان، فلو عدنا بالذاكرة الثقافية الأدبية والتاريخية ووقفنا على المعلقات سنجد خصائصها متفردة عن غيرها من النصوص التي كتبت في العصر ذاته ولكن في ثقافات وأمكنة أخرى حيث الوقوف على الأطلال والرحلة والحرب والمغامرة والحكم وغيرها.

وهذا الأمر ينطبق حديثا على النص الأدبي الخليجي، فهو نص يختلف في بنائه ونسيجه اللغوي من مبدع لآخر بحسب الخبرة والتجربة والمران والتواصل مع الثقافات والآداب الأخرى، وإيمان هذا المبدع أو ذاك بالتجريب، لذلك فنص المبدع صاحب الخبرة والرعي والثقافة والمؤمن بالآخر أيا كان تجده نصا يحفر في قضايا كبرى ولم يقف عند الأمور الصغيرة التي لا تغني النص ولا تعطي القارئ شيئا، نجده نصا في السؤال الذي لا ينتظر الإجابة، فيه مناقشة الموت والحياة والحب والجمال والإنسان في سياقات ثقافية وفلسفية وليس في سياق السطحية التي غالبا ما تبرز في الكثير من أعمال الشباب والشابات، لكن الشيء العام في سمات النص وهنا لا أعني كل النصوص ولكن في أغلبها بل جلها شعرًا أم سردًا نلاحظ سهولة اللغة الموظفة، ضيق أفق النص التخييلي، صعوبة الربط بين ما هو واقع وما هو متخيل، التكلف في الصياغة، التقريرية الجافة، طرح القضايا العادية المتمثلة في الحب، الزواج، الحرية من منظور الكاتب وليس من منظور النص، وهنا أيضا بعض المبدعين يقعون في مأزق التفرقة بين كونه كاتبا خارج النص، وكونه أحد لعبة التركيب النصي.

والإشكالية الأخرى تكمن في كاتب النص الذي هو بحاجة إلى قراءة واعية ومستمرة، والى حوارات ومناقشات في التجارب، والتأمل في القضايا التي ينبغي طرحها، هل يجوز أن أكتب عن قضية ما وأنا لم أقرأ فيها وأبحث؟؟

ولكن هذا لا يعني أن الأدب الخليجي لم يكن في مراتب عليا فهناك الكثير من المبدعين اهتموا بمناقشة التاريخ وشخصياته العربية والأجنبية كقاسم حداد، وعبدالله خليفة واسماعيل فهد اسماعيل، ورجاء عالم، وهناك من تفنن في اللغة التي هي أهم أعمدة الكتابة كأمين صالح وفوزية شويش السالم، وهناك من اهتم بالأقليات والهويات مثل فريد رمضان، وقس على ذلك.

وبالنسبة إلى التواصل بين الأدب الخليجي والأدب العالمي، أعتقد ليست هناك إشكالية بالمعنى الحرفي، بل لعدم وجود خطط استراتيجية ثقافية في دول المنطقة بهذا الخصوص واعني الشعر والسرد تبقى المسافة بين الأدبين بعيدة، وهنا أحيل القارئ إلى مشروعات الشيخ الدكتور سلطان القاسمي الذي لم يكتف بإقامة معارض الكتاب في الشارقة بل ذهب بالكاتب والكتاب الإمارتيين إلى أكثر من دولة أجنبية تسويقا ثقافيا وأدبيا للمنجز الأدبي الإماراتي، وإذا كانت الأمنيات عند الكاتب في المنطقة كبيرة فإن الظروف أحيانا تحيل دون ذلك، ولهذا لا ينبغي أن نعلق هذا التواصل والاتصال على المؤسسات الرسمية، بل ينبغي على المؤسسات الأهلية القيام بهذا الدور، لكن للأسف لم يعد العمل التطوعي الثقافي كما كان في السابق، وأذكر هنا اللجنة التي شكلت في أسرة الادباء والكتاب لتعنى بالترجمة توقفت لأسباب غير منطقية بل هي شخصانية للأسف، على رغم أن من أعضاء أسرة الأدباء من لديه خبرة ودراسة ومعرفة بعالم الترجمة إلى لغات حية، لكن أين هؤلاء. لذلك تبقى الأحلام الوردية في المجال الثقافي والأدبي عالية وكبيرة ولا ينبغي حجب شمسها إذا كان الكاتب والمشتغل في الشأن الثقافي لديه إيمان بدوره في المجتمع دون النظر إلى من يكسر المجداف. 

القاص الروائي أحمد المؤذن يرى أن: أهم السمات التي تجمع مفاصل الأدب الخليجي تتمحور حول قضايا الانسان المعاصر (القلق من المستقبل / حقوق المرأة / التحولات الديمغرافية المرتبطة بالعمالة الوافدة / قضايا الانسان ضمن حراكه اليومي وهمه المعيشي) وهناك قضايا أخرى تدور في هذا الفلك.

أما إشكالية التواصل بين الأدب الخليجي ونظيره العالمي.. المسألة ها هنا تندرج في نطاق أكبر من مجرد إشكالية على الصعيد النظري وحسب، نحن في الخليج العربي إلى حد الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما، في رأيي، لم نتمكن بالشكل الكافي من توحيد جهودنا الثقافية بغية إبراز هوية أدبية خليجية ضمن نطاق فن الرواية ثم نترجمها إلى اللغات الحية، الكاتبة العمانية جوخه الحارثي وروايتها «سيدات القمر» هي بمثابة استثناء في قفزها على الحواجز والمعوقات الراهنة في الساحة الثقافية الخليجية. هذا يحيلنا إلى السؤال التالي.

من يترجم الرواية أو الأدب الخليجي اليوم؟ 

على الصعيد الرسمي وزارات الثقافة في دول مجلس التعاون الخليجي لديها بعض الجهود في هذا الخصوص لكن لا نستطيع وضعها ضمن الفعل المؤسساتي الممنهج، أي عمل أدبي مترجم لكاتب / كاتبة - خليجي يحقق نسبة مبيعات لا بأس بها في عواصم أوروبا اليوم، يأتي في سياق الجهود الذاتية والعلاقات العامة أو في نطاق جائزة البوكر العربية، غير ذلك لا توجد مبادرات ثقافية تنقذ نتاج الساحة أو تبرز أدبنا الخليجي وتعرف به عالميا بالصورة التي تليق به.

 ويضيف المؤذن قائلاً: تحتاج وزارات الثقافة في دول مجلس التعاون الخليجي الى وضع استراتيجية ثقافية تكون بمثابة رافعة لخطابنا الثقافي وايصاله لهذا (الآخــر) فالجهود الذاتية أو الجوائز الأدبية ليست هي الحل الناجع، متى ما درسنا أوجه القصور والمعوقات وتعرفنا عميقا على مواضع الخلل، بعد ذلك نستطيع الوصول لعتبات الحل، أما غير ذلك فإن الجزء الأكبر من عطاء أدبنا الخليجي ربما يحكم عليه البقاء حبيس محليته وجغرافيته، إذا لم تتحمل المسؤولية أيما جهة ثقافية خليجية هذا التحدي الحضاري والذي أرى هنا أهميته التي تتصل ببناء الإنسان قبل الحجــر.

اليوم.. بناء الحضارة يختزل في بناء الإنسان المثقف وتحصينه من الانجراف إلى بؤر التطرف والعنصرية، حيث تبرز هنا قيمة الأدب في تهذيب روح هذا الإنسان وتوجيهه التوجيه السليم، (الآخر) هذا المختلف عنا في الثقافة والجغرافية علينا أن نحرص على الوصول إليه، ما دمنا قادرين على إقناع المستهلك العالمي من أوروبا أو الولايات المتحدة بجدوى خطوطنا الجوية الخليجية وجودة خدماتها، فهذا يعني أننا بالمقابل قادرين «لو أردنــا ذلك» على إيصال خطابنا الأدبي وتصحيح النظرة النمطية عن «الخليجي» بأنه مجرد ثري يرتاد فنادق الخمس نجوم ويبحث عن الترفيه وحسب. قدرة الوصول إلى القارئ الذي يقع خارج نطاقنا الجغرافي ليست بالمستحيلة كما سبق وأشرت، فقط علينا وضع الخطط والبرامج الكفيلة بتوسيع نطاق خطابنا الأدبي، والآليات المتاحة عالميا في هذا الخصوص متاحة، يمكن استغلال ترويج الكتاب المحلي على الوفود السياحية الأجنبية وبالذات الناطقة بالانجليزية مثلا عبر منافذ المطارات وعلى متن خطوط الطيران ومن خلال الأسابيع الثقافية في العواصم العالمية، بمثل هذا الزخم الثقافي نستطيع الوصول إلى هذا (الآخر) فمتى نبدأ الخطوة الأولى؟!

ويرى القاص المسرحي ميرزا زهير: وجود اشكالية في التواصل بين الادب الخليجي والعالمي إذ أحيانا الترجمة تختلف من دار إلى اخرى ومن مترجم إلى آخر فقد يكون المترجم ليس له علاقة بالأدب وتكون اللغة غير شائقة وتصبح مملة واحيانا يحدث عكس ذلك.

وهناك كتاب خليجيون وصلوا إلى مستوى العالمية وفازوا بعدة جوائز عالمية كالشاعر قاسم حداد والروائي أمين صالح والمسرحي عبدالله السعداوي عندما فاز بجائزة احسن مخرج عن نص الكمامة واستطاعوا ان يفرضوا فنهم على المستوى المحلي والعالمي كذلك نقرأ لقراء بحرينيين ونتذكر مدرسة جوركي أو تيشخوف أو ماركيز ونلاحظ بأنهم متأثرين عالميا بهؤلاء الكتاب.

اما على مستوى الاهتمام فنرى بعض المترجمين البحرينيين اجتهدوا بأن يترجموا لنا قصصا عالمية كالقاص مهدي عبدالله والكاتب عبدالرحمن غريب والمرحوم يوسف يتيم والدكتور حسن مرحمة وقد اهتم هؤلاء بترجمة النصوص العالمية وعلى مستوى الخليج نرى مجلة نوافذ وابداعات عالمية تترجم لنا نصوصا عالمية وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة هيئة الثقافة والتراث تحضر لنا فرقا عالمية في المسرح والفن ليستفيد الجمهور منها.

وختاما نأمل أن تكون في وطننا دار طباعة تهتم بنقل النصوص والإبداعيات العالمية كما في دولة الكويت وبعض الدول الخليجية.

الدكتورة جميلة الوطني تفصل بعدها من سؤالنا قائلة: تأثر الكتاب والأدباء الخليجيين كثيرا بأدباء عرب وغربيين، لذا أرى بأن الأدب الخليجي لم يكن له نكهته الخليجية البحتة، ولم ينصهر الأدب الخليجي في بوتقة البيئة الخليجية لتكون لها نكهتها الأدبية المتميزة، وعليه لم يستطع الكاتب والأديب الخليجي الإنصهار في حياة وطنه، إلا ما ندر من شعراء العامية، لذا نرى هناك شاعر عماني وشاعر بحريني وليس شاعر خليجي، أي انتماءاتهم مناطقية.

وأرى بأن الأديب يحاول جاهدا التنقل من بيئة بسيطة إلى بيئة متحضرة إلى أكثر تحضرا أدى إلى عدم خلق أديب خليجي وإنما أديب مناطقي.

أيضا عدم تكاتف المؤسسات الأدبية الخليجية مع بعضها البعض مما يجعلها تعمل باستقلالية تامة بعيدة عن خلق تمازج أدبي خليجي، لذا يصعب على الأدباء الخليجيين خلق روح الأدب الخليجي وإن كان مناطقيا ولكن فيه من البيئة الأدبية الخليجية، وإنما المؤسسات تعمل كل على حدة.

-عدم وجود الأديب المتخصص في الترجمة الأدبية، أي نقل النص من ترجمة النص إلى الهدف أو المعنى الروحي في النص.

- دور الترجمة باهظة الثمن وأيضا غير متخصصة في الترجمة الأدبية لنقل النص من الترجمة الحرفية إلى الترجمة الأدبية أو إلى الترجمة ليصل إلى روح النص.

- ترتبط الإجابة على ما تم طرحه أعلاه، حيث إن العالمية تحتاج ترجمة الأعمال الأدبية بلغة سليمة للغة أدبية فنية تعبر عن روح النص.

- نقل النص الحرفي إلى الغاية المقصودة منه قد يصل به للعالمية ولكن هذا يتطلب أدوات وجهدا كبيرا شخصيا ومؤسسيا.

- أكثر الأدباء لا يجيدون لغة غير لغتهم العربية لذا لا يفقه الأديب مدى صحة ترجمة نصه الأدبي من عدمه.

وأرى أن العائق كبير رغم توافر أدوات التواصل الاجتماعي للنشر والوصول للعالمية إلا أن ذلك لا يغني عن وجود الكتاب الورقي بين يدي الأدباء العالميين العرب منهم والغربيين.

- مازال الأدب الخليجي بعيدا عن العالمية لأنني أرى بأن تلاقح الأدب الخليجي لم يتم بعد، فكيف يمكن أن يصل للعالمية، أو أن يكون هناك تمازج بين أدب خليجي وعالمي، ويمكننا أن نطلق عليه (أدب خليجي عالمي).

 ومن وجهة نظري هناك عقم أدبي في الترجمة، لا تعمل المؤسسات الأدبية في دول الخليج على نقل الأدب الخليجي إلا ما ندر، هذا الأمر يحتاج الى إعادة نظر في الأدوات والقائمين على هذه المؤسسات التي تسهم في دفع عجلة الأدب الخليجي للعالمية، وبرأي فاليكن إلى العربية بداية من باب أولى.

: -على المؤسسات الأدبية

* -الإبتكار في العمل الأدبي

* -والإبتعاد عن الأنانية في العمل 

* -اعطاء الفرص أكثر للاخرين

* - الدعم المادي لترجمة النصوص الأدبية

 - توسعة المشاركة الأدبية في البرامج الأدبية في دول العالم الغربي والعالم العربي

- مضيفة بعدم وجد أدب خليجي واحد تربع على عرش العالمية، أو فاز بعرش التأثير العالمي.

ختاما ترى الوطني مؤكدة: أن يؤمن الأديب الخليجي بأن الأدب الخليجي هو مرآة عاكسة لدول الخليج والأدب الخليجي برمته.

وأن انطوائية عقدة ضحالة الترجمة وتكبيل الإبداع عن التحليق العالمي كون أن المفردة قد تكون تحددت سلفا سيما بعد تأسيس مجلس التعاون الخليجي المتمثل بدوله الست (السعودية والكويت وقطر والإمارات وعمان والبحرين )، إلا ان المصطلح في حقيقته لا يمكن أن يتوقف عند هذه المنطقة أو الحدود المتسعة منذ اشراقات الصحراء الآخذ بالاتساع شرقا حتى العراق وجنوبا حتى اليمن وشمالا حتى التماس بالشام العربي المتأثر بحضارة الإغريق والرومان.. مع ذلك فبالإمكان أن تكون هنالك سمات معينة يشترك بها الأدباء الخليجيون وفقا لهذا التحديد الجغرافي من قبيل اللغة واللهجة المتشابهة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة... وكل الملفات المشتركة التي جعلت المصير الجمعي واحدا بشكل انعكس على تعابير الأدب ومخرجاته بأغلب دوله الشعبي منه والفصيح.. الذي ظل حبيس حدوده ونبضاته المجتمعية حتى زمن قريب حتى أشرقت واردات النفط لتشكل تطورًا سياسيا وامنيًا واقتصاديًا وعمرانيًا على مختلف جبهات الحياة المتشابكة التي كان الأدب جزءا منها بل هو مصورها وكاتبها ومؤرخها ومؤرشفها الأول.. 

لكنه ظل حبيس حدوده وذاته لم يستطع أن يكسر هذا الطوق ولم يلبس جلباب الأدب العالمي أو ما يسمى بالإحساس الإنساني إلا بنوادر عدت بمثابة شطحات لا تتجاوز أصابع اليد... وللأسف فإن هذه الشطحات الأدبية الشاذة عن عمق الصحراء أو المتجاوزة لمحتواها ومضمونها ومحددتها الدينية والاجتماعية والثقافية... برغم حملها الكثير من معان الأدب الحضاري العالمي... ظلت حبيسة في حدودها الضيقة جراء خلل مؤسساتي كبير تعيشه أغلب الدول الخليجية التي لم تخرج من الذات إلا بما ندر.. وقد تمثل ذلك القصور بشكل حتمي على سبات مخرجات الأدب الخليجي ضمن حدوده فلم تترجم ولم تظهر خارج ذلك الإطار.. لتؤشر دورًا سلبيًا مؤسساتيًا لم يعتن ولم يعطي للترجمة دورها الأكبر بضرورة توفير الترجمات الأدبية إلى اللغة العربية أو ترجمة الأدب العربي إلى اللغات والحضارات الأخرى برغم ما فيه من جمالية معبرة ولمسات فنية أصيلة إبداعية كان ممكن لها أن تشق طريقها نحو العالمية الأدبية بسهولة لو كان هناك نشاط ترجماني لائق ومهني يتخذ من الأدب وسيلة وغاية لخدمته... وهنا الأدب الخليجي لا يشذ كثيرا عن معاناة الأدب العربي الأم أو الحاضنة الأصيلة له.. الذي ما زال يعاني كثيرا من شح الترجمة المتبادلة وأثرها السلبي على ذلك.

وبين رؤية يقترب فيها الروائي جابر خمدن اكثر حينما يقول: هناك من لا يتفق على وجود أدب خليجي حتى نميزه عن الأدب بشكل عام في الوطن العربي. وأنا أميل لذلك الطرح، فالأدب الخليجي وان تلون واصطبغ بالبيئات المحلية في كل دولة لا يخرج عن نطاق الأدب العربي والمكتوب باللغة العربية في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه. ثم ان حتى الخليج نفسه ينقسم إلى بيئات مختلفة، فمثلا سلطنة عمان تشكل بيئة تحوي الكثير من الاختلاف عن بيئة البحرين والسعودية والإمارات وقطر. أكثر من ذلك السعودية لوحدها فيها من التمايز في ربوعها، فالمناطق المتاخمة لليمن وللأردن مختلفة عن بيئة الدمام مثلا أو القصيم. لذلك فالمصطلح أيضا لا يدل ولا يخلق أي تمايز. يكتب الكاتب الخليجي من وحي بيئته ولكن الثيمات الرئيسة تبقى هي مواضيع مشتركة في كل أدبنا العربي. والهموم الإنسانية التي يحملها ويعالجها واحدة. مثلا قضية الحب والمرأة ربما تأخذ نكهة المكان في هذه المنطقة وتتلون حسب كل بلد لكن يبقى إطارها العام محكوما بمجمل ثقافتنا العربية الشرقية فلا يتميز مثلا عن نفس المواضيع التي كتبت في المغرب العربي ومشرقه بخصوص المرأة العربية وملامسة قضاياها.

وهناك من يرى أن دول الخليج هو مصطلح في الأساس، دوله الست تتنوع في بيئاتها ولا تشكل بيئة واحدة متطابقة التجانس. وعليه فهي مثل الدول العربية الأخرى. على أن ما يخص الأدب العربي ككل وما يواجهه من تحديات ومشكلات تبقى واحدة.

والاشكالية في التواصل مع الأدب العالمي تشملنا كلنا، كل الأدب العربي. هناك من الكتاب أمثال الكاتب والمترجم السويسري هارتموت فاندريتش من يرى أن «الأدب العربي يتوافر على عمق تاريخي يفوق ذلك الموجود عندنا». وفي مقابلة له على التلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية تحدث عن الأدب العربي وأنواعه الكلاسيكية كما هي موجودة في الأدب الأوروبي من قصة رواية ومسرحية. ولكن بينما ينظر أمثاله نظرة إيجابية لأدبنا يوجد في مقابله من لا يرى في كل الأدب العربي المعاصر إلا أدبا أوروبيا مكتوبا بالعربية ويفرق بين الأدب العربي القديم الذي يمتلك أصالة وبين الحديث الذي يفتقدها. وعندما سئل أحدهم إذا ما كان يقرأ في الأدب العربي، أجاب أنه يقرأ القديم منه لأنه يرى الحديث أدبا أوروبيا مكتوبا بالعربية. وهنا تطرح مسألة الأصالة، يقول البعض أنه ليس ثمة عالمية في الأدب دون أصالة، فالأصالة هي ما تمنح الأدب فرادته وتميزه وهي المدخل الطبيعي للعالمية. 

ويرى الدكتور سعيد البازعي الأستاذ بكلية الأدب في جامعة الرياض بأن محاولات ثقافتنا العربية في تلمس موقعها بين الثقافات والآداب العالمية في عالم اليوم تواجهه العديد من التحديات المتعلقة بالعولمة المعاصرة. ويرى أن الرأي العام الخليجي والعربي بوجه عام مهتم جدا بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث وأشار لقضية الترجمة ودورها في التعريف بالإبداعات العربية. 

ولكن الأمر ليس مسألة ترجمة وحسب، صحيح أنه ربما لا توجد مؤسسات تترجم أدبنا إلى اللغات الأخرى في قبالة المؤسسات التي تهتم بترجمة الآداب الأخرى للعربية. إذا لم ننتح أدبا يملك من الأصالة والتفرد ما يمكنه الوصول إلى الثقافات الأخرى وفرض نفسه فإن الترجمة لن تجدي. لأن التميز هو ما سيقود إلى حضوره في المشهد الثقافي العالمي. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في عام 1988 وفي شهر مارس رتب معهد العالم العربي في باريس للقاء روائيين عرب مع نظرائهم الفرنسيين. منهم سهيل ادريس، آسيا جبار، ادوارد الخراط، طاهر بن جلون، جبرا إبراهيم جبرا وغيرهم عن الجانب العربي ومن الجانب الفرنسي، بيير برنار، آلان روب غرييه، شانتال شواف وغيرهم. 

وكانت فاتحة جيدة للتشاور والتداخل بالحضور شخصيا ومقابلة نظراء في الجانب الآخر من الثقافة العالمية. وعليه ربما تكون المؤتمرات المشتركة والتي تجمع المهتمين بالإبداع الأدبي من كلا الجانبين مثمرة على صعيد تجسير الهوة بيننا وبين الثقافة الأوربية وبالتالي العالمية.

وعبر رؤية مشحونة بالألم تدلوا بدلوها الدكتورة الشاعرة العراقية نداء عادل قائلة: المؤسسات الخليجية لم تسع حتى لنشر الأدب الخليجي عربيا فما بالك بالسعي عالميا وخلق بيئة مناسبة للكاتب لترجمة ما يقدم من صيغة إنسانية قد يكون لها مكانتها في المجتمع البشري؟ 

وبحكم حياتي الطويلة في أوروبا أخبرك يا صديقي أن الكتاب الخليجي لا يصل إلى الغرب وان الكتب العربية عموما في المكتبات الأوروبية نادرة الوجود وإن وجدت فهي لأعلام عفا الزمن على رواياتهم وقصصهم وادبياتهم.

ونحن عربا وخليجيين في أزمة كبيرة بشأن التواصل الإنساني حتى معارض الكتاب الدولية لا تقدم للناشر الأوروبي أو الأجنبي عموما سعيا لتبادل الآداب بل يسعى الناشرون العرب إلى الحصول على حقوق ترجمة الأدب الغربي والعلوم الغربية دون أدنى تفكير بالمسؤولية واقتراح التبادل على أقل تقدير. 

 ويختم الشاعر والقاص جعفر الديري استطلاعنا برؤية يربطها بوجهة نظره كما يقول: ككاتب للقصة قصيرة، إذ لا يمكن إعطاء رأي سديد بخصوص موضوع كبير مثل هذا، إلا على يد ناقد متخصص، بعد تأن ودراسة، وأنا لا أدعي هذا الشرف. 

ألاحظ أن قضايا الإنسان كالفقر والمرض وغياب الحريات، هي أكثر ما يشغل ذهن المبدع الخليجي. ليس الكاتب وحسب، فحتى الفنان التشكيلي والنحات والموسيقي، وغيرهم من ممارسي الإبداع، أجدهم متفقين على إعلاء شأن الإنسان. 

المبدع الخليجي، شرَّق أو غرب، تفنَّن في استخدام الأساليب القصصية والروائية، استفاد من المناخات المختلفة، هو في النهاية ابن هذه الأرض الطيبة، وهو شديد الارتباط بها، ونماذجه جميعها محلية، اللهم إلا بعض التجارب النسوية، اهتمت اهتماما خاصا بقضايا المرأة، كالكبت، والنظرة الدونية لها دون الرجل. وهي تجارب تخفق أحيانا في الإمساك بالبناء القصصي، وتنساق للتعبير عن المشاعر، بحيث تفقد لونها القصصي، وتتحول إلى خاطرة من الخواطر. 

بالنسبة لموضوع اهتمام المؤسسات الخليجية بنقل الأدب الخليجي للعالم؟ أجد أن هذا الأمر مسؤولية المؤسسات الرسمية. أمَّا دور النشر فمشروعات ربحية، تنشر الأثر الأدبي والفني وتترجمه متى ما كانت لها مصلحة في نشره. متى ما أثبت الكاتب نفسه، ستسارع هذه المؤسسات الخاصة لتبنيه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news