العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٠ - الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

معاول الهدم تتربص بشعوبنا

كل الوقائع والأدلة على الأرض تؤكد أن المعاول الأجنبية، وفي مقدمتها المعاول الاستعمارية بوجوهها المختلفة، لم تكن في أي يوم من الأيام معاول بناء وإصلاح أو معالجة لأي نوع من أنواع المشاكل التي تعاني منها بعض دولنا نتيجة لعوامل مختلفة، داخلية كانت أم خارجية، فالعقول التي توجه وتسير هذه المعاول لا يهمها مساعدة بلداننا على تجاوز أي شكل من أشكال الصعاب الاقتصادية أو السياسية وغيرها، بقدر ما يهمها أولا تحقيق مصالحها الذاتية بالدرجة الأولى، طبعا على حساب مصالح شعوبنا، وثانيا تعقيد وتصعيب المشاكل التي تعاني منها دولنا بحيث تتحول إلى ما يشبه الأمراض المزمنة، التي تتحول مع الوقت إلى وحوش مفترسة تقضي على أي أمل لبناء مستقبل مشرق ومزدهر لشعوبنا وتفرغ بلداننا وشعوبنا لعملية البناء، كما هو حال الشعوب والبلدان الأخرى.

سيرى البعض في مثل هذا الطرح على أنه استسلام لنظرية المؤامرة، وهروب من وضع اليد على الأسباب الحقيقية التي خلقت مثل هذا الواقع الرديء الذي تعيشه دولنا وشعوبنا، فإلقاء اللوم على الآخرين هو أسهل الطرق هروبا من مواجهة التحدي، مثل هذا الطرح وهذه القراءة، من حيث الظاهر صحيح، لكن في مقابل ذلك فإن الوقائع الملموسة ومن خلال الأحداث المفصلية التي مرت وتمر بها العديد من الدول والشعوب العربية تطيح بمثل هذه القراءة والطرح، وفي نفس الوقت ترجح كفة ما قد يراه البعض شكوكا تختمر في عقولنا وهي مبنية على مواقف مسبقة من نوايا أصحاب تلك المعاول.

لسنا بصدد تبرئة الذات شعوبا وحكومات، من تحمل مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في بلداننا وما تعانيه شعوبنا العربية من حالة ضياع حقيقية فيما يتعلق بمستقبلها، ورغم ذلك فإن المواطن العربي لا يحتاج إلى الكثير من الأدلة والبراهين للتأكيد على أن جزءا كبيرا من ذلك تتحمله الأيدي الأجنبية التي حملت معاول الهدم وسخرتها لتكريس هذه الأوضاع وزيادتها سوءا، ذلك أن هذه المعاول عملت على مدى سنين طوال على تكبيل الكثير من الدول العربية بآليات اقتصادية وسياسية انعكست سلبا على حياة شعوب هذه البلدان، واستمرت هذه المعاول تقوم بأدوارها التخريبية تحت عناوين وأهداف لا تمت بأي صلة الى مصالح دولنا وشعوبنا، بل لها علاقة مباشرة بمصالح حملة تلك المعاول ودولهم.

هل يحتاج المواطن العربي إلى دليل يبرئ أصحاب المعاول التخريبية الخارجية من عملية التدمير الشامل الذي تتعرض له سوريا وليبيا حاليا والذي تعرض له العراق قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات؟ هل يمكن لأي عاقل أن يلقي بنظرية المؤامرة جانبا وهو يرى الدور التخريبي الذي يمارسه حملة معاول الهدم لتأجيج الخلافات الداخلية في هذه الدول وتحويلها إلى صراعات دموية ألحقت دمارا شبه كامل بمقومات وقواعد الدولة الوطنية ذات السيادة الكاملة؟ كانت شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان بمثابة المواد التي سخرتها تلك المعاول للقيام بعملية الهدم في هذه الدول.

من الصعب، إن لم يكن من المستحيل إقناع المتتبعين لتطور الأحداث في العديد من الدول العربية، خاصة بعد اندلاع ما يسمى بموجات «الربيع العربي»، أن اندلاع هذه الأحداث وتطورها واستمرارها، بل وتصاعدها لدرجة حولتها إلى حرب أهلية حقيقية في دول مثل سوريا وليبيا، ان كل ذلك حدث ويستمر بسبب أن جزءا من المواطنين، أو أحزابا ومنظمات غير راضية عن طبيعة النظام السياسي في هذا البلد أو ذاك، أو أن النظام السياسي لا يحكم بالعدل ويصادر الحريات الفردية والجماعية، السياسية منها والحقوقية، مثل هذا القول وهذه النتيجة يفتقر إلى الدقة والعقلانية في تتبع وقراءة مسار تطور الأحداث في هذه الدول.

نعم هناك أسباب داخلية في العديد من الدول العربية ساهمت في اندلاع الأحداث، ولكن هذه الأسباب ليست هي العامل المؤثر والحاسم الذي يقف وراء تطورها واستمرارها وتحولها إلى المستوى والخطورة التي هي عليه الآن في كل من سوريا وليبيا على سبيل المثال، فالعوامل الخارجية، أي التدخلات المباشرة من دول إقليمية وغير إقليمية، هي السبب الرئيسي والمباشر في ذلك، وهذه التدخلات، سواء من خلال دعم التحركات الداخلية بالمال والعتاد أو من خلال التدخل المباشر كما هو الحال في البلدين سالفي الذكر، لم تأت للمساعدة في «تصحيح» خطأ أو اعوجاج، وإنما لتحقيق مصالح تلك الأطراف وفي نفس الوقت الإضرار بمستقبل ومصالح هذه الدول العربية وشعوبها.

ما أحدثته معاول الهدم الخارجية بالعديد من دولنا وشعوبنا العربية يصعب ترميمه فهذا الدمار الفادح الذي أحدثته تجاوز في خطورته ما تحدثه أي حروب تقليدية بين الدول، فهذه المعاول لم تكن أفعالها عشوائية بقدر ما كانت موجهة نحو ضرب وتدمير مفاصل رئيسية وأساسية في هياكل الدول ومؤسساتها بحيث تكون النتيجة المطلوب تحقيقها هي إيصال الدول إلى درجة الفشل التام في تأكيد السيادة الوطنية وحمايتها وهو ما يعني إحداث الفوضى العامة، وخير مثال على ذلك ما تمر به كل من سوريا وليبيا الآن، هذه أمثلة ساطعة على حجم وخطورة الجرائم التي اقترفتها معاول الهدم الخارجية.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news